منظمة العفو الدولية،‏ بالأمس عفيفة واليوم غانية!‏

علي الكاش

تزايدت أهمية المنظمات غير الحكومية بشكل كبير منذ ثمانينيات القرن الماضي، وأصبح لها ‏دور مهم في التنبيه على الإنتهاكات التي تقوم بها الأنظمة السياسية في جميع دول العالم، التقرير ‏السنوي للمنظمة  يشير وفق الحروف الأبجدية الى جميع دول العالم مبينا الإيجابيات والسلبيات ‏التي جرت سنويا في تلك الدول في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية، علاوة على تقييم ‏المؤشر العام في مجال تعزيزهما، وللمنظمة مكاتب فرعية وعيون في معظم دول العالم يزيدون ‏عن (7) مليون شخص، يرصدون الإنتهاكات التي تقوم بها الأنظمة وأجهزتها الأمنية ضد ‏مواطنيها وتقدمها للمنظمة التي بدورها تتحقق من صحة تلك الإنتهاكات مستعينة بالصور والأفلام ‏وشهادات الأحياء التي تؤكد صحتها، ومع هذا فأن المنظمة غالبا ما تستخدم عبارات مرنة في ‏إتهاماتها للدول، كأن تشير مثلا، (هناك شبهات حول)، و(معلومات غير مؤكدة) و (اتهامات ‏موجهة الى)، (وهناك شكوك حول) وغيرها من العبارات اللينة التي لا تجزم بصحة الإنتهاكات ‏‏100% حتى لو كانت المنظمة على ثقة تامة من وقوعها؟ والغرض من ذلك:‏

 

أولا: فسح المجال أمام الجهات التي تعرضت للإنتهاك بتزويد المنظمة بالمزيد من الوثائق ‏والمعلومات حول صحة الإنتهاكات المزعومة. ‏

ثانيا: لفسح المحال أمام الأنظمة السياسية للردٌ على الإدعاءات والإتهامات الموجهة لها، وزيادة ‏فسحة التعاون مع المنظمة بدلا من تجاهلها كما تفعل بعض الأنظمة السياسية. لذا فأن تقارير ‏المنظمة تتضمن جانبين هما الإيجابيات والسبليات المتعلقة بالحريات الأساسية وحقوق الإنسان.‏

غالبا ما تؤكد المنظمة الى أهمية إلتزام الدول بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين ‏الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، علاوة التمسك ‏بالمعايير الدولية المتعلقة ببقية الإتفاقيات كمنع التمييز العنصري وحقوق الطفل. تحضر الكثير ‏من المنظمات غير الحكومة في الإجتماعات التي تعقد تحت مظلة الأمم المتحدة بصفة مراقب، ‏ولكن حضور منظمة العفو الدولية يعتبر أكثر أهمية من حضور بعض الدول الأعضاء، فهي ‏تسرق أنظار الدول الأعضاء، وتمتلك تأثيرا سحريا على الجلسات، وفي توجية الرأي العام الدولي ‏الى المخاطر التي تتعرض لها الشعوب من قبل الأنطمة المستبدة والقمعية والدكتاتورية الحاكمة. ‏صحيح ان المنطمة محايدة في تقييم أوضاع حقوق الإنسان في حوالي (150) دولة، لكن ما يؤخذ ‏عليها هو نفس ما يؤخذ على الأمم المتحدة نفسها، اي محاباة الولايات المتحدة الأميركية والدول ‏الكبرى في تقاريرها التي غالبا ما تفرد لها صفحات قليلة من الإنتهاكات، في الوقت الذي تتوسع ‏فيه في بيان الإنتهاكات التي تحدث في دول العالم الثالث، والمنظمة تدعي بأن الإنتهاكات في ‏الدول المتقدمة تكاد لا تقارن بالإنتهاكات التي تحدث في دول العالم، وهي محقة في ذلك تماما، ‏فنحن أهل الدار أدرى من غيرنا بما يحدث داخل جدارنا الهش والآيل للسقوط.‏

