عمائم مفخخة تتملص من مسؤوليتها الشرعية!

علي الكاش

يقظة الشعوب وإرتفاع مستوى وعيها بشأن حاضرها‎ ‎ومصيرها ومستقبل أجيالها القادمة لا‎ ‎تحتاج ‏فرك المصباح‎ ‎السحري‎ ‎لظهور الجني لتحقيق‎ ‎الأماني والتطلعات‎ ‎الوطنية، ولا في إنتظار المخلص ‏الذي يملأ الأرض عدلا، وإنما بالعمل‎ ‎المضني والسعي الدوؤب‎ ‎لتحقيقها والإدراك‎ ‎الحقيقي ‏لأهميتها، وهذا شأن الدول المتحضرة.

وفي الوقت الذي تدير فيه القيادات السياسية دفة الحكم في ‏دولها وتتحمل المسؤولية الكاملة عن النجاح والفشل في إدارتها لمقدرات البلد في كافة القطاعات ‏لتحقيق‎ ‎مطالب الشعب وأهدافه‎ ‎نحو التنمية‎ ‎والرفاهية والتقدم، فأن بعض بلدان العالم المتخلفة ‏جعلت القيادات الدينية رديف للقيادات السياسية والعسكرية في إدارة شؤون الدولة، وهنا نتوقف ‏أمام حالتين: اولهما ان تتفق القيادتين الدينية والسياسية على تقاسم المزايا بشكل لا يؤدي الى ‏الإصطدام بينهما من خلال التنسيق والتفاهم المشترك في كافة الأمور بما يحقق مصالح الطرفين. ‏ثانيهما: التعارض بين القيادتين وتحول التعارض الى إصطدام، وبالتالي إنفراد إحدى الجهتين في ‏إدارة الدولة كما حدث في إيران  بعد الثورة الإسلامية، والعراق بعد عام الغزو الأميركي عام ‏‏2003.‏

كان لمرجعية النجف دورا رئيسا في المصادقة والتصويت على الدستور الجديد ومباركة العمليات ‏الإنتخابية وحض أتباعها على إنتخاب النخب الفاشلة التي دمرت مقومات الدولة العراقية، ومع ‏كل هذا الفشل الذريع في الدورة الإنتخابية الأولى، لم تتخلى مرجعية النجف عن دورها السياسي ‏وطالبت شيعة العراق بإنتخاب نفس الوجوه الكالحة رغم فسادها، والشعب بدوره سلم زمام أمره ‏لمراجعه ولم يستفد من دروس الدورة الإنتخابية الأولى والكوارث التي نجمت عنها. ومهما ‏حاولت المرجعية التنصل عن دورها السياسي فيما آل اليه البلد، والذي فضحه بول بريمر ‏ورامسفيلد والمجرم جورج بوش والسياسيون العراقيون علاوة على المرجعية نفسها، فأنها بلا ‏أدنى شك أحد أضلاع مثلث خراب العراق، إضافة الى الضلعين الآخرين وهما(قوات الإحتلال ‏الأميركي الإيراني)، و(شيعة السلطة وأتباعهم سنة السلطة) وهؤلاء لا علاقة لهم بشيعة وسنة ‏العراق البتة.‏

بعد أن تراكمت المصائب على البلد، حاولت المرجعية أن تنأى ـ ربما وفق عقيدة التقية ـ عن ‏دورها السياسي علنا، مع أنها تمارسه بكل ذكاء في السر، وفي الوقت الذي تدعي فيه بأن المرجع ‏الشيعي الأعلى لا يلتقِ بزعماء العراق فأن بقية المراجع وابنه وصهره يلتقي بهم، كما ان المرجع ‏الأعلى نفسه إلتقى بجميع الوفود السياسية الإيرانية التي زارت العراق وتباحث معهم في الشؤون ‏السياسية للبلد. وكانت تدخلات المرجعية في قيادة البلد محبطة‎ ‎ومخيبة للآمال، سلسلة‎ ‎من الخيبات ‏اطفأت وهج الثقة في قلوبنا مثما‎ ‎تطفيء الشمعة‎ ‎بنفحة هواء جاف، لم يبق‎ ‎منها سوى دخان مزعج‎ ‎مقزز أزكم أنوفنا.‏

