#العراق مفلسٌ وإن لم يعلن إفلاسه!

علي الكاش

قال بعض الامراء لأبي الأسود الدؤلى: سمعت أنك شديد على حقك، وأنه لا يذهب لك شىء على ‏أحد، فمِّمَ ذلك؟ قال: من سوء ظنى بالناس، ومجانبتى أهل الافلاس".

(الأوائل/372)

وأنشد ابو هلال العسكري قائلاً: ‏

فى البانياس إذا أوطئت ساحتها‎    ‎خوف وحيف وإقلال وإفلاس‎

وكيف يطمع فى أمنٍ وفى دعةٍ‎    ‎من حلَّ فى بلد نصف اسمه ياس

(الصناعتين/430)‏‎

 

ربما لا يتبادر الى ذهن الشخص الذي ليس له تخصص في علم الإقتصاد خطورة ما يسمى بـ ‏‏(الإفلاس السيادي) أو (إفلاس الدولة) بالمفهوم العامي، مع أن هذا المصطلح وارد في العلوم ‏الإقتصادية، لكن الشائع في الإستعمال هو ان تعلن مؤسسة ما أو شركة او مصرف ما إفلاسه، أو ‏بمستوى أدنى أن يعلن التاجر إفلاسه، فتسقط الديون على المؤسسة المفلسة أو التاجر كما تتساقط ‏أوراق الخريف ويتحرر من قيود أزمته، لعدم توفر السيولة لتسديد الديون بعد تصفية جميع ‏موجوداته. مثال ذلك إعلان شركة (جنرال موتزرو) إفلاسها، وبنك (الأخوان ليمان) وغيرها. ولا ‏توجد قوانين دولية تتحكم عادة في موضوع الإفلاس، وإنما تشريعات وطنية تختلف من دولة ‏لأخرى، وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية أسهل التشريعات في التعامل مع حالات الإفلاس عن ‏طريق مساعدة المؤسسة في الإستمرار في عملها وجدولة ديونها لمدة محددة. ‏

من أهم الأسباب التي تؤدي الى الإفلاس عدم توفر السيولة النقدية في الموسسة وعدم القدرة على ‏تسديدها في الفترة المحددة. وتراكم الديون بحيث لا تتمكن من تسديدها فتزاد الفوائد عليها وتقف ‏المؤسسة عاجزة في مواجهة الأزمة تماما. ومنها فشل خطة المؤسسة بالإعتماد على إفتراضات لم ‏تتحقق بسبب ظروف داخلية أو خارجية، أو التمويه بتحقيق أرباح وهمية لا صحة لها، في الوقت ‏الذي تتعرض فيه المؤسسة الى خسائر فادحة لا تعلن عنها لسبب ما، ربما لعدم إثارة خوف ‏المستثمرين أو خشية الهبوط في قيمة الأسهم والسندات العائدة لها. وقد يكمن السبب في عمليات ‏رشاوي وفساد داخل المؤسسة لم يكشف في حينه، كعمليات التزوير في حسابات الشركة، او وجود ‏أرقام وهمية عن العوائد والخزين والسيولة.‏

أما إفلاس الدولة فهو أمر خطير جدا لذلك أطبق عليه مصطلح (الإفلاس السيادي) ويقصد به فشل ‏الدولة في تسديد ديونها لأسباب داخلية أو خارجية بشكل تام أو جزئي، وذلك عندما يكون حجم ‏الديون الخارجية والداخلية أكثر من الأصول الموجودة عندها، وقد تلجأ الحكومة الى إصدار اسهم ‏وسندات لدعم ميزانيتها وبفوائد عالية لتشجيع الدول والأفراد على إقتنائها كما فعلت الحكومة ‏العراقية، وقد تنجح هذه  الخطة او تفشل في حالة إستمرار العجز المالي فتتفاقم بشكل أكثر، حيث ‏تنأى الدول والأفراد عن شرائها بإعتبارها مغامرة نسبة الفشل فيها عالية. وأحيانا تقوم الحكومة  ‏بتاميم المؤسسات المهمة والبنوك، او الإستدانة الخارجية من دول أخرى مثل مذكرة تفاهم التي ‏تضمنت قرضاً من بريطانيا للعراق بقيمة (10) مليار جنيه استرليني ولمدة 10 سنوات أو من من ‏نادي باريس او صندوق النقد الدولي الذي غالبا ما يفرض إجراءات صارمة تنتقص من سيادة ‏الدولة فيطالبها بالتقشف وتقليل الرواتب ورفع الضرائب وتقليل الخدمات، ووقف التعيينات ‏وغيرها، وهذا سلاح ذو حدين. غالبا ما يؤدي هذا الإجراء الى إنخفاض حاد في قيمة العملة ‏المحلية. ‏

