الحياة على حافة الموت ‏

جاسم الشمري

تُعد الطفولة من أروع المراحل الإنسانية من حيث الجمال والبراءة والنقاء والصفاء. ‏والأطفال هم الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الأوطان. والبناء الصحيح لمرحلة ‏الطفولة- كما أثبتت التجارب-يقود لصنع الرجال والنساء الصالحين، وكذلك لتدعيم ‏كافة جوانب الحياة الإنسانية بالطاقات المتجددة والنافعة، وأن ما يُبنى في مرحلة ‏الطفولة، سواء أكان هذا البناء سلبياً أم ايجابياً فان المجتمع سيجني ثماره في كلا ‏الحالتين.‏

 

الطفولة في العراق تتعرض الآن وفي كل ساعة تقريباً إلى إعدامات معنوية ومادية ‏وبالأخص في المحافظات التي تعاني من استمرار العمليات العسكرية فيها منذ سنوات.‏

وقبل عدة أيام حدثني احد زملائي في الدراسة الجامعية العليا من أهالي الموصل أنه ‏وعائلته خرجوا من المدينة بعد أن رَأَوْا الموت بأعينهم، وكأن الساعة قد قامت عليهم، ‏وأنه مهما حاول أن يصف بشاعة وضراوة النيران المستخدمة في الهجوم فانه لا ‏يستطيع نقلها، وأن القوات المهاجمة لا تفرق بين مقاتلي "داعش" والمدنيين، وكل ما ‏يشغلها هو تدمير الأحياء السكنية لمسك الأرض دون النظر لحجم الخسائر البشرية ‏والمادية".‏

‏ومما استوقفني في حديثه المرير أن ابنه كان يقول له في كل ليلة "يا أبي متى ‏نموت؟" ويقول محدِّثي "لم أكن أعرف ساعتها كيف أرد على سؤاله الكبير والمتكرر في كل ليلة!".‏

منظمة الطفولة العالمية "اليونسيف" سبق وأن أكدت أن "ثمة 4,7 مليون طفل تأثروا ‏مباشرة بالنزاع في عموم العراق، وهنالك 3,5 مليون طفل خارج المدرسة. وفي ‏داخل الموصل هنالك أكثر من نصف مليون طفل".‏

ومؤخراً أكد ماوريتسيو كريفاليرو، مدير مكتب منظمةSave the Children ‎ البريطانية غير الحكومية في العراق، أن "نحو 350 ألف طفل وفتى تقل أعمارهم عن ‏‏18 عاماً عالقين في القسم الغربي من الموصل، وأن عواقب عمليات القصف في هذه ‏الشوارع الضيقة والمكتظة بالسكان قد تكون أكثر دموية من كل ما عرفناه حتى الآن، ‏وأن الأطفال أمام خيار مروّع في الشطر الغربي من الموصل، عليهم أن يختاروا بين ‏القنابل والمعارك والجوع إن بقوا، والإعدامات ورصاص القناصة إن حاولوا الفرار. ‏وأن على القوات العراقية وحلفائها وبينهم الولايات المتحدة وبريطانيا، بذل كل ما في ‏وسعهم لحماية هؤلاء الأطفال وعائلاتهم، الذين يعانون من نقص الطعام والمياه ‏والأدوية".‏

وسبق لليونسيف أن كشفت نهاية العام الماضي عن "وجود أكثر من 16 ألف طفل ‏في مخيم ديبكة، ممن نزحوا من مناطق مختلفة في شمال العراق". ‏

وذكر تقرير للمنظمة بعض قصص الفارين من جحيم المدينة، ومن بينها" قصة ‏حَسن، الصبي في التاسعة من عمره، وكيف أضْطُر هو وعائلته إلى ترك ديارهم ‏بسبب العوز، ونفاد ما لديهم من طعامٍ ومال. وأضاف: "لم يكن لدينا سوى الباذنجان ‏لنأكله".‏

وكذلك قصة الصبي ماهر الذي "وصف رحلته سيراً على الأقدام هو وأخته الصغرى، ‏زهراء، مع والديه، وكيف كانت رحلة شاقةً ولمدة تزيد عن 15 ساعة متواصلة ‏للوصول إلى هذا المخيم".‏

فهل يعقل أن الأهالي يسيرون على أقدامهم أكثر من 15 ساعة وسط القذائف والألغام ‏المحيطة بالمدينة للوصول للمخيمات؟ أعتقد هي رحلة نحو الحياة على حافة الموت! ‏ثم أين الممرات الآمنة للمدنيين الفارين من جحيم المعارك التي تتحدث عنها حكومة ‏بغداد؟!‏

استمرار الاستخفاف بحياة عموم العراقيين والأطفال على وجه الخصوص سينتج جيلا ‏ناقماً على البلد، ولا يؤمن بنظرية الانتماء الوطني لأن الحكومات التي تقتل أبناءها لا ‏يمكن أن تمثلهم، والنواب الصامتون عن قتل أهلهم لا يمكن أن يمثلوا محافظاتهم ‏المنكوبة.‏

العراق بحاجة إلى حكمة في التعامل مع الوضع القائم عبر خطة وطنية حكيمة لفرز ‏الأشرار عن الأخيار الذين يمثلون الأكثرية العظمى لهذا ما يحصل اليوم هي عمليات ‏انتقام جماعي واضحة.‏

البناء المبكر لرجال الوطن من الأطفال والصبيان يكون بتهيئة الظروف الصحيحة ‏لنشأتهم، والتي ستقود بلا شك إلى أن يكونوا بناة ومنتجين، وإلا فإننا جميعاً سندفع ‏ثمن إهمالهم.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,949,181

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"