ساذجٌ من يراهن على #ترمب!

عوني القلمجي

الذين يطلقون صفة السذاجة، على الشخصيات أو الفئات اوالاحزاب التي ‏تراهن على هذا الرئيس الأميركي أو ذاك، على امل استعادة حق واحد من ‏حقوق العراق المسلوبة، وليس جميعها، لا يجانبون الحقيقة فحسب، وانما ‏يصيبون كبدها. حيث اثبتت التجارب فشل هذا النوع من المراهنات جملة ‏وتفصيلا. ولدينا سجل اسود ومؤلم في هذا الخصوص.

 

فعلى سبيل المثال لا ‏الحصر، فقد رفض الرئيس الديمقراطي بيل كلنتون رفع الحصار الظالم، ‏الذي فرضه السلف الجمهوري جورج بوش الاب، بل لم يكتف بذلك، حيث شن حربا ‏على العراق تحت اسم "ثعلب الصحراء"، تيمنا بحرب سلفه "عاصفة الصحراء" ‏ثم شرع "قانون تحرير العراق" وجمع حوله نفايات العراقيين وعقد لهم ‏مؤتمرا في لندن ليكون واجهة لهذا القانون الجائر.

وبعد الاحتلال حدث ‏نفس الشيء مع باراك اوباما. فبدل تحقيق وعده بانهاء الاحتلال، عمل على ‏ترسيخه وتكريس مشروعه الغادر وحاول بكل ما لديه من امكانيات للحيلولة ‏دون سقوطه.‏

اليوم، وعلى الرغم من تلك الخيبات، تعاد الكرة وبثقة اكبر مع الرئيس ‏دونالد ترمب، حيث وصلت الى حد وصفه بالمخلص الذي سيملأ ارض ‏العراق عدلا وقسطا بعد ان ملأها اسلافه ظلما وجورا.

ليس هذا فحسب، ‏وانما ذهب البعض الى ابعد من ذلك وبشروا بنهاية تواجد ايران في العراق ‏وحل مليشياتها المسلحة وتحجيم مرجعياتها الدينية ومنع احزابها الطائفية ‏من الهيمنة على الحكومة والبرلمان، حتى خُيّل لنا لبرهة من الزمن بأن ‏ترمب هذا ليس عضوا في الحزب الجمهوري ولا ملتزما بسياساته ‏العدوانية، او صناع القرار داخله، وانما جاء بانقلاب عسكري يحمل في ‏بيانه الاول منع أميركا، من الان فصاعدا، بالتدخل في شؤون الدول الاخرى، ‏ويحمل في بيانه الثاني اعادة كافة الحقوق المسلوبة للشعوب التي تضررت ‏من السياسية الأميركية الاستعمارية وحروبها العدوانية، وفي المقدمة منها ‏الشعب العراقي! ‏

ولترسيخ هذه الامال في عقول فئات واسعة من العراقيين، جرى تسريب ‏معلومات كاذبة عن اقتراب تشكيل حكومة وطنية بعيدة عن المحاصصة ‏الطائفية، وتشكيل برلمان جديد، وتعديل الدستور، بل وحددوا جداول زمنية ‏لها الخ. ومن المؤسف حقا ان يساهم وطنيون عراقيون، دون دراية منهم، ‏في نشر اخبار مشابه على لسان هذا المسؤول الأميركي او ذاك عززت مثل ‏هذه الاوهام وأضفت عليها قدرا من المصداقية.‏

