جدران "إستراتيجية"! ‏

جاسم الشمري

الدول المثالية هي التي تنظم سياساتها الداخلية والخارجية وفقاً لخطة إستراتيجية ربما ‏تكون قصيرة أو متوسطة أو بعيدة الأمد. والسياسات الإستراتيجية لا تُنفذ بلمحة بصر، ‏وإنما هي بحاجة إلى قيادة وتخطيط وتنظيم، وتمهيد، وربما " لتزويق" ودعاية ‏إعلامية، أما التنفيذ فيكون المرحلة الأخيرة، والزمن اللازم للتنفيذ يختلف من ‏إستراتيجية إلى أخرى، بحسب أهمية وعمق الغايات المُراد تحقيقها.‏

التخطيط الإستراتيجي في العراق- كما تقول الحكومة- دخل في الوزارات والدوائر ‏الحكومية والجامعات والمنظمات المدنية، وصرنا نسمع باستراتيجيات لمكافحة الفساد ‏والمخدرات والفكر المتطرف، وغيرها الكثير من المسميات التي لا نجد لغالبيتها أثراً ‏واضحاً إلا في بعض المجالات، التي تريد الحكومة إنجاحها وتحقيقها.‏

التخطيط الإستراتيجي، أو المخططات السياسية صارت تُنفذ اليوم في بعض المدن  ‏العراقية بالحجة الهزيلة، وهي مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن، لكنها مع الأسف ‏يُراد منها تحقيق أهداف طائفية ومذهبية، وربما حزبية، وذات أبعاد ديموغرافية.‏

الإستراتيجية الجديدة هي إعادة وضع الكتل "الكونكريتية" أو الجدران الإسمنتية في ‏بعض المناطق لتحقيق غايات بعيدة، ومن أهمها إحداث تغيير مناطقي وسكاني" ‏ديموغرافي".‏

ونحن لن نتحدث عن الجدران الإسمنتية حول الأماكن الحساسة أو المهمة، ومنها ‏المنطقة الخضراء والوزارات والمقرات الحزبية والدبلوماسية خارج هذه المنطقة، ‏وإنما نتحدث عن أماكن يمكن أن نقول عنها إنها عامة، ومن بينها مدينة سامراء ‏القديمة في محافظة صلاح الدين، التي تبعد 110 كم شمال بغداد.‏

سامراء كانت مركزاً جامعاً لكل العراقيين سنة وشيعة، ولم تكن تعاني من كارثة ‏الطائفية، حتى جاءت الجريمة المقصودة والمرسومة ضمن إستراتيجية خبيثة ودقيقة، ‏ونفذت التفجير بمرقدي الإمامين العسكريين علي الهادي والحسن العسكري في فبراير/ ‏شباط 2006، مما أدخل البلاد في عنف طائفي راح ضحيته المئات من العراقيين ‏الأبرياء خلال أيام معدودة.‏

هذه الأيام عاد الحديث من جديد عن مدينة سامراء وكأن إستراتيجية جديدة يُراد ‏تنفيذها بالمدينة، لهذا سمعنا أن قيادة عمليات سامراء قررت" بناء جدار إسمنتي حول ‏المدينة القديمة التي تضم مرقد الإمامين، بهدف توفير الأمن لزوار المرقدين".‏

هذه الخطوة الحكومية رفضت من وجهاء وعلماء المدينة، الذين أكدوا - في بيان عقب ‏اجتماعهم في المدينة- أن "إنشاء الجدار العازل يُعد انتقاصاً من أهالي سامراء ومساً ‏بشخصياتهم، وأنهم هم من حموا المراقد الدينية لمئات السنين، وأن المنطقة القديمة في ‏سامراء، تمثل القلب النابض لسكان المدينة، ولا يجوز عزلهم عنها بأي شكل من ‏الأشكال، ومنها الجدار".‏

هذه الخطوات الحكومية ربما تؤكد ما يقال حول إستراتيجية إقامة "محافظة سامراء ‏المقدسة"، والتي تضم مناطق" سامراء القديمة، ومرقد الإمام السيد محمد في بلد، والإمام ‏الكاظم في مدينة الكاظمية ببغداد"! ولهذا ربما سنسمع- قريباً- بتمرير قانون إقرار" ‏محافظة سامراء المقدسة" عبر التصويت عليها داخل قبة البرلمان، وبذلك سنكون أمام ‏شرعنة  للتغيير الديموغرافي.‏

السياسات الأمنية الناجحة هي التي تستند لجهود استخباراتية، وتعتمد على قوات مهنية ‏ومدربة بشكل جيد، ولا يمكن نشر الأمن عبر سياسة الجدران الإسمنتية فقط، ولهذا ‏فإن هذه الخطوات ليست أمنية، وإنما تهدف لأحداث تغييرات ديموغرافية، وبالذات ‏في المناطق التي عرفت بأنها "سنية" على مر العصور. ‏

إستراتيجية التقطيع المناطقي يمكن أن تنجح لحين بسبب القوة التي تمتلكها الأطراف ‏الساعية لتنفيذ هذه الاستراتيجيات، لكن لا يمكن لهذه السياسات أن تستمر وتحقق ‏أهدافها البعيدة لأنها صارت واضحة لغالبية العراقيين، وفي ذات الوقت فإن هذه ‏الخطوات ستبقى سبباً للتَأَزُّم الاجتماعي بين أبناء المناطق من كلا الطائفتين، ‏وبالمحصلة لا تجد أرضية صالحة لاستمرارها.‏

أعتقد أن الحكومة تسير في الاتجاه الخاطئ، والأولى بها أن تسعى لإيجاد منظومة ‏أمنية وطنية عراقية قادرة على بسط الأمن، والكف عن استخدام أساليب "غير صافية" ‏باتت مفهومة لجميع العراقيين.‏

هذه الإستراتيجيات المرسومة بدقة كانت – ولا تزال- المغذي الأكبر لسياسات ‏الأحزاب الطائفية، وستقود لمزيد من الإرباك والشحن الطائفي والمذهبي والتهشيم ‏المجتمعي بين العراقيين.‏

فهل هذه الاستراتيجيات بريئة؟!‏

 

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,393,908

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"