نحن وإدارة #ترمب.. قبل فوات الأوان

السيد زهره

هذا تحذير قبل فوات الأوان.

القضية التي ننبه إليها تتلخص في أن الإدارة الأميركية الجديدة، بمواقفها وسياستها المعلنة حتى الآن تجاه قضايا المنطقة، والتي تعتبر إجمالا في صالحنا وصالح المواقف العربية، هي فرصة يمكن ببساطة أن تضيع، إذا لم تعرف الدول العربية كيف تستغلها وتستفيد منها.

لماذا نقول أنها فرصة تاريخية؟

ولماذا نقول إنها من الممكن أن تضيع؟

وما الذي يجب أن يفعله العرب اليوم؟

هذا هو ما سنناقشه.

 

مواقف إيجابية حتى الآن

بعد ان تولى الرئيس الأميركي ترمب السلطة، أثبت ان المواقف التي تبناها والسياسات التي وعد بها في فترة الحملة الانتخابية لم تكن مجرد شعارات انتخابية، وانه عازم على تطبيقها فعلا.

ينطبق هذا بالطبع على قضايا كثيرة داخلية وخارجية، لكن الذي يهمنا هو القضايا التي تعنينا نحن، وبالأخص الموقف من النظام الإيراني ومن عدوانه والإرهاب الذي يمارسه في الدول العربية وتدخلاته الإجرامية السافرة في شؤون دولنا، والمواقف من قضايا حاسمة أخرى.

إدارة ترمب في الفترة القليلة الماضية، اتخذت عدة مواقف وخطوات محددة بشأن الملف الإيراني وغيره من ملفات تهمنا:

1 – أعلن ترمب نفسه وكبار المسؤولين في إدارته انهم يتعاملون مع إيران على اعتبار انها اكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، وانها بدعمها للإرهاب في المنطقة تقوض أمنها واستقرارها، وانهم عازمون على مواجهة الخطر الإيراني، وسيضعون حدا نهائيا لحقبة أوباما وتواطؤها مع إيران.

2 – حرص ترمب وكبار المسؤولين الأميركيين على ان يعددوا في تصريحات علنية السياسات العدوانية الإيرانية في المنطقة التي يعتبرون انها تمثل الخطر الأول على أميركا وحلفائها، ويعتزمون التصدي لها بحزم.

ترمب نفسه تحدث عن التوسع الإيراني والسيطرة الإيرانية في العراق. مسؤولون كبار تحدثوا عن الدعم الإيراني للقوى الشيعية في البحرين، وللقوى الشيعية في العراق، والمتمردين الحوثيين في اليمن، وحزب الله الإرهابي في لبنان.. وهكذا.

3 – لم تكتف ادارة ترمب بالمواقف المعلنة على هذا النحو، ولكنها لجأت إلى خطوات عملية محددة. فبعد إجراء تجربة الصواريخ البالستية في اختبار لإرادة ترمب، وجهت أميركا في البداية تحذيرا رسميا إلى إيران، وفي اليوم التالي تم فرض عقوبات جديدة على عدد كبير من الأشخاص والشركات الإيرانية. ولاحقا أعلنت الإدارة انها تدرس اعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية بكل ما يترتب على ذلك.

4 – في غضون هذا، أظهرت إدارة ترمب انها عازمة فعلا على دعم حلفاء أميركا التقليديين في المنطقة الغربية، وخصوصا دول مجلس التعاون ومصر والأردن.

5 – وبالطبع، هناك موقف ترمب الذي تحدثنا عنه من قبل بوقف سياسات الفوضى، والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية باسم الديمقراطية وحقوق الانسان وما شابه ذلك من شعارات.

بالطبع، لسنا بحاجة إلى القول ان هذه كلها مواقف ايجابية حتى الآن.

ومع ذلك، فإنّ هناك ملاحظات وأمورا يجب أن نتبنه لها جيدا.

 

مرحلة انتقالية

ونحن نتحدث عن مواقف وسياسات إدارة ترمب تجاه قضايانا والأوضاع في منطقتنا العربية، ومستقبل هذه السياسات، هناك ملاحظات لها أهمية حاسمة يجب أن نتبنه إليها ونتأملها جيدا.

أولا: يجب أن نلاحظ أن إدارة ترمب ما زالت في مرحلة انتقالية، وسياساتها الداخلية والخارجية ما زالت في مرحلة التشكل.

الإدارة ما زالت في مرحلة تعيين المسؤولين في مختلف المواقع القيادية.