نطرق هذا الباب جراء الخطورة التي تشكلها مثل هذه المراهنات الساذجة، ‏ولا نريد وصفها بالمشبوهة، على النهوض الجماهيري الشامل والمتواصل ‏ضد عملية الاحتلال السياسية، والذي وصل قمته باقتحام وكرها في المنطقة ‏الخضراء، وهروب جلاوزتها بطريقة معيبة ومخجلة. فتعليق الامل على هذه ‏المراهنات يشجع الناس على الدخول في قاعة الانتظار لحين قدوم الفرج، ‏الامر الذي سيؤدي الى تراجع زخم الانتفاضات وانكسار حدتها. وبالتالي ‏فالتصدي لها وفضحها وتعريتها واثبات سذاجتها، سواء فيما يخص العراق ‏او ايران، يعد مهمة كل وطني عراقي يسعى ويشجع على استعادة حقوق ‏العراق بالقوة، مثلما تم انتزاعها بالقوة. ولكي لا نطيل اكثر، او نعود للوراء ‏لاستحضار الادلة والوقائع التي تثبت ما ذهبنا اليه، دعونا نتحدث بالجملة ‏حول هذه المراهنات وليس بالمفرد.‏

فيما يخص المراهنة حول الاصلاحات في العراق، لا ‏يرى كاتب هذه السطور فيها سوى حجما هائلا من الاوهام والخيالات المريضة، فاحتلال العراق ‏لم يكن، كما ادعى الأميركان، نتيجة لامتلاك العراق اسلحة دمار شامل، او ‏تخليص العراقيين من دكتاتورية النظام السابق، ولا جراء تهديده لدول ‏الجوار او غيرها من المبررات، حتى تنتهي بزوالها ويصبح لزاماً على ‏أميركا اصلاح ما دمره الاحتلال، وانما كان نتيجة مخطط اعدت له الولايات ‏المتحدة منذ صعود بوش الابن للسلطة عام 2000، وكان عنوانه الرئيسي ‏احتلال العراق والتعامل معه كمستعمرة أميركية بامتياز، ليشكل لاحقا الحلقة ‏المركزية في مشروع بناء الامبراطورية الكونية التي ينتهي التاريخ عند ‏ابوابها.

ولتحقيق هذا الهدف، فان تدمير العراق دولة ومجتمع امر لابد منه، ‏اذ من دون ذلك لا يمكن لأميركا الاحتفاظ به لعقود طويلة من الزمن. واذا ‏كان الامر غير ذلك، بماذا نفسر اذن حرص أميركا الشديد على بناء عملية ‏سياسية سداها المحاصصة الطائفية والعرقية ولحمتها عملاء اميركا ‏وايران؟

 ثم ماذا يعني وضع دستور ملغوم من اوله الى اخره يشرعن هذه ‏العملية السياسية الطائفية ويحافظ على ديمومتها؟

اما الانتخابات وقانونها ‏المعوج، فقد جرى تصميمها بما يضمن، 100%، نجاح هؤلاء الحرامية ‏في اية انتخابات تجري، سواء كانت بلدية او تشريعية. في حين كان السماح ‏لايران بالتدخل السافر في شؤون العراق وتشكيل مليشياتها المسلحة، بمثابة ‏الوقود النووي لاشعال الحروب الطائفية والاهلية، كونها تشكل اهم  اسلحة ‏الدمار الشامل لهدم اي بلد في العالم. ‏

هل يعني ذلك بأن ترمب، او اسلافه قد نزعوا من عقولهم اجراء اصلاحات ‏في العراق، كونها تتعاكس مع مخطط تدميره؟ ام ان لكل قاعدة استثاء او ‏لكل ضرورة احكامها؟.

