فقدان الوعي!

نواف طاقة

وجه الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب إهانة لحلفائه في بغداد عندما أعلن حظر دخول العراقيين إلى بلاده، في وقت يُعرف فيه أن العراق يحتضن نحو خمسة الاف من جنوده ممن يتمتعون بحصانة مطلقة أمام القانون العراقي!

 

تساؤلات عديدة أثارها القرار الأميركي، وفي مقدمتها: لماذا يُحظر دخول مواطني العراق الذين لا يعرف عنهم ارتكاب جريمة ارهابية في الولايات المتحدة في حين تترك أبواب واشنطن مشرعة امام رعايا دول اخرى روعوا  أميركا بجرائمهم الارهابية. ولماذا لا تحترم الولايات المتحدة قادة العراق الجدد رغم الخدمات الجليلة التي يقدمونها لواشنطن؟! هل لأن واشنطن هي من أتت بهم الى العراق، ووفرت لهم ما وفرت، ما جعلها لا ترى ضرورة لاحترامهم؟ أم لأنها ليست راضية عنهم؟ وكيف سيواجه المسؤولون العراقيون هذه الاهانات؟ هل سيجرؤ أي مسؤول عراقي على معاتبة أميركا لتعاملها المجحف مع العراقيين؟ وإذا ما حدث ذلك، فما هو موقف سياسيينا إذا ما قيل لهم بأن زعماءكم في بغداد منعوا الآلاف من أبناء جلدتهم العراقيين من الدخول الى بغداد وتركوهم عطشى يتلظون بنار الشمس المحرقة عند معبر بزيبز؟ أو إذا قيل لهم بأن حكامكم لا يثقون بشعبهم فلماذا تطلبون من واشنطن أن تثق بالعراقيين؟

وكيف سيعترض اي من هؤلاء على احتجاز عراقيين في مطارات أميركية ومنعهم من دخول البلاد، في وقت يعرف فيه ان العراقيين في الموصل لا يسمح لهم بالعبور الى بغداد او الوصول الى اربيل؟ وماذا سيقول المسؤول العراقي إذا قام نظيره الأميركي بجر أذنه وتذكيره بان العراقيين العالقين في المطارات الأميركية كان لهم الحق في توكيل محامين عنهم وقد تمكن البعض منهم فعلاً من دخول الولايات المتحدة الا ان العراقيين العالقين في الموصل على سبيل المثال لا يمتلكون اية حقوق في بلادهم بل يقال ان عددا منهم دفع رشاوى للجيش وللبيشمركة وصلت بعضها الى 10 آلاف دولار للأسرة الواحدة من أجل تهريبها من الموصل الى اربيل بعجلات (الهامر)!!

وكيف سينفذ البرلمان العراقي دعوته للحكومة بالتعامل بالمثل مع أميركا؟!

هل ينسى (برلمانيونا) أن القوات الأميركية تحميهم وأنها لو غادرت العراق فان الحكومة قد تسقط في اليوم التالي؟

وهل شاهدوا قائد قوات مكافحة الارهاب في بلادهم يعلن في الفضائيات بأنه هرّب اسرته إلى الولايات المتحدة حفاظاً على سلامتها وأنه تفاجأ بشموله بحظر الدخول إلى الولايات المتحدة؟

وهل سيواصلون التشدق بالسيادة والكرامة؟!

أظن أن أفضل ما يعبر عن الأزمة الاخلاقية التي يعيشها المسؤولون في بغداد هو ما جاء على لسان الروائي جورج أورويل في روايته (1984) التي تحدث فيه عما أسماه بمتاهات "التفكير المزدوج" والتي جاء فيها "أن تعلم وأن لا تعلم، وأن تكون مدركاً للمصداقية الكاملة وتطلق في ذات الوقت أكاذيب مصاغة بدقة، وأن تعبّر في آن واحد عن رأيين باطلين يناقض أحدهما الآخر وأنت تدرك بأنهما متناقضان ولكنك تؤمن بكليهما، وأن تستخدم المنطق ضد المنطق، وأن تتنكر للفضيلة ولكنك تزعم التمسك بها، وأن تعتقد بأن الديمقراطية كانت مستحيلة وأن الحزب كان حامياً للديمقراطية، وأن تنسى كل ما كان ينبغي نسيانه، ثم تقوم باستحضاره ثانية في اللحظة الذي تحتاجه فيها، ثم تقوم بنسيانه مرة أخرى من دون ابطاء..".

يخلص اورويل في وصفه الدقيق لنفاق السياسيين وتناقضهم المفضوح بقوله "كانت تلك أقصى حالات البراعة: أن تُحدث بشكل واعٍ فقداناً للوعي، ثم تُصبح، مرة أخرى، غير واعٍ بفعل التنويم المغناطيسي الذي كنت قد أحدثته تواً".

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,446,920

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"