في زمن ما يسمى بالمعارضة العراقية التي كانت تحتضنها مخابرات الدول ومنها دول الإستكبار ‏العالمي، كانت تقارير المنظمات غير الحكومية سيما منظمة العفو الدولية ومراقب حقوق الإنسان ‏تقارير منزلة من السماء بالنسبة للمعارضة العراقية قبل الغزو الأميركي عام 2003، فهي اي ‏التقارير تمتلك عندهم مصداقية لا تقبل الجدل ولا الشكوك، بل كانت هذه المنظمات تغذي ‏إدعاءات ومزاعم المعارضة العراقية حول الإنتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان في العراق. فما أن ‏تصدر التقارير السنوية حتى تبدأ أبواق المعارضة تصدح بالإنتهاكات التي ترتكب في العراق ‏وتقتبس من نصوص التقارير وتنشرها في بياناتها وصحفها، بل كانت تستنسخ ما يرد من مزاعم ‏حول العراق وتنشرها مجانا على نطاق واسع. ‏

كانت المعارضة العراقية بدورها تزود هذه المنظمات بجميع الإنتهاكات التي تحدث داخل البلد ‏وتبالغ فيها بغرض تشويه سمعة النظام الحاكم، ومما أسبغ نوعا من المصداقية على هذه التقارير ‏ان الحكومة العراقية كانت ترفض التعامل مع ما يرد في تقارير هذه المنظمات سيما منظمة العفو ‏الدولية، ولكن بعد عام 1991 وتشكيل قسم حقوق الإنسان، وتأليف لجنة من عدة وزارات للتعامل ‏مع هذه المنظمات والنظر في مزاعم إنتهاكات حقوق الإنسان، برئاسة المرحوم نزار حمدون ‏وعضوية مختصين من جهاز المخابرات ومديرية الأمن العام والإستخبارات العسكرية ووزارات ‏العدل والإعلام ورئيس منظمة حقوق الإنسان في العراق د. رياض عزيز هادي، واعقبها تشكيل ‏دائرة حقوق الإنسان، رحبت المنظمة بتعاون الحكومة العراقية معها، سيما ان اللجنة كانت تجيب ‏على كافة إستفسارات المنظمة ومنها المتعلقة بالإختفاء القسري والتعذيب.‏

ما أن سلم الشيطان الأكبر زمام الحكم الى ما يسمى المعارضة العراقية حتى أنقلب ظهر المجن، ‏فقد أمست تقارير المنظمة كاذبة وتعمل على تشويه العملية السياسية والتجربة الديمقراطية ‏الناجحة في العراق! مع أن المنظمة شددت على رصد الإنتهاكات وضرورة توفر الوثائق والأدلة ‏عند ترويج الإتهامات، والا رفضتها. فما الذي أنزل مصداقية منظمة العفو الدولية من القمة الى ‏الحضيض؟ لماذا كانت المنظمة نزيهة في التعامل مع الإنتهاكات قبل الغزو، وصارت كاذبة ‏وغير نزيهة بعد الغزو؟

هذه صورة مبسطة عن موقف الحكومة العراقية من منظمة العفو الدولية التي تؤكد ما أشرنا اليه. ‏فقد ‏

وصف احمد الاسدي المتحدث باسم الحشد الشعبي في مؤتمر صحفي بتأريخ 5/1/2017 تقرير ‏منظمة العفو الدولية بشأن الإنتهاكات التي جرت في الموصل بأنها"مجموعة اكاذيب، وعلى ‏وزارة‎ ‎الخارجية مقاضاة منظمة العفو الدولية".  مع ان رئيس الوزراء حيدر العبادي إعترف ‏بحدوث هذا الإنتهاكات وشكل لجنة حسب زعمه للنظر فيها، بل أنه صرح في مؤتمر صحفي ‏بتأريخ 24/1/2017 " قمنا بتحليل فيديوات عن تعذيب مدنيين وشكلنا لجنة للتحقيق، وتم توقيف ‏نحو 1000 متجاوز وهناك أوامر قضائية صدرت بحقهم". وأضاف" أطلعت أمس على تقرير ‏بتهم وجود‎ ‎تجاوزات ومتهمين لمفقودين في قضاء السجر والصقلاوية وبعض مناطق الفلوجة‎ ‎بمحافظة الانبار وتشكلت اللجنة في حزيران الماضي برئاسة نائب رئيس مجلس‎ ‎محافظة الانبار، ‏وقدمت اللجنة ادعاءات لاهالي عن مفقودين وحضرت اللجنة‎ ‎ميدانياً بكل المناطق ولكن لم تعثر ‏على أثر لهم وسجلت قيام عنصر واحد في‎ ‎الحشد الشعبي من قوات بدر قام بقتل 17 شخصاً وتم ‏توقيفه من قبل الحشد". لربما تبخر المخطوفون! ‏