ربما على صعيد الدين المحلي والتأثير الداخلي يمكن زحزحة صخرة الإفلاس السيادي قليلا، ولكن ‏على الصعيد الدولي من الصعب التنبؤ بردة فعل الدائنين دول كانت او بنوك او مؤسسات مالية أو ‏نقدية دولية مثل البنك الدولي للإعمار والإنشاء، وصندوق النقد الدولي. والخشية أن تلجأ الدولة ‏الدائنة إلى تجميد أرصدة الدولة المدينة في أحسن حال، أو إعلان الحرب على الدولة المدينة في ‏أسوأ حال، كما حدث عندما غزت بريطانيا مصر، والغزو الأميركي لفنزويلا وهاييتي. ومن ‏الدول التي أعلنت إفلاسها هي الارجنتين عام 2001 حيث بلغت ديونها (132) مليار دولار، ‏وانخفضت عملتها المحلية بحوالي 65%. وكذلك روسيا بعد إنفراط عقد الإتحاد السوفيني السابق ‏عام 1998 وانخفضت قيمة الروبل الى الدولار بنسبة 1ـ 9. وحاليا تمر اليونان بنفس المشكلة. ‏أما على الصعيد العربي، فأهم الدول المهددة بالإفلاس هي مصر التي بلغت ديونها اكثر من (47) ‏مليار دولار عام 2016، وسوريا التي بلغ العجز في ميزانيتها (800) مليار دولار، والعراق ‏واليمن والسودان.‏

أهم أسباب الإفلاس السيادي

‏1. عدم القدرة كليا أو جزئيا على تسديد الديون الخارجية والداخلية مع فوائدها التراكمية، والفشل ‏في جذب الإستثمارات الخارجية للبلد..‏

‏2. دخول الدولة في حروب داخلية أو خارجية تسبب لها خسائر مادية هائلة كما هو الحال في ‏سوريا واليمن.‏

‏3. زيادة الإستيرادات عن الصادرات وإنحفاض الناتج القومي، وجمود القطاعين الصناعي ‏والزراعي والإعتماد كليا على الصادرات.‏

‏4. إنهيار النظام الإقتصادي بسبب سوء التخطيط واعتماد خطط فاشلة، او تعيين رؤساء ومديرين ‏لا علاقة لهم او لا فهم عندهم في إدارة السياستين المالية والنقدية، كما عليه الحال في العراق.‏

‏5. الفساد الحكومي، عندما تحكم البلاد شلة من الفاسدين تتصرف بالمال العام كأنه مال خاص.‏

‏6. الأزمات العاليمة سيما عندما يكون إقتصاد الدولة أحادي الجانب يعتمد على تصدير مادة واحدة ‏كالنفط.‏

‏7. إرتفاع نسبة القروض الخارجية وفوائدها، حيث تجد بعض الدول ان اسهل علاج لإقتصادها ‏المتردي هو الإستعلنة بالقروض الخارجية فقط.‏

‏8. التعرض  الى كوارث طبيعية كالزلازل والأعاصير وحرائق الغابات والفياضات فتدمر ‏مقدرات البلد الاقتصادية وتعرضة الى أزمة مالية حادة.‏

‏9. التعرض الى الغزو الأجنبي كما حصل في العراق.‏

‏10. الإنقلابات السياسية وتغيير نظام الحكم كما حصل عند انهيار الإتحاد السوفيتي.‏

‏11. التقلبات في الأسعار والهبوط الحاد في الأسواق الدولية للمواد الرئيسة التي تعتمد عليها الدولة ‏في واردتها كالنفط والغاز وبقية السلع الاستراتيجية.‏

