كلام في البرامج

ليث مشتاق

يعاني قطاع البرامج في العالم العربي بشكل عام من مرض النخبوية والعزلة عن الواقع .. فمع كثرة الاهتمام بالاستوديو وتقنيات الشاشات الكبيرة ناهيك عن الاقحام المبالغ فيه لوسائل التواصل الاجتماعي .. بدأت الفجوة الموجودة اصلاً بين مقدمي البرامج او شاشات القنوات والجمهور المستهدف بالاتساع اكثر.. وهذا يدفعنا للتساؤل عن أهداف وغايات القنوات الفضائية التي من البديهي ان تكون أولى أولوياتها التأثير والانتشار لدى الجمهور.

 

وإذا كنا نتحدثُ عن التأثير فينبغي أحداث تقارب دائم بين المقدم والجمهور.. الجمهور من مختلف الفئات.. وذلك لا يتأتى دون كسر الجدران والحواجز التي تؤثر على نفسية المتلقي بحسب علم النفس الاعلامي.. بينما تزداد كمية البرامج التي لجأت الى الاستوديوهات او مكعبات الاضاءة والضيوف ذوي البدل الرسمية والمذيعات المتوهجات بسبب الإفراط بالاناقة (التي تحدثُ منذ اطلالتها الاولى على الشاشة.. فارقاً بينها وبين من تخاطب) بالتالي تتلاشى أهداف الاعلام بالتدريج كما هو واقع الاعلام العربي اليوم ..

لاشك ان حالة التناحر بين الافكار والمعسكرات قد إزادت بعد مايسمى بالربيع العربي .. ومهما كان اعتقاد احد الاطراف بأنه على حق والاخر يمثل الشر والباطل إلا ان كليهما عاجزٌ عن أقناع الجمهور برأيه.. أو بأحسن الاحوال الاحتفاظ بذلك الجمهور لفترةٍ اطول .. مما يفقد الجهات القائمة على تلك القنوات .. الفرصة في ترجيح كفة رأيٍ عامٍ ما .. على آخر .. ولتتحول الشاشات خلال عرض البرامج السياسية و الأجتماعية .. الى ساحاتٍ للردح والردح المضاد (مع الافتقار التام الى فن الاقناع بسبب المبالغة بالتشنيع بدل التركيز على عرض الحقائق ونقاط ضعف الاخر .. بهدوء تام) .. لا اقول لغياب التكنيك المحكم او فن الاقناع بل لغياب ابسط قواعد الدعاية وخلق الرأي العام في حالات الاعلام الموجه ..

وبعد سنوات من محاولة قياس نسبة المشاهدة والتاثير والتأثر لدى الجمهور العربي .. تخلص الى ان قطاع الشباب (الذي تحتدم المعارك اصلاً لاجتذابه) لم يعد يكترث بالتلفزيون والبرامج الذي تعرض فيه ( ليس كما يدعي أنبياء الموبايل والهواتف الجوالة بأن تلك الشاشات الصغيرة هي البديل ) والدليل الاقبال المحموم حول متابعة مسلسلات وأفلام اكتسحت فئة الشباب .. بل لان القائمين على تلك القنوات والمعدين والمذيعين .. يهربون من مواجهة الذات .. بأن الخلل يكمن فيهم وفي عدم نقدهم لبرامجهم وأفتقارهم للادوات والتجديد ..

فالشبابُ بل والمشاهد بشكلٍ عام يحب الكاميرا الطليقة .. الحية .. التي تلمس واقعه في الشوارع والمزارع والمصانع والجامعات والمقاهي .. ولا يميل للاماكن المغلقة كالاستوديوهات .. وان كانت اقل كلفة لكنها اكثر تصنعاً وانعزالية ..

لأن المشاهد عندما يرى وجوه الناس ومشيتهم واعمالهم وخطواتهم في الاسواق .. فأنه يرى نفسه .. يرى ذاته وواقعه .. من خلال أنسنة الصورة التلفزيونية .. وهو بذات الوقت أبعد مايكون عن ذلك المتأنق أو تلك الفاتنة في الاستوديوهات ..

لذلك الحاجة الماسة والتي قد تخلق تصالحاً بين الجمهور والشاشة .. أحدى أولى عواملها .. أنتاج برامج ميدانية .. يكون للشباب النصيب الاكبر فيها .. مع الانضباط وعدم التسطيح والتفاهة في المضمون ..وأيضاً دون التمظهر بالمحافظة المؤدلجة .. التي هي أيضاً لا تشبه الواقع في تنوعه.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,693,714

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"