إن كانت الحكومة لا تعرف بمصير المخطوفين من قبل مليشيات الحشد الشعبي الخاضعة كما ‏يدعي حيدر العبادي له، فمن يعلم إذن بمصيرهم؟

أما المثير للسخرية فعلا في تصريح (احمد الاسدي) فهو زعمه" الى انخرط‎ ‎افراد الحشد الشعبي ‏في دورات تثقيفية للألتزام بمعايير حقوق الانسان واغاثة‎ ‎المدنيين"!‏

لكن على ماذا ردٌ الأسدي؟ وما الذي أزعجه وحكومته من تقرير منظمة العفو الدولية؟

اتهمت منظمة العفو الدولية القوات الحكومية العراقية بانها عذبت وقتلت قرويين إلى الجنوب من‎ ‎الموصل فيما يمثل أول تقرير عن انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان خلال حملة‎ ‎تدعمها الولايات ‏المتحدة لاستعادة المدينة من قبضة تنظيم داعش‎.‎‏ في ظل‎ ‎غياب المحاسبة فإن هناك خطرا يتمثل ‏في تكرار الانتهاكات المزعومة ببلدات‎ ‎وقرى أخرى مع استمرار حملة استعادة الموصل ‏الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. واستند تقرير جديد للمنظمة في ذلك إلى مقابلات مع ‏أكثر من 470 من المعتقلين السابقين والشهود وأقارب أشخاص قتلوا أو اختفوا أو اعتقلوا، وكذلك ‏مع مسؤولين وناشطين وعاملين في الإغاثة. كما صرح المسؤول في منظمة العفو الدولية فيليب ‏لوثر" إن السنة العرب في الفلوجة والشرقاط والحويجة ومحيط الموصل تعرضوا لهجمات وحشية ‏ودموية وهم يعاقبون على ما ارتكبه تنظيم الدولة من جرائم. أن هذه المليشيات، ذات الأغلبية ‏الشيعية، تحظى بدعم الحكومة العراقية، التي قدمت لها الدعم المالي والأسلحة واعترفت بها ‏رسميا، وبالتالي فالحكومة مسؤولة عن انتهاكاتها".‏

لاحظ ان المنظمة لم تغير نهجها في القول بـ (لمزاعم) وأشركت تنظيم الدولة الإسلامية مع ‏الحكومة وميليشياتها في الإنتهاكات، كما إنها إعتمدت على شهادات (470) معتقل وشاهد علاوة ‏على ناشطين في مجال حقوق الإنسان.‏

لو سألت أي من زعماء العراق والميليشيات الحاكمة عن رأيه في مزاعم المنظمة بأن" قوات ‏التحالف العربية بقيادة السعودية منذ آذار 2014 قامت بعمليات عسكرية ضد الحوثيين‎ ‎والقوات ‏الموالية للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح بدعم من الولايات‎ ‎المتحدة وبريطانيا، هاجمت خلالها ‏بشكل غير قانوني منازل وأسواقا ومستشفيات‎ ‎ومدارس ومصانع وورشات عمل مدنية ومساجد". ‏وما ذكرته أيضا في تقريرها عام 2017 بإن " البحرين زادت من قمع النشطاء ومنتقدي الحكومة ‏في 2016، وأن الأوضاع في هذه المملكة الخليجية عبارة عن قمع منهجي للحق في حرية ‏التعبير"، لو سألته عن ذلك لرد على الفور بأن التقرير صحيح جدا ولا يقبل الشك! ولكن لو عرضت عليه ما جاء في التقرير ‏حول الإنتهاكات الحكومية والميليشيات الرسمية لأهل السنة في العراق لرفضها على الفور!

إنها ‏أزدواجية المعايير لا غير، وصدق ابن كناسة بقوله‎:‎

يا واعظ النّاس قد أصبحت متّهمــا‎    ‎إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها‎

كمن كسا النّاس من عري وعورته‎    ‎للنّاس بادية مــــــا إن يواريها

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,446,892

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"