خلال سنين الاحتلال العجاف كان الاستثاء والضرورة تفعل فعلهما بين فترة ‏واخرى. حيث يجري ترميم العملية السياسية او اعادة صياغتها كلما لاح في ‏الافق علامات سقوطها، جراء تزايد عمليات السرقة ونهب المال العام من ‏قبل جلاوزتها، او افتضاح دورهم  في جرائم القتل والاختطاف وعمليات ‏التفجير الخ. ولكن ذلك يبقى شكليا ولا يتعدى تبديل حكومة بحكومة اخرى، ‏او تغيير عدد من اعضاءها غير متهمين بارتكاب جرائم وسرقات، مثل ‏اسامة النجيفي وعادل عبد المهدي وباقر صولاغ، أواتخاذ اجراءات او ‏قرارات تؤمن قدرا محدودا من الخدمات الضرورية للحياة كالماء والكهرباء، ‏او إقالة هذا المسؤول او ذاك. بمعنى اخر فإن عملية الترميم او اعادة ‏الصياغة لا تقترب اطلاقا من الاصلاحات الجوهرية التي يسعى الناس الى ‏تحقيقها من قبيل اسقاط العملية السياسية بما تتضمنه من حكومة عميلة ‏وبرلمان مرتزق ودستور ملغوم وانتخابات مزورة وقضاء مرتشٍ ‏ومؤسسات فاسدة.. الخ، والاتيان بدلا عنها بعملية سياسية وطنية يقودها رجال ‏مخلصين وذو كفائة عالية ومشهود لهم بالشرف والنزاهة ويحبون العراق ‏ويدافعون عنه ويموتون من اجله.‏

واليوم فان ترمب يواجه مثل هذه الضرورات والاستثناءات، التي قد تحتم ‏عليه رفع سقف هذه الاصلاحات الشكلية قليلا.

فمن جهة لم تعد حكومة ‏العبادي قادرة على اداء واجباتها المرسومة لها من قبل أميركا، ومن جهة ‏اخرى الحالة المزرية التي وصلت اليها العملية السياسية، والسقوط الاخلاقي ‏والاجتماعي لاطرافها، والعجز في تقديم الخدمات وتوفير الامن والاستقرار، ‏مقابل ازدياد حجم الاستياء الشعبي العام ضدها، وتطوره من حالة الصمت ‏والتململ والاحتجاجات الخجولة الى التعبير عنه بتظاهرات واعتصامات ‏عمت العديد من المدن العراقية، وخاصة مدن الجنوب. ناهيك عن عجز هذه ‏الحكومة وجيشها واجهزتها الامنية عن حماية نفسها وحتى عرينها في ‏المنطقة الخضراء البالغة التحصين حيث وقفت عاجزة امام الجماهير ‏المنتفضة عند اقتحامها من قبل الجموع المنتفضة، بل ولت هاربة امامهم ‏بكافة وسائل النقل المتيسرة بما فيها الزوارق النهرية. ‏

بمعنى اخر اكثر وضوحا وباختصار شديد، فان ترمب وادارته، رغم قصر ‏مدة رئاسته، قد فقد الثقة بهذه العملية السياسية وبجلاوزتها، كاداة فعالة ‏يمكن الاعتماد عليها لتكريس مشروع الاحتلال في العراق. وبالتالي لابد من ‏صياغة جديدة تبعث الروح في هذه العملية السياسية المتداعية، على امل  ‏كسب ثقة الناس بها لتتمكن من تنفيذ الدور الموكول لها، وفي المقدمة منه ‏منع قيام اية انتفاضة شعبية تهدد بسقوطها في المستقبل القريب او المنظور. ‏

اما فيما يخص المراهنة حول ايران ومسالة طردها من العراق، سواء بطرق ‏سلمية او باستخدام الخيار العسكري. فهذه ليست سوى اكذوبة كبيرة. ‏فأميركا وايران، مهما اختلفا في كل الامور وفي كل مناطق العالم، فانهما ‏حبايب فيما يخص احتلال العراق ومشروع تدميره. بل ان احدهما يكمل ‏الاخر لانجاز هذه المهمة الغادرة. فمقابل المكاسب التي منحتها أميركا ‏لايران، مثل نيل حصة كبيره في العملية السياسية وسرقة جزء من ثروات ‏العراق، وحدود مفتوحة وتسويق بضائع فاسدة وموقع جغرافي الخ. قدمت ‏ايران ما تفتقده أميركا من وسائل وادوات لتكريس مشروع احتلالها للعراق. ‏ونقصد هنا دور المرجعيات الدينية في التستر على مشروع الاحتلال  ‏وتسويق عمليته السياسية وتمرير دستورها الملغوم ومباركتها لانتخاباتها ‏المزورة . ناهيك عن الدور الكبير الذي لعبته ايران الى جانب قوات الاحتلال ‏في كسر شوكة المقاومة العراقية.‏‎  ‎