من نتائج تدخلات المرجعية في العملية السياسية كما بينت منظمة اليونسيف" أن عدد النساء ‏المطلقات والارامل في بغداد فقط وصل إلى 5 ملايين‎ ‎امرأة مطلقة وارملة"، مضيفة أن " أسباب ‏الطلاق الاوضاع الاقتصادية التي‎ ‎يشهدها البلد وعدم توفير العمل والعيش الملائم للعاطلين عن ‏العمل". وأضافت‎ ‎أن " التفجيرات التي تشهدها بغداد وتردي الوضع الأمني وراء ارتفاع نسب‎ ‎النساء من الارامل"، لافتة إلى أن "على الحكومة المركزية ان تتخذ إجراءات‎ ‎حقيقية لمنع ارتفاع ‏عدد المطلقات والارامل من خلال وضع خطط اقتصادية وأمنية‎ ‎للبلاد".‏

كما كشف مؤشر ﺟﻮﺩﺓ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ﻓﻲ 30/9/2016 ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻨﺘﺪﻯ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ‏ﻓﻲﺩﺍﻓﻮﺱ ﻟﻌﺎﻡ 2015 - 2016، أن العراق خارج التصنيف الدولي من حيث جودة التعليم، معتبرا ‏أنه بلا تعليم، لأنه ﻻ يتوﻓﺮ فيه ﺃﺑﺴﻂ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻮﺩة ﻓﻰ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ". من جهة أخرى كشفت ( نجيبة ‏نجيب)‏‎ ‎عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي في 15/1/2017 " أن معدل الفقر في‎ ‎العراق ‏ارتفع من 13.7% من عام 2013، ليصل الى 35% في 2016. وأضافت أن‎ ‎المتابعة أوضحت ‏أن "35% من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر". كما تزايدت حالات الطلاق بشكل ليس له ‏سابقة في تأريخ العراق القديم والحديث. فقد اعلنت السلطة القضائية العراقية في 5/12/2016 عن ‏احصائية كاملة لحالات الطلاق منذ عام 2004، وان‎ ‎اكثر حالات الطلاق حدثت في عام 2011. ‏وسجل العراق من 2004 لغاية نهاية شهر‎ ‎تشرين الاول من العام الحالي(681011) حالة طلاق ‏في المحاكم. واعلى الزيادات السنوية حصلت بين‎ ‎عامي 2008 و 2009، باكثر من 8.500 ‏حالة‎.‎‏ على الرغم من أن الإحصائيات في العراق بشكل عام غير دقيقة وتحاول تقزيم السلبيات ‏وتضخيم الإيجابيات، فأن الأرقام الحقيقية غاليا ما تكون أضعاف ما تدعيه الحكومة، مع أن هذه ‏الأرقام مهولة بحد ذاتها لو إفترضنا جدلا صحتها. ‏

حاولت بعض الدراسات تحليل الظاهرة وتسطيحها بشكل مثير للدهشة كأن تعزي السبب الى ‏المسلسلات التركية والأفلام المصرية، وعدم الجدية في بناء الأسرة و تسهيل الطلاق من قبل ذوي ‏الأزواج، مع ان هذه الأسباب وان كانت تمثل جزءا هامشيا من الظاهرة، لكنها غير كافية ولا ‏تعكس الأسباب الجوهرية التي تقف ورائها. فهناك أسباب أهم كالفقر وعدم القدرة على تحمل ‏تكاليف المعيشة العائلية، ارتفاع الأسعار سيما السكن والسلع والخدمات ومستلزمات بناء الأسرة، ‏النزاعات العشائرية والمذهبية، توفر البديل الأسهل من الإلتزامات الأسرية كزواج المتعة الذي ‏تحض عليه المرجعيات الشيعية، الزواج دون بلوغ سن الرشد وهو ما سنته الزعامات الشيعية ‏كحزب الفضيلة، وحاولت ان تشرعه كقانون جديد للأحوال المدنية لولا التصدي له بقوة من قبل ‏القيادات السنية والكردية والشيعية غير الموالية لولاية الفقيه. علاوة على الهجرة الداخلية ‏والخارجية والنزوح المليوني من المدن، وإنتشار الجهل والأمية فقد أفرزت العملية السياسية بعد ‏الغزو أكثر من (5) مليون أمي، ولم يكن للمرجعية أي دور في هذا المجال لأن التعليم والثقافة ‏والوعي من شأنه إبعاد الأتباع عنها وحرمانها من الخمس وهو الحبل السري الذي يغذي المراجع، ‏علاوة على الإختلاف المذهبي بين الزوج والزوجة، وهذا الأمر يستحق شحن الذاكرة بالرجوع الى ‏الخلف قليلا، لأن المرجعية نفسها تقف ورائه، إضافة الى الزواج من القاصرات وزواج المتعة.‏