العراق دولة مفلسة

من خلال المؤشرات السابقة لا توجد دولة كالأرجنتين عانت من العجز المالي والديوان الخارجية ‏بشكل خطير سوى العراق الجديد (ما بعد الغزو الأميركي ـ الايراني)، حيث يتصف إقتصاده ‏بأحادي الجانب ويعتمد على تصدير النفط فقط. فقد أقر عضو اللجنة المالية البرلمانية (هيثم ‏الجبوري) في 6/3/2017 بتجاوز الدين الداخلي والخارجي للعراق (120) مليار دولار، وذلك في ‏ظل الفشل الحكومي الذريع في التعامل مع الملف الاقتصادي، فضلا عن الفساد الكبير الذي ينخر ‏جميع مفاصل الحكومة الحالية، والذي إدى إلى حالة الإفلاس التي تمر بها البلاد". وهذا إعتراف ‏جدي بإفلاس الدولة.‏

منذ عام 2003 اندثرت الصناعة والزراعة في العراق ونشط القطاع التجاري فقط في جانب ‏أحادي ايضا وهو الإستيراد. على الرغم من الزيادة الهائلة في اسعار النفط خلال السنوات العشر ‏الأولى للغزو حيث بلغت وارادت العراق ما يزيد عن (800) مليار دولار، لكن هذه المليارات ‏تبخرت بسبب الفساد الحكومي، والإنفاق العسكري، والصفقات الوهمية، وتهريب العملة الى ‏الخارج من قبل المسؤولين، ودعم الميليشيات الحكومية والعربية مثل حزب الله والحوثيين ‏وحركات المعارضة في البحرين وبقية دول الخليج، وفك الحصار الإقتصادي عن إيران بمليارات ‏الدولارات كهبات ومساعدات خلال الحصار الأميركي الأوربي المفروض عليها، والتخبط في ‏الإنفاق الحكومي، وغسيل الأموال من قبل البنك المركزي العراقي عبر مزادات بيع العملة، ‏فالاحتياطي النقدي للبنك في تناقص مستمر نتيجة قيامه‎ ‎ببيع كميات كبيرة من الدولار في مزاده ‏اليومي، وأشارت النائبة ماجدة  التميمي الى ان "مجموع‎ ‎ما تم بيعه في مزاد العملة عام 2015 ‏بلغ (44) مليار دولار، فيما تبلغ ايرادات‎ ‎النفط بعد حسم مستحقات الشركات 38 مليار دولار، ما ‏يعني عجزًا بأكثر من‎ ‎خمسة مليارات دولار". ‏

فضلا عن قيام‎ ‎الحكومة بسحب اموال من الاحتياطي لسد متطلباتها، وهي حالة فريدة من نوعها ‏ان تعاني الميزانية من العجز ويقل إحتياط البنك من العملة الأجنبية بسبب سحب الحكومة منه، ‏في الوقت الذي يستمر فيه البنك ببيع العملة بدلا من التوقف عن هذه العملة الفاسدة والبدء بشراء ‏الدولار محليا بشكل هاديء لا يثير فزع البنوك وسوق الأسهم والسندات. فقد صرح عضو التحالف ‏الكردستاني (ماجد شنكالي) في 7/3/2017 بسحب الحكومة لاكثر من (30) مليار دولار من ‏احتياطي بيع النفط في البنك المركزي العراق خلال الفترة 2013 ـ 2016  وذلك لسد عجزها ‏المالي ومحاولة تدارك الازمة الخانقة والناتجة عن السياسيات الاقتصادية الخاطئة لها والتي اودت ‏باقتصاد العراق الى الهاوية. مضيفا" كان احتياطي البنك المركزي العراقي من النفط يبلغ (80) ‏مليار دولار في عام 2013، أما اليوم يبلغ بحدود 50 مليار دولار، عازيا السبب الى سحب ‏الحكومة في بغداد من الاحتياطي أكثر من (30) مليار دينار منذ 2013 لغاية 2016". وقد ‏إعترف محافظ البنك المركزي علي العلاق في 30/1/2017 أمام البرلمان العراقي بإنخفاض ‏احتياطي البنك خلال السنوات الثلاث الماضية، بنحو (21) مليار دولار‎.‎‏ وأن احتياطي البنك ‏المركزي كان يبلغ في نهاية عام 2014 أكثر من 66‏‎ ‎مليار دولار وانخفض في 2015 إلى نحو ‏‏(53)) مليار دولار وفي 2016 وصل تقريبا الى (45) مليار دولار وقيمته الدفترية (48) مليار ‏دولار". علما انه سبق أن نوه مسؤول بارز في‎ ‎وزارة المالية العراقية،‎ ‎لـ (العربي الجديد)  بأن" ‏إدارة البنك المركزي ورئاسة مجلس الوزراء‎ ‎العراقي تحرص على عدم الكشف عن التقارير ‏الرسمية بسبب‎ ‎الإنخفاض المقلق والكبير في احتياطيات العراق من العملة الصعبة"، ‏

