وزارة الخارجية العراقية، الزوايا الحادة والمنفرجة

علي الكاش

من الأمثال العربية المأثورة "التكرار يُعلِّم الحمار"، وهذا المثل فيه الكثير من الصحة ‏والمصداقية، ففي زيارة في الثمانينيات من القرن الماضي لأحد أقاربنا في ناحية ابي صيدا في ‏محافظة ديالى، قطفنا الكثير من البرتقال في بستانهم وحملناه على حمار لهم، وما ان اتنهينا من ‏تحميله حنى ضربه قريبي ضربة خفيفة على ساقه فذهب الحمار وحيدا في طريقه الى البيت، وبعد ‏حوالي ساعتين عاد الينا بعد ان أفرغوا حمولته وكررنا الحال معه.

 

نتيجة تكرار العملية فيما سبق فقد ‏تعلم الحمار واجبه دون الحاجة الى أحد يرافقه في الذهاب من البستان الى البيت والعكس، وقد ‏فطن العرب الى ظاهرة التكرار ودورها في التعليم مع البشر وغيرهم، واستخدموا الحمار في ‏المثل دلالة على أنه من اكثر الحيوانات حمقا، مع ان هذا الأمر غير صحيح علميا. ‏

ربّاط كلامنا في إعلان وزارة الخارجية العراقية لأكثر من مرة بأنها تسعى جاهدة الى تحسين ‏العلاقات مع الدول العربية، بعد ان انفردت ولاية الفقية بالعلاقة الحسنة مع العراق وأخذت تملي ‏على وزارة الخارجية العراقية أوامرها، والوزارة كالعبد الذليل يطيع الأوامر طاعة عمياء، بعض ‏النظر عن المصائب التي تنجم عن هذه التبعية والتي تتناقض مع مصلحة العراق ومع محيطه ‏العربي، وتتعارض أيضا مع مفهوم السيادة والكرامة الوطنية التي اختفت آثارها في البلد على ‏أيدي حكامه الجدد، علاوة على أنها تتناقض مع علاقات حسن الجوار، وتؤكد  ان سياسة العراق ‏الخارجية مرهونه بتوجيهات الولي الفقية واذرعه الطويلة في العراق بشكل مطلق.‏

علاوة على ان الوزارة نفسها ليست لها قيمة داخل العراق نفسه، فالكثير من الزعماء السياسيين ‏والنواب وزعماء الميليشيات الرسمية يطلقون تصريحات نارية ضد دول الجوار دون أي إعتبار ‏للوزارة، علاوة على تهديدات تصل احيانا الى إعلان الحرب عليها، وبالتأكيد لا توجد دولة في ‏العالم يصرح فيها أي كان دون على كيفه دون الرجوع الى الوزارة صاحبة الشأن، وهذا ما عبر ‏عنه رئيس لجنة العلاقات الخارجية في تصرح له بتأريخ17/1/2017 " إفتقاد العراق لسياسة ‏خارجية موحدة تجاه الإصطفافات الإقليمية والدولية"، سيما بعد ان استنكرا أقزام ايران في العراق ‏كنوري المالكي وعمار الحكيم إعدام ثلاثة إرهابيين في البحرين، مما يدل على على التسيب ‏والفوضى، لذا فقد انحصرت سياسة العراق الخارجية في زاوية حادة وحرجة مع العرب، وزاوية ‏منفرجة مع ولاية الفقيه.‏