خلال خطبة الجمعة 27/1/2017  في الصحن‎ ‎الحسيني بكربلاء، حذر ممثل المرجعية الدينية في ‏كربلاء الشيخ عبدالمهدي الكربلائي من ارتفاع‎ ‎نسب الطلاق مقارنة بنسب الزواج، داعيا الى ‏الاهتمام ببناء نظام الأسرة من‎ ‎خلال الدعم المادي والمعنوي، وسطح بشكل مثير للسخرية أسباب ‏الظاهرة بقوله" ان من بين الأسباب التي أدت الى تزايد حالات‎ ‎الطلاق هو التساهل من قبل ‏الزوجين وعائلتيهما مع مسألة الطلاق، فمرة نجد‎ ‎أهل الزوجين يدركون أهمية المحافظة على ‏كيان الأسرة لصنع المواطن الصالح‎ ‎والحفاظ على المجتمع من التفكك والانهيار فيحاولون ‏الإصلاح بينهما لتجنب‎ ‎الطلاق، ولكن اليوم صار البعض ينظرون الى الطلاق على أنه أمر سهل، ‏وعند‎ ‎حصول أية مشكلة يلجأون إليه بدلا من اللجوء الى الإصلاح، في حين يجب أن‎ ‎يكون ‏الطلاق هو آخر الحلول وأصعب الأمور وأشقّها علينا". وسرعان ما أنهالت المقالات في اليوم ‏التالي مشيدة بموف المرجعية الرشيد من الإهتمام بالأسرة، وهي أما أقلام مأجورة أو طائفية شدت ‏لجام المرجعية على عيونها، لأنه ليس التساهل فقط هو الذي يقف وراء تفاقم الظاهرة كما حددته ‏المرجعية؟ ‏

هل نسي الكربلائي فتوى السيستاني في 12/5/2008  التي وردت في موقعه بتحريم زواج السني ‏من شيعية والعكس خوفا من الضلال وكذلك صلاة الشيعي وراء‎ ‎إمام سني؟ حتى ان  الكاتب ‏الشيعي المعروف أحمد الكاتب وعدد‎ ‎من الكتاب والباحثين العراقيين والعرب وجهوا رسالة ‏مفتوحة للمرجع الأعلى علي السيستاني مبدين استغرابهم لوجود بعض الفتاوى في موقعه / قسم ‏الأسئلة والأجوبة حيث أفتى" بعدم جواز‎ ‎الزواج من السني لا دائما ولا متعة للخوف من ‏الضلال"، وذلك جوابا على سؤال‎ ‎فتاة مستبصرة! وجاء في رسالة (جمعية الحوار الحضاري) الى ‏المرجع السيستاني" ان‎ ‎الزواج المختلط بين السنة والشيعة يشكل عاملا مهما في مقاومة الفتنة‎ ‎الطائفية وإفشالها. وإذا كانت الفتنة الطائفية التي ضربت العراق في السنوات‎ ‎الماضية، قد أثرت ‏سلبا على الزيجات المختلطة، مع الأسف الشديد، فإن دعاة‎ ‎الوحدة الإسلامية والوطنية يصرون ‏اليوم على إشاعة الزواج المختلط وتشجيع‎ ‎الشباب من الفريقين عليه، وكسر الحواجز النفسية بين ‏أبناء الشعب الواحد‎. ‎ويأملون من سماحتكم تشجيع مقلديكم على ذلك وإصدار فتوى خاصة به. ‏ونأمل أن‎ ‎تكون الفتوى المضادة المحرمة لزواج الشيعية من السني من الفتاوى القديمة‎ ‎التي ‏صرفتم النظر عنها الآن، وأن تعيدوا النظر فيها، أو تبادروا إلى حذفها‎ ‎من موقعكم على شبكة ‏الإنترنت".‏