مع العلم ان هذه المعلومات كانت مخفية حتى عن البرلمان العراقي، مع ان البنك المركزي يرتبط ‏بالبرلمان وليس بالحكومة. فقد صرحت اللجنة المالية النيابية في 13/1/2017، بإنه لا يحق ‏للحكومة سحب الاحتياطي الأجنبي من البنك المركزي اطلاقاً‎.‎‏ وأكدت عضو اللجنة ماجدة ‏التميمي" أن البنك المركزي ارتباطه في مجلس النواب العراقي وليس‎ ‎الحكومة ولا يحق لها ‏السحب من احتياطه، وأن البرلمان هو من يوافق‎ ‎على سحب الحكومة من عدمه من خلال ‏تصويت نوابه". بمعنى ان الحكومة لا تحترم البرلمان وتتصرف على هواها، والبرلمان مغفل ‏وأحمق ولايفقة مسؤوليته كسلطة تشريعية لدرجة ان الحكومة تسحب من إحتياط البنك المركزي ‏وهو لا يعرف!‏

لو إحتسبنا الديون البالغة (120) مليار دولار عن الموجود الحالي من الإحتياطي النقدي (45) ‏مليار دولار، هذا يعني ان النتيجة ستكون عجز مضاعف بحوالي (75) مليار دولار. كما إننا ‏نستشف من تصريح محافظ البنك المركزي واللجنة المالية في البرلمان انه في نهاية عام 2014 ‏كان إحتياطي البنك المركزي (66) مليار دولار، وعام 2015 بلغ (53) مليار دولار، وعام ‏‏2016 بلغ (45) مليار دولار، اي خلال ثلاث سنوات فقد البنك (21) مليار دولار، وإذا إستمر ‏الحال فهذا يعني انه خلال الست سنوات القادمة سيكون احتياطي البنك المركزي (3) مليار دولار. ‏علمنا ان هذه النتيجة غير صحيحة بل الصورة أسوأ بكثير، بسبب ان اسعار النفط لا تزال ‏منخفضة ولا توجد مؤشرات على تحسنها في الأمد القصير على أدنى تقدير، على إعتبار انها ‏المصدر الوحيد للحصول على العملة الصعبة، كما أن العراق الان يبيع نفطه (30 ـ 320) دولار ‏للبرميل. وأن مسلسل القروض الخارجية ما زال يجري على قدم وساق والحكومة ستولي عاجلا أم ‏آجلا وعلى الشعب المسكين والأجيال القادمة ان تعالج نفايات الحكومة الحالية. كما ان الحرب ‏على داعش والإنفاق الحكومي على تسليح الميليشيات الرسمية تحت مظلة الحشد الشعبي مستمرة، ‏ناهيك عن تسديد قيمة الأسلحة التي اشترتها الحكومة بصفقات آجلة، وكذلك دفع التعويضات ‏للكويت، علاوة على عمليات إعمار المناطق المحررة، فمحافظة ديالى وصلاح الدين والأنبار ‏والموصل بلغت نسبة الدمار فيها ما بين 60 ـ 80% وهي تحتاج الى مليارات لتعميرها. كما أن ‏سوء التخطيط والفساد الكبير في البنك المركزي وبيع العملة، وغسيل الأموال وتهريب العملات ‏الصعبة مستمرة بحكم فساد البرلمان والحكومة. بالإضافة الى دفع رواتب الموظفين والجيش ‏المليوني والحشد الشعبي والإنفاق العسكري المهول. ‏

خلاصة القضية ان العراق مفلس تماما سواء كنم أو أعلن إفلاسه، وعلى العراقيين التهيؤ لمرحلة ‏الإفلاس القادم، وعليهم إفهام ابنائهم واحفادهم بأنهم سيتولون دفع ديون حكومات المالكي ‏والحيدري رغم انوفهم.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,393,929

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"