المناورات العسكرية الإيرانية، الأهداف والرسائل

نبيل العتوم

"السيادة في المنطقة لإيران فقط"، بهذه الكلمات عبّر قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري عن المناورات البحرية التي سميت بمناورات “الولاية 95” الكبرى، والتي أجريت  في منطقة مضيق هرمز وبحر عمان وشمال المحيط الهندي، حيثُ أعلنت قيادة الحرس الثوري أنّ هذه المناورات جاءت بعد أسابيع من قيام الدول الغربية بإجراء مناورات (ترايدنت) البحرية في  مياه الخليج العربي، ومضيق هرمز.

 

سبق هذه المناورة الإيرانية كثافة في النشاطات العسكرية، كتجارب للصواريخ البالستية متوسطة المدى، وطائرات مسيرة عن بعد، وتجربة لتوربيدات متطورة، إلى جانب  اختبار نظام صواريخ اس 300 الذي تسلمته إيران من روسيا مؤخراً .

لكن ما دلالات تكثيف إيران لمناوراتها وتجاربها العسكرية؟ وما هي الرسائل التي تريد إرسالها للخارج  جراء تلك  المناورات؟

تجري إيران ما بين 6- 8 مناورات سنوية ما بين برية وبحرية، ومناورات عسكرية واسعة، ومتوسطة النطاق، إلى جانب أكثر من 87 اختبار أجرته العام 2016م لأسلحة مستوردة، أو منتجة، أو مطورة محلياً بواسطة الهندسة العكسية الذي برعت إيران بها.

وتتزامن هذه التجارب والمناورات، على خلفية جملة من المتغيرات التي تشهدها المنطقة منها،  منها : صعود إدارة ترمب، والتلويح بالمواجهة مع طهران، والتهديد بمحاصرة المجال الحيوي الإيراني، بالإضافة إلى انطلاق جولات جنيف 4 التي دخلت مرحلة حساسة وحرجة، تنذر باحتواء الدور الإيراني، وكنسه من سوريا أولاً، ومن ثم من المنطقة إذا صدقت التصريحات الأميركية، واحتمالية تضحية روسيا بالدور الإيراني  برمته نتيجة جملة من المستجدات، وبالمقابل حاجة دولة ولي الفقيه  لإيصال رسائل  بأنها قوة مهمة ورئيسية، ولا تستطيع أية قوة تهميشها.

من المؤكد أن دولة الولي الفقيه تريد أن توصل رسالة إلى دول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص بأن السيادة والهيمنة على المنطقة باتت بيد إيران دون منازع، وأن أمن الملاحة البحرية، والتجارة التي تشكل عصب الاقتصاد الإقليمي والدولي بيد طهران من مياه الخليج العربي إلى بحر عمان، وحتى شمال المحيط الهندي، وفي بعض الأحيان تطلق تصريحات نارية  تعلن عن عزمها إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر فيه يومياً بين 30- 32 مليون برميل يومياً، حيث ما يُعد هذا التصريح  دوماً تحديًا سافرًا وخطيراً، وهو موجه لدول الخليج، وللمجتمع الدولي.

فقادة إيران العسكريين والسياسيين، على حدٍّ سواء، لا يُجاملون أحداً خاصة أن هذه المناورات لا تحمل رسائل سلام ولا أمن  لدول المنطقة، في الوقت الذي تتشدق فيه طهران، بأن لديها رسالة سلام بالغة الأهمية من خلال مكافحتها للإرهاب البحري من خلال إرسال دورياتها البحرية إلى شمال المحيط الهندي لمواجهة القرصنة البحرية، وصولاً إلى المناطق القريبة من مضيق باب المندب، وهي رسائل إسفاف، وتسطيح للعقول تسعى إيران لبثها بين الفينة والأخرى، في الوقت الذي تستثمر به هذا الوجود لإرسال السلاح، وأدوات القتل إلى الحوثيين في اليمن.

من المؤكد أن إيران تحاول تطوير كفاءتها وجهوزيتها القتالية لمحاولة تهديد الأمن الإقليمي،  بحجة اختبار جميع الأسلحة والمعدات التي تدعي دوماً تطويرها، لكنها تهدف بالأساس إلى ممارسة  دبلوماسية حافة الهاوية التي تتقنها ببراعة، فهي تُمثل الهدف الرئيسي لهذه المناورات في الوقت الذي لا يخفى على أحد أن منطقة الخليج العربي، والإقليم عموماً  تعيش ظروفاً  استثنائية خاصة بفعل تدخلات إيران السلبية والهدامة  التي تنفذ سياسة “بث الفوضى “، وتعمل على تهديد حياة شعوب هذه المنطقة عبر تدخلها المدمر من خلال مداخل الأزمات الإقليمية، لا سيما في العراق، وسوريا، واليمن، هذا عن دورها التخريبي في الشأن الداخلي لدول الخليج العربي من خلال إنشاء الخلايا النائمة، وتهريب السلاح، وتحريك الأقليات، وانتهاك أمن الدول…..،  لتكون سيفاً مسلطاً على رؤوس دول الخليج وشعوبها، وحينما تجري إيران مثل هذه المناورات فإنها في الحقيقة تريد أن ترسل رسالة للدول الخليجية على الخصوص، بأن السيادة العسكرية والأمنية لإيران دون منازع.