نعم ليس هناك صداقات دائمة او عداوات دائمة، وانما هناك مصالح دائمة، ‏هذا الرد سيكون جاهزا بالنسبة للمبشّرين بمكارم وبركات دونالد ترمب. ‏وهم اذ يستندون الى هذه المقولة، وهي صحيحة تماما، يريدون القول بأن ‏مثل هذه المصالح لم تعد دائمة جراء تعرض المصالح الأميركية للخطر الامر ‏الذي سيقود أميركا للدفاع عنها بكل الوسائل بما فيها استخدام القوة ‏العسكرية!

اما الدليل فهو جاهز ايضا حيث تجاوزت ايران حدودها حين بدأت ‏بالخطوات بتطبيق نظرية ملء الفراغ انسحاب معظم القوات الأميركية من ‏العراق تمهيدا لابتلاعه بالكامل.

لكن هذه المرافعة هزيلة وتفتقر للادلة ‏والبراهين. فملالي طهران يدركون جيدا الحدود المرسومة لهم ومساحة ‏تدخلهم وحجم تاثيرهم في العراق. مثلما يعلمون بأن العصا الأميركية الغليظة ‏جاهزة اذا تجاوزوا هذه الحدود. كما يعلمون ايضا علم اليقين بأن أميركا التي ‏قدمت عشرات الالوف من القتلى والجرحى وانفقت ما يزيد على الترليون ‏دولار وفقدت هيبتها في العالم لم تأت الى العراق لتقديمه هدية لايران، لا ‏على طبق من ذهب او فضة ولا على طبق من نحاس، ناهيك عن ان أميركا لم ‏تترك فراغ في العراق اصلا ليملأه احد، فالقواعد العسكرية الأميركية تملا ‏العراق شرقا وغربا شمالا وجنوبا، والاتفاقية الامنية سمحت لها باستخدام ‏العراق كله كقاعدة متقدمة في المنطقة، فهي تهيمن على ارضه وسمائه ‏ومياهه، ناهيك عن وجود سفارة تعد الاكبر بين سفارات أميركا في جميع ‏العالم. اضافة الى قدرة قواتها العسكرية المنتشرة في بعض دول الجوار ‏للوصول الى بغداد خلال يوم او يومين. او مسافة السكة كما يقول ‏المصريون. بل ان أميركا لم تزل هي الحاكم الفعلي للعراق حتى في ظل ‏هيمنتها على احزابها ومليشاتها المسلحة، بما فيها ما يسمى بالحشد الشعبي.

اذا كنا لم نفِ الامر حقه، فليس امامنا من خيار سوى التأكيد على ان أميركا ‏دولة ارهابية ومجرمة وخارجة عن القانون، ولا يرتجى منها اي امل سواء ‏كان رئيسها ترمب او اوباما او غيرهما، وعملاؤها في المنطقة الخضراء ‏تربوا في حضيرتها التي هي اوسخ من حضيرة الخنازير ولا يرجى منهم ‏امل في الاصلاح او التنازل عن السلطة طواعية او بضغط سلمي مهما ‏توسعت الانتفاضة. وبالتالي فان طردهم بالقوة واجب وطني وانساني، ولا ‏طريق اخر غيره.

بالمقابل فان ايران لا تقل اجراماً عن أميركا وان مهمة ‏طردها من العراق مهمة وطنية عراقية بحتة، وأي مراهنة على قيام أميركا ‏بهذه المهمة نيابة عن العراقيين مراهنة فاشلة تماما.‏

ترى هل بامكان شعبنا في العراق انجاز هذه المهمات الصعبة؟

بكل تأكيد نعم طال الزمن ام قَصُر.‏.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,790,687

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"