رحيل الرجل الأسود ومجيء الرجل الأحمر!

نزار السامرائي

ماذا يعني وصول أربعة آلاف جندي أميركيي إلى قاعدة عين الأسد في الأنبار؟ وماذا يعني وجود عدة آلاف عسكري أميركيي آخر كمستشارين وخبراء ومقاتلين حيث اشتدت المعارك في العراق وسوريا، مع دور متميز للطائرات الأميركيية في المعارك الدائرة حاليا في الموصل والتي دارت سابقا في صلاح الدين والأنبار؟

 

هل يعد ذلك تراجعا من جانب باراك حسين أوباما في آخر عمره الرئاسي عن مبادئه وشعاراته التي جاءت به إلى البيت الأبيض؟ بل ونال جائزة نوبل للسلام بسببها؟

وماذا لو بدأت توابيت العسكريين الأميركيان الملفوفة بالعلم الأميركيي تترى على مختلف المدن الأميركيية؟ وعلى من ستنصب اللعنات؟

من المؤكد أن أوباما لم يعد يكترث لتبعات ذلك إن حصل لاسيما وأن حلمه بالرئاسة الأبدية محكوم بدستور أميركيي جامد قانونيا ولا يستطيع تعديله، ولهذا فلن تؤثر عليه أو تجعله يذرف دمعة حزن شبيهة بتلك التي نزلت رغما عنه عندما تذكر دور زوجته، لأن مثل هذه الأحداث حتى إذا وقعت وظهرت على أجهزة الإعلام المرئية فسوف يكون هو في مدينة بعيدة عن العاصمة.

يمكن أن تكون هذه الخطة الرئاسية اللئيمة المقاصد جزءً من خطط أوباما لإرباك الرئيس المنتخب دونالد ترمب والذي سيدخل البيت الأبيض بعد أسبوع واحد فقط من هذا  اليوم، ظنا منه أنه سيحرج ترمب وربما هو لا يدري أن ترمب كان يخطط لمثل هذه الخطوة بعد شهر على الأكثر من جلوسه في المكتب البيضاوي!

هذه الخطوة في واقع الحال تخدم برنامج ترمب السياسي الرامي إلى عودة أميركيا إلى الساحة الدولية بثقلها التقليدي القديم والذي تعرض لأكبر نكسة في عهد أوباما، ولكن من دون أن يتحمل أوزارها، وبالتالي فسوف يحصد ما فيها ولها من إيجابيات للمصلحة الأميركيية كما يراها ترامب، وسيلقي بسلبياتها على سلفه، وحتى إذا قرر الإنسحاب مرة أخرى من العراق فسوف يزعم أنه بحاجة إلى وقت طويل لدراسة تداعيات خطوة كهذه ومراحل الإنسحاب وآلياته والدخول في مفاوضات مع حكومة العملية السياسية في بغداد المحتلة، شريطة ألا تلحق ضررا بالأمن القومي الأميركيي، ذلك أن الرئيس الأحمر ترمب يرى أن الولايات المتحدة خسرت من رصيدها المعنوي وهيبتها الدولية جراء تردد الرئيس الأسود وضعفه الكثير من رصيدها الاستراتيجي، وبالتالي فإن من بين أهم الأهداف المعلنة والخفية لترمب إعادة هيبة أميركيا كما يراها رجل أعمال دخل السياسة من أكبر بوابة أميركيية هي بوابة البيت الأبيض وليس من الكونغرس أو من حاكمية إحدى الولايات.

ولكن علينا ألا نضع كل شيء في خانة نظرية المؤامرة كما نفهمها نحن الشرقيون، فالغربيون يحملون "من النزاهة والمتانة السلوكية" ما يجعل تفكيرهم أبعد ما يكون عن التخطيط المضاد بين الأحزاب الحاكمة أو المعارضة أو بين المتنافسين على المناصب، سواء من فاز منهم أو من خسر، أوباما لم يكن قد وصل هذا الحد من الشد العصبي دفاعا عن حقه، بل تبنيا لحق وزيرة خارجيته هيلاري كلنتون التي كانت هي ونائبه جوزيف بايدن ووزير خارجيته الحالي جون كيري منافسيه في انتخابات 2008، محل طعون لو قيلت في طرف آخر ما كان له أن يعمل تحت إمرة أوباما الذي يحمل موروثا من عقد البيئة فجاء بمنافسيه السابقين وجعل منهم موظفين تحت سلطته، ولكن ونتيجة لمرور زمن طويل على تلك الانتخابات ولأن الذاكرة الأميركيية معطلة بتأثير الإعلام، فقد نسي أوباما "للأسف الشديد" أوصافه القاسية بل والمقذعة لمنافسيه الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية، وربما لا يشاطرنا الأميركييون بالتحسس من مثل هذه المعارك وما يحصل فيها من نشر أوسخ الغسيل الأميركيي تحت الشمس.

