هل ستنجح #تركيا في علاقاتها الجديدة مع إدارة #ترمب؟

علي حسين باكير

شهدت الأيام القليلة الماضية انخراطاً دبلوماسياً وأمنياً تركيا– أميركيا على أعلى المستويات، وقام العديد من المسؤولين رفيعي المستوى من البلدين بزيارات متبادلة بشكلٍ مكثّف، وذلك في سياق متابعة ما جرى التوصل إليه في الاتصال الذي جرى بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي، وكذلك الزيارة التي قام بها مدير المخابرات الأميركية المركزية (سي أي إيه) إلى تركيا.

 

وفي هذا الإطار زار وكيل وزارة الخارجية الأميركية أوميت يالتشن واشنطن في 13 شباط/ فبراير الجاري، كما زار وزير الدفاع التركي بروكسل أمس الأول حيث التقى على هامش اجتماع وزراء دفاع دول الناتو بوزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، ومن المنتظر أن يزور رئيس هيئة الأركان الأميركية نظيره التركي اليوم، وذلك بموازاة الترتيبات التي يجري الإعداد لها تمهيداً لزيارة قريبة للرئيس أردوغان إلى الولايات المتّحدة للتأكيد على أولويات السياسة التركية، وكيف من الممكن أن يجري تلافي الأخطاء التي وقعت بها إدارة أوباما.

تتركّز مواضيع النقاش الأساسية في هذه اللقاءات على عدد من المواضيع ذات الاهتمام المشترك، وفي طليعتها الملف السوري (العمليات الجارية ضد «داعش» والمناطق الآمنة والدعم الأميركي لميليشيات «بي واي دي» الكرديّة)، علماً أنّ الرئيس الأميركي كان قد كلّف وزارتي الدفاع والخارجية بإعداد دراسة حول إقامة مناطق آمنة خلال 90 يوماً، ثم عاد وكلّف وزارة الدفاع بإعداد خطّة لمكافحة داعش خلال 30 يوماً.

 

رؤية الجانب التركي

وتشير المعلومات الخاصة إلى أنّ إدارة ترمب وعدت بأنّها ستأخذ في عين الاعتبار رؤية الجانب التركي أثناء إعداد إستراتيجيتها للتعامل مع التحديات الصاعدة في المنطقة، لا سيما في مكافحة داعش، وأنّ هذا ما جرت مناقشته بين رئيسي البلدين، ولهذا السبب بالتحديد جرى إرسال مدير الاستخبارات الاميركية للقاء نظيره التركي وأردوغان.

قبل أيام، تسرّبت معلومات تشير إلى أنّ البنتاغون قد تقترح على الرئيس الأميركي إرسال قوات أميركية للقتال في شمال سوريا. إذا كانت هذه القوات ستشارك في مرحلة لاحقة في عمليات مع الجانب التركي ضد تنظيم داعش في الرقة من دون الاستعانة بقوات (بي واي دي) الكرديّة، فإن مثل هذه الخطة ستتطابق مع خطّة تركية قديمة كان الجانب التركي قد ناقشها لفترة طويلة مع إدارة أوباما، وتقضي بإرسال قوات خاصة من عدد من الدول الإقليمية إلى جانب قوات المعارضة المعتدلة لتحرير الرقة.

وهناك من يلفت كذلك إلى أنّ السعودية ناقشت مثل هذا الطرح مع إدارة ترمب تحت لافتة «قوات إسلامية». وبالرغم من التفاؤل التركي، لا يوجد عملياً ما يؤكد أنّ الخطة الأميركية ستذهب باتجاه القطيعة مع قوات (بي واي دي) الكردية، خاصّة أنّه لم يجرِ اتخاذ قرار حاسم بشأن إيقاف الدعم الأميركي لهذه الميليشيات حتى هذه اللحظة، وهو الأمر الذي يطالب به الأتراك بشكل مستمر. لن يضطر الجانب التركي إلى الانتظار كثيراً قبل أن يعرف الموقف الحقيقي لإدارة ترمب بهذا الشأن.

 

المناطق الآمنة

أمّا في ما يتعلق بالمناطق الآمنة، فإن تركيا تضغط باتجاه ضرورة تنفيذ هذا الأمر، لكن من غير المعروف عمّا إذا كانت هذه المناطق الآمنة ستشمل رقعاً جغرافية من سوريا من بينها، على سبيل المثال، مناطق الجنوب على الحدود الأردنية أم لا، وكيف سيتم التعامل مع مواقف روسيا والنظام السوري حيال هذا الأمر. لكن  الجانب التركي يركّز على أنّ تكون المنطقة التي يريد تحريرها ضمن هذه المناطق، وهو يشدد على امتلاكه تصوراً حول الكيفية التي يمكن من خلالها إعادة بناء هذه المنطقة الخالية من داعش بشكل سريع حال تأمينها، وإعادة أعداد كبيرة من اللاجئين إليها.

لتحقيق هذا الأمر تحتاج تركيا إلى مساعدة عسكرية في ما يتعلق بتأمين المنطقة، وإلى تمويل. قام الجانب التركي خلال العام الماضي بمناقشة هذا الأمر مع عدد من الدول الإقليمية، ومن المرجّح أن يكون ترمب قد بحثه أيضاً مع كل من السعودية والإمارات خلال الاتصالات التي أجراها سابقاً مع زعماء البلدين.