لم تخرج سياسة العراق الخارجية عن توجيهات ولاية الفقيه منذ تسلم شيعة السلطة الحكم من ‏الامريكان ولحد اللحظة، ويمكن الرجوع الى مواقف العراق العربية في المنظمات الدولية ‏والعربية والخروج بحقيقة لا تقبل الجدل وهي ان العراق يدور في الفلك الايراني وليس العربي. ‏وعندما صرحت وسائل الأعلام الإيرانية مؤخرا بأن وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري ‏يقوم بوساطة بين إيران والمملكة العربية السعودية تهدف الى تحسين العلاقات بين البلدين، ‏استغربنا من هذه التصريحات غير المنطقية، فلا الوزير المهووس ولا وزارىته التابعة لولاية ‏الفقية جديرة بهذه المهمة التي تستوجب من الدولة الوسيطة ان تكون محايدة على أقل تقدير وتتمتع ‏بعلاقات متوازنة بين الدولتين المتصارعتين. وفي الوقت الذي أكد فيه الوزير الجعفري هذه ‏الوساطة بقوله " أن خطوات الوساطة مستمرة منذ العام الماضي، ونقلت رسائل شفوية‎ ‎بين ‏مسؤولي البلدين خلال الشهور الماضية في محاولة تقريب المواقف‎ ‎بينهما"، إنبرى وزير ‏الخارجية السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان في تصريح له بتأريخ  16/1/2017 ‏لصحيفة الحياة  كذب فيها تصريح الجعفري، منوها أن‎ ‎بلاده" لا تحتاج إلى وساطة مع إيران، ‏وعدم اطلاعه‎ ‎على معلومات تتعلق بالوساطة بين البلدين. لم يردنا شيء بما يتعلق بوجود رسائل ‏وساطة بين الرياض وطهران،‎ ‎والسعودية لا تحتاج إلى وساطات مع إيران، لأن الايرانيين ‏يعلمون‎ ‎ماذا عليهم أن يعملوا ويفعلوا إذا أرادوا تحسين العلاقات مع المملكة". صدق لودفيغ ‏فيتغنشتاين بقوله" لا شيء أصعب من تجنب خداع المرء لنفسه". كما ان الرئيس الايراني حسن ‏روحاني أكد في 17/1/2017  بأن " هناك ما بين 8 ـ 10  دول تحدث فيها مسؤولون معنا حول ‏الوساطة مع السعودية" بمعنى ان الجعفري تحدث مع طرف واحد هو ايران ولم ينقل رسائل كما ‏زعم.‏

ما يؤكد قول السبهان هو بيان الإستنكار الذي أعلنته وزارة الخارجية العراقية بشأن إعدام ثلاثة ‏إرهابيين في البحرين، ولا أحد يجهل العلاقات بين السعودية والبحرين، فقد ذكر بيان لوزارة ‏الخارجية العراقية في 16/1/2017  " ان الوزارة تستنكر عملية الإعدام التي نفذت بثلاثة من ‏شباب البحرين الذين‎ ‎كانوا رهن الاعتقال جرّاء مشاركتهم في حركة المطالبات الشعبية بالحقوق‎ ‎المشروعة

وهذا يمثل خرقاً واضحاً لحقوق الإنسان،‎ ‎واستمراراً لمنهج التعامل القمعي مع هذه المطالبات، ‏إضافة إلى تغييب أبسط‎ ‎الحقوق القانونية في إجراء محاكمة عادلة لهم في وقت تتعالى فيه ‏صيحات‎ ‎العالم لاحترام حقوق الإنسان". الحقيقة ان البيان أعلاه بيان مشوه ومشبوه وبعيد عن ‏الحقيقة فهؤلاء الذين تم إعدامهم والذي اعتبرهم البيان" اعتقلوا جرّاء مشاركتهم في حركة ‏المطالبات الشعبية بالحقوق‎ ‎المشروعة". إنما إعتقلوا وحكوموا وأعدموا ليس بسبب هذه ‏المشاركة، فمثل هذه الأعدامات تحدث في العراق فقط، الحقيقة أن السلطات في البحرين اعلنت ‏تنفيذها الاعدام رميا بالرصاص بتهمة قتلهم ضابط شرطة إماراتي وشرطيين بحرينيين في هجوم‎ ‎بعبوة متفجرة عام 2014 وهذا ما لم يشر اليه بيان الوزارة في محاولة لطمس الحقيقة وتشويه ‏سمعة البحرين إنسجاما مع الموقف الإيراني المعادي لهذه الدولة الشقيقة‎.‎

نسأل وزارة الخارجية العراقية: اليس العراق من الدولة الرائدة في الاعدامات العلنية ويأتي ‏بالمرتبة الثالثة بعد ايران والصين، ناهيك عن الإعدامات السرية والإختفاءات الفسرية والجثث ‏مجهولة الهوية والتي يعرف العراقيون الجهات الرسمية التي تقف ورائها؟ ثم ما هي العقوبة في ‏العراق لإرهابيين يقتلون ضابط وشرطيين عراقيين؟ اليس الإعدام واعتبارهم إرهابيين؟ أما ‏موضوع حقوق الانسان فهو يثير السخرية ولا يحتاج الى تعليق! في نفس اليوم الذي صدر فيه ‏بيان وزارة الخارجية، طالب النائب العراقي كامل الغريري رئيس الوزراء العراقي بالكشف عن ‏السجون السرية التي يعتقل فيها المئات من أهل السنة من قبل قوات شبه رسمية (ميليشيات الحشد ‏الشعبي) في الفلوجة والرمادي ومناطق أخرى من العراق، منوها ان السجناء لا يعرف مصيرهم ‏وان الجهات الأمنية لا تكشف عن الميليشيات التي قامت بإعتقالهم. ‏