إن تعكير صفو الأمن والاستقرار في منطقة الخليج بواسطة اليد الإيرانية يصب في صالحها دوماً، خاصة أن ذلك سيرفع من وتيرة التوتر، وتوفير مدخولات إضافية لخزانة الولي الفقيه الخاوية من العملات الصعبة، مما يسمح لها بالاستمرار في ممارسة مخططها التخريبي في المنطقة، وتهديد مصالح الدول العربية الخليجية  وأمنها  واستقرارها، وترجمة لمخططاتها الساعية للسيطرة والهيمنة، على غرار  المناورات البحرية المشتركة الإيرانية التي أجرتها مع القوات العراقية قبل أشهر قليلة في مياه شط العرب، والتي تمّت بإشراف مباشر من الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وبتغطية إعلاميّة اقتصرت على الجانب الإيرانيّ فقط، مع الإشارة إلى الأهداف السياسيّة للمناورات في بعض وسائل الإعلام الإيراني، باعتبار أنّ الأمر يقتصر على الجوانب الأمنيّة فقط، إذ لم يخف قائد حرس الحدود الإيرانيّ العميد قاسم رضائي، الأهداف السياسيّة الخطيرة  وراء إجراء المناورات البحريّة في مياه شطّ العرب، أو ”رود أروند” وهو ما يحلو للإيرانيين تسميته، حيث اعتبر رضائي هذه المناورات أنّها تؤكّد أنّ البلدين لن يسمحا لأيّ طرف ثالث بالتدخّل في الشؤون السياسية والأمنيّة للمنطقة، وهذه المناورات تُمثل رسالة سياسيّة واضحة إلى دول الخليج العربيّ من ناحية، كما تؤكّد تصريحاته بوضوح على أهمية  النفوذ الإيرانيّ في مياه شطّ العرب من ناحية أخرى، مع عدم الاعتراف بالحدود السياسية الحالية مع العراق، وعدم ثباتها من  الناحية الجيولوجية من جهة شط العرب بسبب انجراف التربة في هذه المنطقة، فإنّ إيران سيكون لها الحقّ في الدخول إلى الحدود العراقيّة، والتغلغل فيها في الوقت الذي تشاء  حسب هذا الفهم.

من جانب آخر فإن هدف النظام الإيراني من وراء  تبني إستراتيجية (حافة الهاوية)، وفي هذا التوقيت خلق إرباكات في الأسواق العالمية المستهلكة للبترول بغية رفع أسعاره، وذلك من أجل تعويض الخسائر التي سوف تلحق به جراء العقوبات التي فرضتها إدارة (ترمب) من طرف واحد، لأن مثل هذه العقوبات من شأنها أن تفت في عضد  النظام وتشغله بأزماته  الداخلية الطاحنة، ناهيك عن التأثير على الدور الإقليمي لإيران من خلال مداخل الأزمات الإقليمية،  هكذا سياسة من شأنها تعريض بناء المجال الحيوي والمصالح الإيرانية للخطر، ومن شأن  ذلك أيضاً توحيد  أجنحة السلطة خلف الولي الفقيه ” المعتل صحياً”، والتمهيد لإجراء الانتخابات الرئاسية القادمة،  بالإضافة إلى ذلك فإن هناك جملة أهداف داخلية يهدف إليها  النظام الإيراني من إجراء المناورات والاختبارات الصاروخية، وفي هذه الأوقات تحديدًا، تتلخص بصرف الأنظار عن ثالوث الأزمات  الطاحنة الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية التي تعصف بإيران، هذا عدا عن أن رفع درجة التوتر من خلال المناورات والاختبارات العسكرية،  والتي هدفت إيران من خلالها إلى توجيه نظر الشعب الإيراني عما يعانيه من خلال نقل مستوى الهاجس الأمني، وتحويله إلى مرحلة الخطر الأمني المحدق بالدولة والثورة .

نستطيع القول إن إيران التي تعيش اليوم  مرحلة  ”التوحد السياسي”  لا زالت- ولغاية اليوم-  تعيش حالة هوليوودية غير مسبوقة، من خلال التمثل بتجسيد أداء دور المقاومة بحلتها الجديدة، والترويج  لمصطلحات ومفاهيم الصراع والمواجهة مع الشيطان الأكبر ممثلاً بإدارة ترمب، حيث تزامن ذلك مع أكبر جعجعة إعلامية  للترويج لهذا السجال، غرضها – بلا شك–إحداث حالة تعبئة داخلية شعبية "بسيج مردمي"، لضمان الاصطفاف خلف النظام الإيراني المتآكل الشرعية أصلاً.

إن إطلاق هذه المناورات وإجراء الاختبارات العسكرية تزامن مع مشهد التراشق الإعلامي  الذي قادته وسائل الإعلام المحسوبة على الحرس الثوري، والتي تتضمن تهديدات ”كرتونية فارغة ” باستهداف البوارج الأميركية في الخليج  العربي، لتحتل إيران وبلا منازع صدارة أكبر ظاهرة "صوتية" في العالم، وما سيتخلل حلقات المواجهة تلك من مواقف مريبة، لأن الحسم والمواجهة مع الشيطانين الأكبر والأصغر– حسب متابعتنا للسياسة الإيرانية– كان، ومازال، وسيبقى من خلال العنتريات، وفي الميدان الإعلامي وأبواق المرشد وحرسه فقط، أما المواجهة مع العالم العربي فهي جدية وحقيقية، وما يعزز ذلك الخلافات الإيرانية العربية المستمرة منذ عقود، وليس من المحتمل التوصل إلى تسوية تضمن تحقيق المصالحة مع الإيرانيين الذين يكنّون العداء والكراهية لنا.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,783,048

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"