والإدارة ما زالت في مرحلة الدراسة المتأنية والتفصيلية لمختلف القضايا الداخلية والخارجية، والآراء والمواقف المختلفة إزاءها، تمهيدا لتحديد السياسات النهائية الواجب اتباعها.

وهذه المرحلة الانتقالية، سوف تستغرق، كما هو الحال مع أي إدارة أميركية جديدة بضعة اشهر بالضرورة.

بعبارة أخرى، إدارة ترمب لم تستقر بشكل نهائي على طبيعة السياسات التي ستتبعها في المنطقة العربية، ولن يحدث هذا إلا بعد ان تنتهي هذه المرحلة الانتقالية.

ثانيا: في غضون ذلك، وفي هذه المرحلة الانتقالية، يدور اليوم صراع عنيف في داخل أميركا حول عقل وسياسات ترمب، وبالأخص فيما يتعلق بالسياسات الخارجية.

بعبارة أخرى، هناك قوى كثيرة جدا في أوساط الساسة ومراكز الأبحاث والمحللين وجماعات الضغط المختلفة تنشط في أميركا وتحاول دفع إدارة ترمب إلى تبني السياسات التي تريدها.

سبق أن كتبت عن هذا الصراع الذي يدور بالذات حول الموقف من إيران والسياسات تجاهها، وكيف ان هناك تيارا لا يستهان به يشن حملة واسعة لترهيب ترمب ومحاولة إقناعه في النهاية بأنه ليس من المصلحة الأميركية مواصلة سياسات المواجهة مع إيران. وغير الكتابات التي أشرت إليها بهذا الشأن، هناك حملة لكتابة عرائض واسعة وتوجيهها إلى إدارة ترمب تدعوها إلى عدم إلغاء أو تجميد الاتفاق النووي، وعدم تصعيد المواجهة مع إيران. وهناك بالمقابل بالطبع تيار واسع أيضا يؤيد ترمب في مواقفه وسياساته المعلنة من إيران وإرهابها في المنطقة.

والصراع على عقل وسياسات ترمب لا يقتصر على قضية إيران، بل يمتد إلى قضايا أخرى تهمنا في الدول العربية.

هناك اليوم مثلا كتابات كثيرة في أميركا تثير قضية التدخلات الأميركية في العالم باسم الديمقراطية وحقوق الانسان. كثيرون يحاولون ممارسة الضغوط على ترمب واقناعه بخطأ موقفه بهذا الشأن، وكيف ان التراجع عن الدور الأميركي يضر بالمصلحة الأميركية.

هذه الكتابات وراءها كثيرون في مقدمتهم بالطبع منظمات وجهات أميركية كبيرة ونافذة هي التي وقفت في السنوات الماضية وراء أجندة التدخل في الدول العربية، وهي التي احتضنت قوى عربية وجندتها لخدمة أجندتها باسم الديمقراطية والمجتمع المدني.

وهؤلاء يقدمون لترمب حججا كثيرة دفاعا عن موقفهم منها مثلا القول ان الترويج للديمقراطية والقيم الأميركية ليس مجرد مسألة مبدئية، وإنما هي ضرورة لخدمة المصالح الاقتصادية وغير الاقتصادية لأميركا.

ثالثا: بالإضافة إلى كل ما سبق، يجب ألا يغيب عن البال أن ترمب حتى الآن لم يفرض سيطرته الكاملة على مختلف المؤسسات الأميركية. هذه المؤسسات فيها الكثيرون الذين يعادون ترمب ويسعون إلى إفشاله. كما ان أوباما استطاع ان يكرس في هذه المؤسسات تيارا واسعا معاديا للعرب بصفة عامة.

رابعا: هذا الصراع الذي تشهده أميركا على عقل وسياسات ترمب، وهذه الدراسة التي تجريها إدارته حول مختلف القضايا والسياسات الواجب اتباعها بشأنها، لا نعرف كيف ستنتهي إليه في نهاية المطاف.

والمنطق السياسي البديهي العام هنا يفرض عدم استبعاد أي احتمال.

بعبارة أخرى، هذا الصراع، وهذه الدراسة التي تقوم بها الإدارة، من الممكن ان ينتهي إلى إعادة النظر في بعض أو كل المواقف والسياسات التي أعلنت الإدارة الالتزام بها حتى الآن بما في ذلك الموقف من القضايا التي تهم الدول العربية.

 

مبادرة الأمير خليفة

في خضم كل هذا الصراع والجدل وعدم الوضوح حول سياسات إدارة ترمب وكيف ستستقر في النهاية، الأمر المؤكد أن أحد العوامل الكبرى الحاسمة في تحديد هذه السياسات فيما يتعلق بقضايانا العربية هو موقفنا نحن.. موقف الدول العربية وماذا ستفعل بالضبط.