واستنادا إلى هذه الفرضية وهي عدم تبني أوباما لفكرة التآمر على ترمب، هل يجوز لنا أن نفترض أن الإدارة الأميركيية قد أصيبت بإحباط سياسي وعسكري كاملين من أداء مثير للسخرية لجيش العملية السياسية هو ومعه كل مليشات الحقد الطائفي في كل المعارك التي خاضاها سابقا ولم تحقق نصرا صغيرا أو كبيرا من دون نجدة القوات الجوية الأميركيية، فهذا الجيش الراقص بالرقصة الجنوبية المعروفة "بالبزخة" والمليشيات التي تجيد رقصات فارسية أخرى أكثر إثارة، نراها تتنمر على المواطنين العزل من أي سلاح إلا من عزة النفس والكرامة، فتشرد الأبرياء من مساكنهم في المدن المنكوبة بطاعون احتلال جراد العملية السياسية وسيدها العدو الفارسي عبر أدواته الخبيثة، كي تسرق كل ما هو موجود فيها لأن فتوى السيستناني أباحت تلك الأموال والممتلكات واعتبرتها غنائم حرب، شرط أن يحسم خمسها لمكتب الولي الفقيه المقيم في النجف، ولا يهم أين يذهب الباقي، وربما لمكتب الولي الفقيه في طهران، ولو أن هذه المليشيات واجهت مقاتلين بتكافؤ لكانت تهرب كفئران مذعورة من أرض المعركة.

كان طموح أوباما أن يقدم الموصل هدية لهيلاري كلنتون في انتخابات الرئاسة الأميركيية لعام 2016، ولكن حسابات البيدر لم تأت متطابقة مع أوهام الحقل، فحمل ضغينة على من ورطه بوعود وردية عن سهولة كسب المعركة وسرعة حسمها، فقد ظهر جيش العملية السياسية على حقيقته جيشا لا يحسن القتال بقدر ما يحسن الرقص المخل بالذوق والأدب، فبعد أن كانت وعود القائد العام "بتحرير" الموصل في غضون ثلاثة أسابيع، ثم استطالت إلى نهاية عام 2016 كما أعلن مرارا بتبجح هزيل، وأخيرا أكتشف الجنرال غباء ذو الخمس نجوم أن جنرالاته هم أيضا على دين ملوكهم، اضطرت الولايات المتحدة للدخول على خط المعارك البرية، وبعد أن دمّر الطيران الأميركيي جسور الموصل الخمسة، ارتفعت في سماء إعلام الفضائيات التي تأخذ أجرا تنافسيا على خدماتها للتحالف الشيعي الحاكم، الفارسية منها والحكومية والناطقة بالعربية في أرجاء مختلفة بأن "داعش" قام بنسف الجسور، ونسي هؤلاء بديهية أن الميت لا يموت والمنسوف لا ينسف.

ما يحصل في المشهد الأميركيي وخاصة في الساحة العراقية، أن أوباما وفي جو عصبي مأزوم ونتيجة لإقتراب يوم الرحيل، كان يقدم خدمات جليلة لغريمه الذي قال عنه يوما إنه لن يتمكن من حل الشفرة النووية الأميركيية وسيساعده على تحمل أعباء قرارات ستسجل باسم الرئيس الراحل أوباما.

لا أحد يعلم على وجه الدقة كم مرة احتاج أوباما لفك رموز هذه الشفرة قبل أن يرحل أم أنه كان يتسلى بها كما يتسلى بعض الصبيان بلعبة البلي ستيشن، وربما يجيد أوباما فك شفرات أخرى ولكنه لم يعرف كيف يفك الشفرة الحقيقية والتي قادت أميركيا إلى الحضيض الذي وصلت إليه.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,446,990

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"