هناك اعتقاد سائد لدى الحكومة التركيّة بأنّه سيكون بالإمكان التوصل إلى تفاهمات مع إدارة ترمب، ولذلك يقوم المسؤولون الأتراك حالياً بالانخراط الحثيث مع الجانب الأميركي للتركيز على هذه الأولويات، لكن ذلك لا يلغي حجم التحديات الضخمة التي تنتظر العلاقة بين البلدين.

 

موقف محرج

يوم الإثنين الماضي، خسر الجانب التركي ما يفترض به أنّه عامل مهم في تعزيز العلاقات بينه وبين إدارة ترمب، لا سيما في ما يتعلق بالدعوة إلى تسليم فتح الله غولن -المتّهم بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية الفاشلة- للسلطات التركية. مايكل فلين، مستشار الأمن القومي الذي استقال على خلفية العلاقة المشبوهة مع روسيا، كان من أهم الفاعلين الذين دعموا علناً مطلب الحكومة التركية وأيدوا «شفاهةً وكتابةً» تسليم غولن إلى الحكومة التركية.

أضف إلى ذلك أنّ العلاقات بين إدارة ترمب وبوتين لا تسير حالياً في الاتجاه الذي كان متوقعاً أو مأمولاً، وهو الأمر الذي قد يضع تركيا مرّة أخرى في موقع حرج، بحيث يدفعها في وقتٍ ما إلى الاختيار بين أميركا وروسيا. حتى هذه اللحظة، يأمل الجانب التركي ألا يصل إلى هذه المرحلة، لا سيما في الملف السوري، حيث يطمح إلى الاستفادة من الجانبين، لكنّه سيواجه بالتأكيد الاختلاف بين أميركا وروسيا بشأن الملف الإيراني.

خلال المكالمة التي جرت بين ترمب وأردوغان، عبَّر ترمب بشكل واضح وصريح عن جدّية والتزام الولايات المتّحدة في العمل من أجل إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي وصد نفوذها المتنامي في المنطقة، وهو أمر لم يكن الجانب التركي يتوقع أن تجري إثارته خلال النقاش، ولا شك أنّه قد يربكه.

من الممكن أن ينظر الجانب التركي إلى هذه السياسة الأميركية الضاغطة على إيران كفرصة للتقارب أكثر من الدول الخليجية، وللحصول على دعم إقليمي أكبر لا سيما في ما يتعلق بخطّته في سوريا، لكنّها قد تخلق له في المقابل مشكلة في التعامل مع روسيا وإيران، لا سيما في الملفات ذات الطابع المتعدد الأطراف.

يلفت البعض بشكل جدّي إلى أنّ ثمن جَسر مثل هذه الخلاف بين جميع الأطراف هو قبول تركيا والدول الخليجية ببقاء الأسد مقابل إخراج إيران من المعادلة السورية، وهناك من يشير إلى أنّ بعض الدول الخليجية قد تكون مستعدة لهذه الفكرة ربما، لكنّ الإيمان بمثل هذا الأمر سيكون بمنزلة ضرب من الخيال، فمن غير الممكن أن يكون الأسد موجوداً من دون أن يكون النفوذ الإيراني موجوداً، هذا أمر مفروغٌ منه.

 

العلاقة مع (إسرائيل)

كذلك الأمر بالنسبة إلى العلاقة مع (إسرائيل)، حيث تربط ترمب علاقة مهمة مع الزعماء (الإسرائيليين)، وهذا قد يساعد على جسر أي خلاف محتمل بين الطرفين في ما يتعلّق بالتصورات الإقليمية، ويعزز من عملية التطبيع الجارية مع تركيا، لكن دعم ترمب غير المحدود لـ(إسرائيل) قد يدفع الأخيرة إلى ارتكاب حماقات داخل فلسطين أو على الصعيد الإقليمي، ولا شك أنّ ذلك سيضع الجانب التركي حينها في موقف حرج وصعب، وقد بدأنا نختبر ذلك بالفعل عبر ملفات تتعلق بإمكان نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وبحل الدولتين، والاستيطان…إلخ.

ولا شك أنّ الخلط الموجود لدى إدارة ترمب المقبلة بين الإسلام والإرهاب وبين الجماعات الإسلامية المعتدلة وتلك المتطرفة، واستخدام مصطلح «الإسلام المتطرف» سيفرضان تحديات على العلاقة بين تركيا والولايات المتّحدة، وقد لمسنا حساسيّة هذا الموضوع بالنسبة إلى الجانب التركي خلال لقاء أردوغان الأخير مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فضلاً عن أنّ شروع إدارة ترمب في تصنيف «الإخوان المسلمون» جماعة إرهابية سيخلق مشكلة لتركيا وربما يخلق أيضاً هوّة مع بعض دول مجلس التعاون الخليجي التي قد تؤيد هذا التوجه، وعندها ستكون المعادلة في الملفات الإقليمية صفرية للجميع.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,693,056

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"