وليس من المبالغة القول هنا ان المواقف والسياسات الإيجابية التي عبرت عنها إدارة ترمب حتى الآن من عدد من القضايا العربية الكبرى بما تمثله من فرصة تاريخية في صالحنا، هي فرصة يمكن ببساطة أن تضيع.

وسوف يتوقف هذا كما ذكرت ليس فقط على ما سينتهي اليه الجدل وعملية المراجعة في أميركا، وإنما علينا نحن.

لكن ماذا يجب على الدول العربية ان تفعل بالضبط؟

بداية، وقبل كل شيء، نقول ان المبادرة التي أقدم عليها سمو الأمير خليفة بن سلمان رئيس الوزراء، يجب أن تتحول فورا إلى مبادرة عربية عامة.

نعني بذلك ما أقدم عليه سمو الأمير خليفة في أعقاب تنصيب ترمب رسميا، حين بادر وعقد اجتماعا مهما لمجموعة عمل بهدف دراسة العلاقات مع الإدارة الأميركية الجديدة، وما الذي يتوجب عمله بالضبط كي نستفيد من التطورات الإيجابية الجديدة ونفتح صفحة في العلاقات مع أميركا بما يخدم مصالحنا.

بالطبع، حين فعل الأمير خليفة هذا، كان في ذهن سموه بحسه التاريخي أننا إزاء تطور تاريخي مهم يجب أن نفكر كيف نتعامل معه بما يخدم مصالح البحرين والدول العربية عامة.

كما قلت، هذه الخطوة التي أقدم عليها سمو الأمير خليفة يجب أن تحدث وفي أسرع وقت على الصعيد العربي.

بمعنى ان اجتماعا رفيع المستوى يجب أن يعقد بين الدول العربية المحورية، وبالأخص بين دول مجلس التعاون ومصر.. اجتماعا يحدد الموقف العربي الجماعي من الإدارة الأميركية الجديدة، ويحدد ما يجب أن يفعله العرب للاستفادة من هذه الفرصة المتاحة من اجل المصالح العربية، وأي خطوات يجب الإقدام عليها بالضبط.

 

ماذا يجب أن نفعل؟

لكن، مرة أخرى، ما هو المطلوب من العرب بالضبط؟

مع أنني تطرقت إلى هذه القضية من قبل في مقالات سابقة، لكن من المهم التأكيد مجددا على جوانب وخطوات محددة يجب أن تقدم عليها الدول العربية، يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

1 – لا بد من إظهار وحدة الصف العربي إزاء القضايا الكبرى في المنطقة.

نعني انه في هذا الظرف، يجب أن تنحي الدول العربية جانبا أي خلافات هامشية حول أي قضايا، ويجب أن توصل رسالة إلى إدارة ترمب بأن هناك موقفا عربيا موحدا إزاء القضايا الكبرى.

هذه مسألة حاسمة. الأمر هنا ببساطة ان ترمب أو غيره لن يكون متحمسا في أي وقت للمضي قدما في مواقف أو سياسات نعتبرها نحن إيجابية إذا توصل إلى قناعة بان الدول العربية عاجزة أصلا عن الاتفاق فيما بينها على مواقف موحدة.

2 – الدول العربية المعنية يجب أن تبلور رؤية واضحة تتفق عليها حول الموقف من إدارة ترمب، وحول طبيعة العلاقات مع أميركا في ظل هذه الإدارة، وماذا نريد منها بالضبط.

القضية هنا ان ترمب حين يعلن عن هذه المواقف والسياسات التي نعتبرها إيجابية لا يفعل هذا من أجل عيون العرب. هو يفعل هذا لأنه يعتقد ان هذا هو ما تحتمه المصلحة الأميركية قبل أي شيء آخر.

والدول العربية حين تحدد موقفها للعلاقات مع أميركا في عهد ترمب، فإنّ المسألة الجوهرية هنا هي ان تسعى إلى إقناع ترمب وأركان إدارته بأن هذه المواقف والسياسات الإيجابية سوف تنعكس بالفعل على تعزيز مصالح أميركا وتعزيز المصالح المشتركة بين العرب وأميركا.

3 – الدول العربية يجب أن تبلور استراتيجية وخطط عمل عربية لكيف ستتعامل هي مع التحديات الكبرى في المنطقة.

تحديدا، يجب أن يتفق العرب على خطة عمل محددة لكيف سيعملون على ردع إيران وإرهابها في المنطقة، ولكيف سيحاربون الإرهاب والقوى والجماعات الإرهابية، وكيف سيسعون إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بصفة عامة.

