أين #أميركا في خطاب تنصيب #ترمب؟

محمد زاهد غُل

قد يكون المتوقع أن يكون السؤال عن القضايا الإسلامية أو التركية أو العربية في خطاب التنصيب للرئيس الأميركي الخامس والأربعين، دونالد ترمب، في خطابه الأول بمناسبة تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. ولكن اللافت للنظر، مع أهمية القضايا الأخرى، هو أن الرئيس ترمب اتبع أسلوباً غير متوقع بمخاطبة المسؤوليين الأميركيين قبله، وقد كانوا جلسوا أمامه، بل عمم انتقاده للقادة السياسيين والعسكريين كافة بطريقة توحي بأنه يقف منهم موقف العداء والمحاسبة والتخطيء، وليس الشكر على ما أنجزوه في السنوات والعقود الماضية. وهذه نبرة غير معهودة للرؤساء السابقين لأميركا والغربيين عموماً، وهذا جعل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن يعلن عن سروره بوجود ترمب رئيساً لأميركا بعده، لسبب واحد هو أنه يأخذ منه لقب "أسوأ رئيس أميركي عرفه الشعب الأميركي"، بحسب تصريحه بعد الخطاب، فقد يكون هذا التنبؤ من بوش ليس خاطئاً، والأيام القادمة هي من يكشف عن ذلك.

 

كان من بدايات الخطاب قول الرئيس ترمب: "إن مراسم اليوم لها معنى خاص للغاية، لأننا اليوم لا نقوم بمجرد نقل السلطة من إدارة إلى أخرى، أو من حزب إلى آخر، بل إننا ننقل السلطة من واشنطن العاصمة ونعيدها إلى الشعب الأميركي". فهذه العبارة تحمل معنى الاتهام للرئاسة السابقة بأنها سرقت إرادة الشعب، ولكن ترمب لم يترك المستمعون يستنتجون هذا المعنى، بل أكده بالعبارة التالية في خطابه قائلاً:" لفترة طويلة، جنت مجموعة صغيرة في عاصمة بلادنا مكاسب الحكومة بينما تحمَّل الشعب التكلفة، ازدهرت واشنطن، لكن الشعب لم يحصل على حصة من ثروته. ازدهر السياسيون، ولكن تركت الأعمال وأغلقت المصانع. وحمت المؤسسة نفسها، لكنها لم تقم بحماية مواطني بلدنا".

فما هذه المجموعة التي قصدها ترمب؟ وهل ترمب يتحدث عن مجموعة حكم من دول العالم الثالث، التي يكسب قادتها السلطة والثروة بينما يحرم الشعب من ذلك؟ ومَن السياسيون الذين يتحدث عنهم، والذين ازدهروا على حساب إغلاق المصانع وطرد العمال من مصانعهم وبيوتهم؟ وهل مؤسسة السلطة في أميركا حَمَتْ نفسها ولم تقم بحماية مواطني أميركا؟

وهل كان ترمب يقصد المحاسبة عن معارك أميركا الفاشلة ضد العالم الإسلامي، بداية من حرب أميركا على الشعب الأفغاني عام 2001، وبعدها احتلال العراق 2003؟ فمن المعلوم أن ترمب يقول بأن أكبر خطأ ارتُكب في التاريخ الأميركي هو غزو أميركا للعراق عام 2003، فهل يقصد أولئك الرؤساء والسياسيين والعسكريين الذين قادوا أميركا إلى الحروب غير الضرورية والتي أدت بأميركا إلى الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008؟ لا شك فسي أن هذا الاحتمال كبير، بدليل قوله في الخطاب: "لم تكن انتصاراتهم انتصاراتكم"، فالانتصارات التي يدّعيها بوش لم تكن انتصارات للشعب الأميركي، بل هزائم مادية وبشرية واقتصادية وأخلاقية. ويندد ترمب باحتفالات النصر الكاذبة قائلاً:" وبينما احتفلوا في عاصمة البلاد، لم يكن لدى العائلات التي تعاني في جميع أنحاء البلاد ما تحتفل به"، فهو يصف المجتمع الأميركي في خطابه بأنه:

"1 ـ أمهات وأطفال يحاصرهم الفقر في مدن الداخل.

2 ـ ومصانع ضربها الصدأ، منتشرة مثل شواهد القبور في جميع أنحاء بلادنا.

3 ـ ونظام تعليمي يمتلك الكثير من المال ولكن يترك شبابنا وطلابنا الرائعين محرومين من المعرفة.

4 ـ والجريمة والعصابات والمخدرات التي سرقت حياة العديدين وحرمت بلادنا من الكثير من المقدرات غير المستغلة".

هذه مميزات المجتمع الأميركي الآن في نظر ترمب، ويقول: "يجب أن تتوقف هذه المجزرة الأميركية حالاً وفوراً".

هذا التشخيص الداخلي لم يصرح به مسؤول أميركي من قبل وهو قاتم السواد، والقسم الخارجي من العلاقات الأميركية في السنوات لا يقل قتامة فيصفه ترمب:

"1ـ طوال عقود مديدة، قمنا بإثراء الصناعة الخارجية على حساب الصناعة الأميركية.

2 ـ وقدمنا الدعم المالي لجيوش دول أخرى، بينما سمحنا بالتدهور المحزن جداً لجيشنا.