كالعادة إنبرى التابع الذليل نوري المالكي ليعلن ايضا إستنكاره لعملية الإعدام معتبر الإرهابيين ‏من" المعارضين في البحرين والمطالبين بالديمقراطية‎ ‎والحقوق المشروعة للشعب البحريني ‏الصابر بالطرق السلمية"، بالنسبة للمالكي ربما نسى ما فعله " بالمطالبين بالديمقراطية‎ ‎والحقوق ‏المشروعة للشعب العراقي الصابر بالطرق السلمية في الفلوجة والحويجة وغيرها"؟ إنها محاولة ‏لتلميع جلده الباهت لدى الولي الفقيه لا أكثر. وسار أبن المرجعية عمار الحكيم على طربق ابيه ‏الروحي الخامنئي فإستنكر الإعدام أيضا! وتلاه مقتدى الصدر الذي سبق بأيام ان أجاب عن ‏استفسار لأحد أتباعه بأنه يرفض التدخل في الشأن السوري، لكنه تدخل في الشأن البحريني!‏

وفي الوقت الذي يتوضح فيه ضعف السياسة الخارجية بقيادة الجعفري، نرى على العكس منه في ‏إقليم كردستان، فقد صرح (محمد حسين رجبي) قائد الحرس الثوري في 16/1/2017  بإن" وجود ‏أكثر من‎ ‎ثلاثين قنصلية وممثلية أجنبية في اقليم كردستان أمر غير طبيعي، سيما أن غالبية‎ ‎القنصليات الموجودة تعمل في مجال الاستخبارات، وان السعودية‎ ‎تحاول من خلال قنصليتها في ‏إقليم كردستان خلق مشاكل بإيران، لذا نطالب باغلاق‎ ‎قنصليتها باعتبار شعب كردستان ليسوا ‏بحاجة إليها".‏

وجاء الرد الصاعق من الإقليم في بيان بتأريخ 16/1/2017 نصه " احد مسؤولي جيش الباسدار ‏الايراني صرح مؤخرا بان وجود 36 قنصلية‎ ‎في اقليم كردستان امر غير طبيعي، وطالب بغلق ‏القنصلية السعودية في اربيل! أن وجود القنصليات والممثليات الدبلوماسية للدول في اقليم ‏كردستان‎ ‎يخضع للقوانين ب‍العراق وكردستان، وأن‎ ‎جميع انشطة هذه القنصليات والممثليات ‏الدبلوماسية هي في اطار هذه‎ ‎القوانين ولا يحق لاي كان ان يطالب بغلق اية قنصلية في‎ ‎الاقليم. ان ‏هذا التصريح ليس الاول من‎ ‎نوعه لمسؤولين في جيش الباسدار حول اقليم كوردستان، وهو تدخل ‏غير‎ ‎مبرر للشؤون الداخلية للعراق واقليم كردستان، وان‎ ‎حكومة الاقليم تعمل دائما على اقامة ‏علاقات ودية مع دول الجوار‎ ‎والعالم، معربة عن املها بموقف ايراني جدي من تلك التصريحات ‏غير المسؤولة‎ ‎وان تحرص على عدم تكرارها، فهي مرفوضة وغير‎ ‎مقبولة".‏

نقول للجعفري هل تستطيع الرد بمثل هذه القوة على ولاية الفقيه؟ الجواب معروف سلفا! ‏

وأخير نذكر الجعفري: خشيتم تعيين العميد الركن (عبد العزيز الشمري) سفيرا سعوديا في العراق ‏لأنه يشكل خطرا على البلد، لكنكم لم تعارضوا تعيين (ايرج مسجدي) العميد في الحرس الثوري، ‏مجرم الحرب والمطلوب دوليا سفيرا في العراق! فعن أية وساطة تتحدث يا رجل؟ أن فن التملق ‏هو الخداع بعينه.‏

 

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,938,617

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"