"الإقليمية" في جوهر الاشتباك التركي- الإيراني

علي حسين باكير

خلال أقل من أسبوع، شنّ مسؤولون أتراك حملة انتقادات لاذعة ضد السياسة الخارجيّة الإيرانيّة في المنطقة، ونُقِلَ عن رئيس الجمهورية التركية تحذيره خلال زيارته للبحرين الأسبوع الماضي من عنصرية فارسية، تسعى إلى تمزيق العراق وسوريا، وفق أجندة طائفية.

وفي المؤتمر الذي أقيم في ميونخ قبل أيام، أشار وزير الخارجية التركي مولوود تشاووش أوغلو- خلال كلمة له وسط حضور دولي رسمي عالي المستوى، وبمشاركة وزير الخارجية الإيراني- إلى أنّ طهران تهدد أمن واستقرار المنطقة، وأنّ لديها طموحاً إقليمياً يستند إلى سياسة طائفية، قائلاً: «سياسة إيران الطائفية تقوّض- للأسف- السلام في عدد من الدول الإقليمية؛ مثل البحرين والسعودية، وعدد آخر من بلدان الخليج. إيران تسعى أيضاً إلى تحويل سوريا والعراق إلى دولتين شيعيتين، وهذا أمر خطير للغاية، ولذلك نحن بحاجة إلى أن نحث إيران على التوقّف عن هذا الطموح الذي يمس بالاستقرار والأمن».

وفي السياق نفسه، شدّد موجز اللقاء الذي تمّ في 18 فبراير الجاري بين رئيس الوزراء التركي بينالي يلديريم ونائب الرئيس الأميركي مايك بنس على اتفاق الطرفين في عدم السماح لإيراني بتقويض الأمن والاستقرار في المنطقة.

هذا الانتقاد التركي الشديد والعلني للسياسة الطائفية الإيرانية في المنطقة ولأجندة النظام الإيراني التوسعيّة دفع بهرام قاسمي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى القول إنّ إيران تأمل في أن «يتحلّى المسؤولون الأتراك بالمزيد من الذكاء في تصريحاتهم تجاهها، كي لا تضطر إلى الرد، وأنّ إيران ستلتزم جانب الصبر، ولكن للصبر حدوداً». وبموازاة ذلك، قامت الخارجية الإيرانية باستدعاء السفير التركي في طهران هاكان تكين على خلفية التصريحات التركية، وأبلغ إبراهيم رحيم بور نائب وزير الخارجية الإيراني السفير التركي اعتراض بلاده الشديد وإدانتها هذه التصريحات الموجّهة ضدّها.

وردّ الناطق باسم الخارجية التركية حسين مفتي أوغلو بالقول «لا يمكن فهم أو تقبل الاتهامات الإيرانية للآخرين، بينما لا تتورّع عن إرسال من لجؤوا إليها بسبب الأزمات في المنطقة، إلى ساحات الحروب، وهي المسؤولة عن التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة»، في إشارة إلى تجنيدها الشيعة الأفغان للذهاب للقتال في سوريا، مضيفا أنّ إشادة الإيرانيين بسياسة بلادهم الخارجية الإقليمية تتعارض بشكل كبير مع مخاوف الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي من هذه السياسات، داعياً إيران إلى إعادة النظر في سياساتها تجاه دول المنطقة واتخاذ خطوات بنّاءة في هذا المجال.

 

جملة من الأسباب

يعود تصاعد الانتقاد التركي لإيران في هذه المرحلة إلى جملة من الأسباب ذات الطابع الإقليمي، من بينها ما يقول مسؤولون أتراك رفيعو المستوى إنّها جهود إيرانية حثيثة لتقويض الوضع في سوريا، من خلال حثّ الأسد والميليشيات الشيعية على الاستمرار في العمليات العسكرية، ومحاولة عرقلة التعاون الروسي ــــ التركي وافتعال مشاكل وخلافات بين الجانبين.

ويترافق ذلك ـــ أيضاً ـــ مع مجيء الإدارة الأميركية الجديدة التي تبدو ـــ على عكس الإدارة السابقة ـــ مستعدة لاتخاذ خطوات عقابيّة جادة بشأن التوسع الإيراني الإقليمي، ومنفتحة على التعاون مع دول المنطقة، للحد من قدرة إيران على زعزعة الأمن والاستقرار، وهو ما يؤكد المعلومات الخاصة التي نقلناها سابقا عن فحوى الاتصال الهاتفي الذي تمّ بين دونالد ترمب والرئيس التركي في 7 فبراير الجاري.