فكم من سني طلق شيعية والعكس خوفا من الضلال والإنحراف عن العقيدة يا كربلائي ويا أقلام ‏المرجعية؟ الحياة الزوجية تتطلب الحب والإحترام والمودة والرحمة، وليس الكراهية والبغضاء ‏والتفريق والعداء الذي تجلى في مواقف المرجعية من أهل السنة، لقد قطعت المرجعية الرباط ‏المقدس بمقص الطائفية، فلا ينفعها الهروب من الحقيقة المعروفة من قبل الجميع!‏

هل نسيتم يا كربلائي كيف أشهرتم شعار (نصرة المذهب) بدلا عن (نصرة المواطنة) وأفتيتم ‏بحرمة الزوجة على الزوج الشيعي الذي لا يصوت للقائمة الشيعية (555)، فشحنتم أتباعكم ‏بالطائفية المقيتة وكراهية المواطن الآخر؟ وهذه ليست حالة جديدة فقد سبق أن أفتى المرجع مهدي ‏الخالصي في20/10/1992 ردا على دعوة وزير الداخلية عبد المحسن السعدون للمحافظين ‏المباشرة بالتحضير لإنتخابات الجمعية الدستورية " قد حكمنا بحرمة الأنتخابات، والمشارك فيها ‏يعتبر معادي لله ورسوله وأئمة المسلمين، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأي مسلم يشارك فيها  ‏تحرم عليه زوجته ويمنع من دخول الحمامات العامة وينبذه سائر المسلمين".‏

ألم تقدح عبقريتكم عن إيجاد بديلا للزواج والتحلل من القيود الأسرية والإلتزامات الزوجية ببضعة ‏دولارات عبر زواج المتعة؟ مع أن التجربة افرزت في إيران عن مليون لقيط بإعتراف هاشمي ‏رافسنجاني؟ بدلا من حث الشيعي على الزواج الدائم وتسهيل امره وحث الحكومة على تقديم ‏المساعدات والسلف والقروض لبناء الأسرة بإعتبارها نواة للمجتمع، كما كان يفعل النظام ‏الدكتاتوري السابق!!! عندما يتوفر زواج المتعة، فلماذا يلجأ الشباب الى الزواج الدائم والإلتزام ‏بقيوده الشرعية والدنيوية؟

هناك الكثير من الزيجات التي تمت من فتيات قاصرات لا تزيد أعمارعن عن خمسة عشر سنة، ‏ودأب المراجع التشجيع على هذا الزواج الشاذ الذي لا يتوافق مع عصر النهضة وتطورات الحياة، ‏وحاول بعض المراجع شرعنته كقانون بإسم (القانون الجعفري) مع ان جعفر الصادق نفسه لم ‏يتزوج من طفلة؟

نقول للكربلائي ان محاولة تسطيح المشكلة بهذا الشكل الساذج لا يمكن أن يعبر عن رغبة حقيقة ‏في حلها، وبدلا من الحلول الترقعية لمشكلة أنتم أحد أبرز أطرافها تترتب عليكم مسؤولية شرعية ‏في المشاركة في حلٌ المشكلة مع الحكومة التي باركتوها ودعوتم أتباعكم الى إنتخابها نصرة ‏للمذهب الذي خربتموه كما خربتم الدين والوطن والشعب.‏

قال الشّعبي: تعايش الناس زمانا بالدّين والتّقوى، ثم رفع ذلك فتعايشوا‎ ‎بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك ‏فما يتعايش الناس إلا بالرغبة والرهبة، وأظنه‎ ‎سيجيء ما هو أشدّ من هذا".(عيون ‏الأخبار3/393)، وقد أتى هذا اليوم.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,704,930

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"