يجب أن تدرك إدارة ترمب ان العرب جادون فعلا، ولديهم رؤية عملية محددة، لمواجهة هذه الأخطار والتحديات.

من دون هذا، لن يكون لدى إدارة ترمب في كل الأحوال حماس للمضي قدما في مواقفها وسياساتها الايجابية ولا لدعم المواقف العربية.

أشير هنا إلى قضية هامة سبق أن أثارها أحد مستشاري ترمب.

هذا المستشار سبق أن ذكر أكثر من مرة ان ترمب يدرس فكرة تكوين تحالف أميركي عربي على غرار الناتو لمحاربة الإرهاب والتصدي لإيران وحفظ استقرار المنطقة بحيث يكون جوهر هذا التحالف قوة عربية موحدة هي التي تلعب الدور الرئيسي بدعم أميركي. لكن هذا المستشار أضاف أن القضية هنا هي هل العرب أنفسهم مستعدون لتشكيل هذا التحالف وهذه القوة أم لا.

المعنى هنا واضح.. انه إذا لم يبادر العرب أنفسهم بتشكيل قوة موحدة للدفاع عن الدول العربية، فهذا ذنبهم وليس لهم ان يتوقعوا من إدارة ترمب ان تفعل ما يعجزون هم عن فعله.

والمسألة إذن انه ما لم يأخذ العرب زمام المبادرة للدفاع عن الدول العربية في مواجهة الأخطار والتحديات من إيران أو الإرهاب أو غير ذلك، فلن يدافع عنهم أحد لا ترمب ولا غيره.

وإذا اتفقنا على هذا، فلا بد أن نتفق على أن إنشاء القوة العسكرية العربية الموحدة أصبح مطلبا عاجلا لا يحتمل التأجيل، على الأقل كي لا نضيع فرصة الدعم الأميركي للعرب في هذه القضايا الحاسمة.

وفي تقديرنا لأسباب كثيرة تتعلق بالوضع العربي الراهن، وتتعلق بحسابات ترمب نفسه، فإنّ مصر والبحرين هما المؤهلتان لقيادة التحرك العربي المنشود وفق الخطوط العامة التي ذكرناها ولتكوين الرؤية العربية الموحدة.

...

الذي نريد أن نذهب إليه في النهاية هو أن مواقف وسياسات ترمب المعلنة حتى الآن تجاه قضايا عربية حاسمة وفي مقدمتها الموقف من إيران وإرهابها في المنطقة، وسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية وإثارة الصراعات الداخلية.. هذه المواقف تمثل فرصة تاريخية لتقوية الجبهة الداخلية أولا وتطهيرها من القوى العميلة، ولردع إيران وعدوانها ثانيا، ولتحقيق قدر من الأمن والاستقرار في المنطقة بصفة عامة.

لكن هذه الفرصة يمكن أن تضيع ببساطة، ويمكن أن تتغير مواقف إدارة ترمب الإيجابية هذه.

والدول العربية تتحمل المسؤولية الأساسية اليوم وفي المرحلة الانتقالية التي تمر بها إدارة ترمب في استغلال هذه الفرصة أو في اهدارها.

والمطلوب ببساطة هو أن تأخذ الدول العربية المعنية زمام المبادرة، وتطرح هي خططا عربية لمواجه الأخطار والتحديات، وتطرح على إدارة ترمب هذه الخطط وتقنعها بأن هذا يخدم المصالح المشتركة.

إذا لم يفعل العرب هذا، وأظهروا ضعفا وتشرذما، ففي كل الأحوال لن يكون هناك حماس من إدارة ترمب للمضي قدما في مواقفها هذه وخاصة أن هناك ضغوطا هائلة تمارس عليها بالفعل للتراجع عنها.

إذا انتظر العرب ببساطة أن تتولى إدارة ترمب الدفاع عن الدول العربية في مواجهة عدوان إيران أو في مواجهة القوى الإرهابية وان تعمل بالنيابة عنا، فلن يحدث هذا ببساطة.

صحيح أنه ليس متوقعا في كل الأحوال، ليس متوقعا أن يفعل ترمب مثل ما كان يفعله أوباما بالتواطؤ مع النظام الإيراني مثلا، لكنه من الممكن تحت الضغط الداخلي وبسبب تخاذل العرب أن يفقد حماسه، ويتراجع على الأقل عن لعب دور أميركي مبادر وفاعل في مواجهة إيران والقوى الإرهابية.

نقول كل هذا على سبيل التحذير وقبل فوات الأوان، وقبل أن نندم لاحقا على أننا أضعنا هذه الفرصة.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,269,197

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"