ويحاول الجانب التركي التناغم مع بعض أوجه سياسات إدارة ترمب للتأكيد على النقاط المشتركة، وفي هذا المجال بالتحديد يساعد انتقاد إيران على تحقيق هذا الغرض، لا سيما مع تصاعد وتيرة الاستياء التركي من السياسات الإيرانية من جهة، ولأنّ مثل هذا الموقف سيدفع ــ أيضاً ــ باتجاه تمتين العلاقة مع دول مجلس التعاون، حيث تتطابق الرؤى بين الطرفين في ما يتعلق بسوريا والعراق واليمن، وكلها ملفات لا يجمع بينها إلا وجود تدخّل إيراني قوي، طائفياً وعسكرياً وسياسياً.

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أنّ مثل هذا التوتّر مؤقّت وسيزول، يعتبر آخرون أنّ الاختلاف الجوهري والعميق بين الطرفين موجود، وسيبقى كذلك، وأنّ وجود علاقات اقتصادية قوية مع إيران بحكم الجغرافيا لا يمكن أن يمنع الجانب التركي من انتقاد النظام الإيراني بشكل قوي، والإشارة إلى مكمن التناقض معه إزاء سياساته الطائفية والتخريبية في المنطقة.

هناك من يعتقد أيضاً أنّ الواقعيّة تتطلّب إشراك إيران في حل المشاكل المشتعلة في المنطقة، وأنّ استبعادها ستكون له نتائج عكسيّة؛ إذ إنّها ستبقى قادرة على التخريب والتعطيل، في حين إنّ إشراكها سيعطي الإمكانية لدول المنطقة لاحتوائها، لكن مثل هذه الرؤية لدى بعض المسؤولين الأتراك تتجاهل بطبيعة الحال الخبرة التاريخية بسلوك النظام الإيراني.

 

تباينات داخلية

مثل هذا التباين لا يقتصر أيضاً على المتابعين فقط، ففي حين لا يخفي مسؤولون أتراك رفيعو المستوى- من بينهم الرئيس أردوغان- امتعاضهم من إيران، وانتقادهم لها سرّاً وجهراً، حينما يستدعي الأمر ذلك، لا يريد بعض النافذين في تركيا في مواقع مختلفة من صنع القرار حصول تصعيد مع طهران، وغالبا ما يسعى هؤلاء للتأثير بطرق مختلفة في الاتجاه الأول استناداً إلى مبررات مختلفة اقتصادية وسياسية، في حين يعتمد بعضهم على التوجه «الإسلامي المحافظ» لجسر الهوّة معها، وهو اتجاه، وإن تقلّص كثيرا في تركيا في السنوات الأخيرة، مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الثورات العربية، إلا أنّه لم ينته بشكل كلي.

نائب رئيس الوزراء والناطق الرسمي باسم الحكومة التركية نعمان قورتولموش كان قد قال للصحافيين مؤخرا إنّ «إيران وتركيا بلدان صديقان. هناك اختلاف في وجهات النظر من حين لآخر، لكن لا يمكن أن تولد عداوة بسبب تصريحات، وحتى لو ظهرت خلافاتنا السياسية مع إيران فإنه ينبغي عدم تضخيمها بشكل كبير».

ومن المفارقات أنّ الجانب الإيراني حاول استغلال الزيارة التي أجراها رئيس الجمهورية حسن روحاني إلى كل من الكويت وسلطنة عُمان للترويج بأنّ إيران تسعى إلى علاقات جيّدة مع جيرانها، في الوقت الذي حرص فيه الجانب التركي على توحيد الأجندات إزاء القضايا الإقليمية المشتعلة.

ومن البديهي القول إنّه ما لم ترجّح كفة العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنيّة التي تضمن ترسيخ المصالح المشتركة مع طرف من هذه الأطراف (إيران ودول الخليج العربي)، فان التجاذب سيبقى قائماً، علماً بانّ هناك من يسعى بالفعل إلى توثيق العلاقة مع دول الخليج العربي للتخلّص من قدرة إيران على استخدام بعض الأوراق في ليّ ذراع تركيا إقليمياً، لكن لا يزال هناك تخوّف لدى المسؤولين الأتراك من عودة ملف «الإخوان المسلمين» كملف خلافي بين تركيا وبعض دول مجلس التعاون، في حال شروع إدارة ترمب في تصنيف «الإخوان» منظمةً إرهابية، وهو الأمر الذي لو حصل فعلاً فإنه لن يصبّ إلاً في مصلحة إيران.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,263,068

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"