دستور روسي لسوريا، متى سيتبعه الإيراني؟!

جمال قارصلي

ما تم نشره على وسائل التواصل الإجتماعي تحت ما يسمى ب"التسريبات" حول الدستور الذي تنوي ‏روسية أن تفرضه على الشعب السوري، يؤكد بأن روسيا ترى نفسها وصية على الشعب السوري، وتنظر ‏إلى وجودها في سوريا وكأنها دولة مستعمِرة، فلهذا تريد أن تضع دستورا جديدا لسوريا حسب تصورها ‏ومزاجها وبدون أن تأخذ رأي الشعب بذلك. نحن نعلم ما هي أهمية الدستور‎،‎‏ وما هو تأثيره على تطور ‏البلاد‎،‎‏ وفي كل المجالات ولعقود طويلة، لأنه يشكل حجر الأساس‎ ‎في بناء مستقبل البلاد‎،‎‏ وهو ‏البوصلة التي تحديد اتجاه تطور البلاد ومواكبة الشعوب الأخرى. ‏

لا أريد أن أدخل في تفاصيل دستور الوصاية الروسية على الشعب السوري والذي يتضمن ما هو جيد ‏وما هو مرفوض بتاتا، وكذلك ليس بتفاصيل الدستور السوري الحالي. ما يهمني هنا هو المبدأ الذي ‏يتعامل به أصحاب القرار في روسيا مع مصير الشعب السوري.‏

في الدول المتطورة، والتي تسودها أنظمة ديمقراطية، يُنظر إلى الدستور وكأنه كتابا "مقدسا"، لأنه يُعتبر ‏المرجعية لكل قوانين البلاد، والتي لايمكنها أن تخالف جوهره، مهما كانت مهمة وضرورية.‏

ما يلفت النظر بأن أصحاب القرار في روسيا، يقومون بمثل هكذا مبادرة، بالرغم من معرفتهم بتعقيدات ‏المجتمع السوري وبتركيبتة الدينية والقومية والطائفية، وهم لا يخفى عليهم شيئا في سوريا وعلى إطلاع ‏كامل على محنتة التي يمر بها الآن والتي تتطلب الكثير من المراعاة والدقة في التعامل معها، وخاصة ‏عندما يتعلق الأمر بشي مصيري وهام، مثل كتابة دستور جديد للبلاد. ‏

لو لم يكن للدستور أهمية بالغة، لما عملت اللجنة الدستورية في تونس بعد الثورة، وبشكل متواصل ‏ولمدة عامين ونصف، لكي تقدم للشعب التونسي دستورا توافقيا تم الإستفتاء عليه. هذا ولو قارنا ‏المجتمع التونسي مع المجتمع السوري لوجدنا بأن الفارق كبير بينهما من حيث عدد السكان وعدد ‏الديانات والقوميات والقبائل والطوائف، أي أن المجتمع السوري متنوع أكثر ويحتاج إلى عناية ودقة ‏أكثر في التعامل مع مكوناته.‏

الأوضاع التي تمر بها سوريا الآن تجعل من الضروري مشاركة كل مكونات المجتمع السوري في ‏صياغة الدستور الجديد للبلاد، لكي يشعر كل مكون فيه، ومهما كان صغيرا، بأن هذا الدستور هو ‏دستوره، وهو من قام بصياغته، وهو الذي سيدافع عنه وسيسهر على حمايته وعلى عدم المساس ‏بصلاحياته.‏

إن الطريقة التي يريد بواسطتها أصحاب القرار في روسيا فرض دستور جديد على الشعب السوري، فهي ‏مرفوضة من قِبَلْ الشعب السوري رفضا تاما وكذلك الدستور الذي إقترحوه فهو مرفوض، وحتى لو كان ‏هذا الدستور جيدا وعصريا كذلك. ما آمله بأن لا تقتدي إيران بما قامت به روسيا من عمل غير ‏مسؤول وأن تتحفنا في القريب العاجل بدستور سوري بطعم الوصاية الإيرانية.‏

الشعب السوري لن يقبل إلا بدستور يصيغه أبناؤه ويكون لدى كل واحد منهم الشعور بأن هذا الدستور ‏هو دستوره، وهو يمثله، وهو خالي من المطبات والثغرات التي ربما ستؤدي في البلاد إلى مآسي كبيرة ‏مثل التي نعاني منها الآن، والتي سيدفع ثمنها الأجيال القادمة.‏

الدستور السوري الحالي جَبّ (ألغى) ما قبله وأعطى للرئيس الحالي إمكانية الترشيح لدورتين متتاليتين ‏إضافيتين، ولم يأخذ بعين الحسبان الفترة السابقة التي حكم فيها البلاد والتي دامت إثنا عشر عاما. فما ‏هي إذا الضمانات التي يعطيها دستور الوصاية الروسية للشعب السوري بأن رئيس البلاد لا يستطيع ‏أن يظل رئيسا طوال عمره أو إلى الأبد، وخاصة إذا لجأ الرئيس القادم إلى "الطريقة البوتينية" في رئاسة ‏البلاد، وذلك بعد رئاسته لولايتيتن متتاليتين يقوم "بتوكيل" رئيس وزرائه بولاية واحدة مثلما عمل بوتين ‏مع ميدفيديف، ويظل هو يحكم من وراء الكواليس، وبعدها يرشح للدورة التالية ويستطيع أن يحكم ‏دورتين أخريين، وهكذا دواليك تدوم اللعبة إلى الأبد.‏

السوريون دفعوا ثمنا باهظا من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية، ولهذا هم سيكتبون دستورهم الجديد ‏بيدهم، وسيتم من أجل ذلك إختيار مجموعة من خبرائهم القانونيين ومفكريهم في لجنة دستورية مؤلفة ‏من كل مكونات وأطياف المجتمع السوري. هذه اللجنة ستضع نصب أعينها مصير ومستقبل الشعب ‏السوري، وستكون على مستوا عالي من الوطنية والإنسانية وبعيدة عن كل التخندقات والأنانيات ‏والمكاسب الشخصية. الشعب السوري أدرى بمصلحتة وما يهم مستقبل أجياله القادمة وهو يشكر ‏المسؤولين الروس على حرصهم عليه. وإن أراد أصحاب القرار في روسيا مساعدة الشعب السوري في ‏محنته الراهنة، فما لهم إلا أن يسألوا أصغر طفل سوري عن ذلك والذي سيخبرهم بأن عليهم أن يكفوا ‏عن نشر مقترحاتهم الغير مسؤولة وأن يسحبوا آخر جندي لهم عن الأراضي السورية ومعه يغادر كل ‏المرتزقة والدخلاء الموجودين على أرض سوريا الوطن.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,790,741

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"