3 ـ ودافعنا عن حدود دول أخرى، بينما رفضنا الدفاع عن حدودنا.

4 ـ وأنفقنا تريليونات وتريليونات الدولارات في الخارج، بينما تقادمت البنى التحتية الأميركية وأصبحت متدهورة ومتداعية.

5 ـ لقد جعلنا دولاً أخرى غنية، بينما اختفت ثروة وقوة وثقة بلادنا.

6 ـ واحداً تلو الآخر، أغلقت المصانع أبوابها وغادرت أراضينا، دون التفكير للحظة واحدة في ملايين وملايين العمال الأميركيين الذين تتركهم وراءها.

7 ـ لقد انتزعت ثروة الطبقة الوسطى لمواطنينا من منازلهم، وأعيد توزيعها على العالم بأكمله".

هذا تشخيص ترمب لعلاقات أميركا بالعالم الخارجي، ويصدر حكمه: "لكن، كل ذلك بات من الماضي. والآن، أصبحنا نتطلع فقط إلى المستقبل. نحن المجتمعين هنا اليوم نصدر مرسوماً جديداً، يجب أن تسمعه كل مدينة وكل عاصمة أجنبية وكل دائرة سلطة. من هذا اليوم فصاعداً، ستحكم رؤية جديدة بلادنا. من هذه اللحظة فصاعداً، ستكون أميركا فقط أولاً. أميركا أولاً".

وهكذا، يعد ترمب برؤية وسياسة أميركية جديدة محورها أميركا أولاً، وكأن كل الجيوش الأميركية التي خرجت للحرب خارج أميركا كانت لمساعدة أعداء أميركا! وكأن كل المليارات التي دفعتها أميركا للحروب الخارجية كانت من أجل سعادة شعوب العالم، وليس لزراعة الموت والقتل واليأس والدمار والحروب الأهلية فيها!

أما الحلول التي سينفذها ترمب، فهي:

"1 ـ أن كل قرار حول التجارة والضرائب والهجرة والشؤون الخارجية سيُتخذ لصالح العمال الأميركيين والعائلات الأميركية.

2 ـ يجب أن نحمي حدودنا من الآثار التخريبية للدول الاخرى التي تصنع منتجاتنا وتسرق شركاتنا وتدمر فرصنا الوظيفية.

3 ـ إن الحماية ستقود إلى ازدهار عظيم وقوة عظيمة. سأكافح من أجلكم بكل قواي ولن أخذلكم أبداً. أميركا ستعود لتحقق الفوز مرة أخرى، وستفوز كما لم تفعل ذلك من قبل.

4 ـ سنعيد وظائفنا، وسنعيد حدودنا، وسنعيد ثروتنا، وسنعيد أحلامنا.

5 ـ سنبني طرقاً جديداً، وطرقاً سريعة جديدة، وجسوراً ومطارات وأنفاقاً وخطوط سكك حديدية في جميع أنحاء بلادنا الرائعة.

6 ـ سنرفع مواطنينا عن قوائم المعونات ونعيدهم إلى العمل.

7 ـ ونعيد بناء بلادنا بأيدٍ أميركية وبعمال أميركيين. سنتبع قاعدتين بسيطتين: اشتروا المنتجات الأميركية ووظفوا المواطنين الأميركيين.

8 ـ سنسعى إلى صداقات وحسن نوايا مع دول العالمـ ولكننا سنفعل ذلك على أساس الفهم بأن من حق جميع الشعوب أن تضع مصالحها أولاً.

9 ـ نحن لا نسعى إلى فرض طريقة حياتنا على أحد، لكننا نسعى إلى جعلها تشرق كمثال يحتذي به الجميع.

10 ـ سنعزز التحالفات القديمة ونشكل تحالفات جديدة.

11 ـ ونوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف الذي سنزيله بشكل كامل من على وجه الأرض.

12 ـ وستكون من القواعد الرئيسية لسياساتنا، الولاء التام للولايات المتحدة. ومن خلال ولائنا لبلادنا، سنعيد اكتشاف ولائنا بعضنا لبعض.

13 ـ عندما تفتح قلبك للوطنية، فلن يكون هناك مكان للتحيز. يقول الكتاب المقدس لنا: (ما أجمل أن يعيش شعب الله معاً في اتحاد). يجب أن نقول آراءنا بصراحة، ونناقش خلافاتنا بصدق، ولكن يجب أن نسعى دائماً إلى التضامن".

إن أميركا في هذا الخطاب مدانة في سياستها الداخلية ومدانة في سياستها الخارجية، وهذه شهادة تاريخية لا ينبغي للتاريخ العالمي والإسلامي أن ينساها، فلم يتضرر المسلمون في التاريخ أكثر مما تضرروا من أميركا في السنوات الماضية، ممن يصفون أنفسهم "شعب الله" ويؤمنون به كما في الكتاب المقدس، ما يتطلب من قادة العالم الإسلامي أن يكونوا على مستوى الحدث، فلم يرَ ترمب عدواً يذكره بالاسم، ولا إرهاباً يصنفه لأيديولوجيا أو دين معين إلا الإسلام، فوعد بإزالته، لأنه إرهاب إسلامي، ولم يصنفه بأنه إرهاب داعش، لأن ترمب يتهم الرئيس الأميركي السابق أوباما بأنه مؤسس داعش في العالم.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,267,679

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"