العشائر العربية مفتاح الحل في #العراق والمنطقة

رمزي الأيوبي

عظمة العراق بعظمة شعبه عبر التاريخ، حيث تبدأ بحضارات ما بين النهرين ممالك سومر وأكد وعاصمتهما ‏أور وبعدها بابل التي حكمها المشرّع المشهور حمورابي 2000 ق.م، ومن بعده الملك نبوخذنصَّر الذي ‏ورد إسمه في العهد القديم ويعتبر أحد أهم حكام تلك الحقبة، ومن أهم إنجازاته بناء الجناىن المعلقة في ‏بابل والتي ما زالت آثارها إلى يومنا هذا، ووصوله الى البحر المتوسط وإحتلال أورشليم القدس. ‏والذي جرَّ خلاله اليهود أسرى وسبايا إلى بابل، ولذلك عرفت الحملة بالسبي البابلي.

 

وما بين ( 700- 600) ق.م ظهرت مدينة نينوى قرب الموصل عاصمت الدولة الآشورية.                            ‏

وفي عام 539 ق.م أنهى كورش الفارسي عصر الحكم الوطني في البلاد بعد تدمير بابل واستمرّت ‏الهيمنة الفارسية 200 سنة، إلى أن وضع الاسكندر المقدوني حدّاّ لها باحتلاله المنطقة وإخراج الفرس ‏منها، وفي أعقاب وفاة الاسكندر في بابل أعاد الفرس الكرّة بغزوة جديدة عرفت بالساسانية والتي دام ‏نفوذها مدة 4 قرون انتهت بعد 20 عاما من ظهور الإسلام.

أبعد المسلمون الساسانيّين عن المنطقة العربية، وفي عام 762 أنشأ الخليفة العبّاسي أبو جعفر ‏المنصور مدينة بغداد لتكون عاصمة الدولة العبّاسية، التي أصبحت في عهد الخليفة هارون الرشيد ‏منارة للعلم والفن العربي وتألّقت في أوجّ مجدها وبلغت عصرها الذهبي. و بعد عذة قرون دمّر الغزو ‏المغولي بقيادة هولاكو بغداد عام 1258.‏

ولم تستعد بغداد عافيتها إلّا بعد عدّة قرون وصلت خلالها السلطنة العثمانية إلى العراق حيث أدار ‏العثمانيون البلاد بواسطة العشائر العربية. ومنذ ذلك الحين احتفظت هذه العشائر بالأرقام السريّة لمفتاح ‏الحلّ في العراق والذي تنطلق منه كلّ الحلول في المنطقة العربيّة.‏

أدرك الإنجليز أهميّة العراق فنظرت الحكومة البريطانية بقلق إلى المطامع الروسيّة وهذا ما ظهر في ‏تصريح رئيس وزراء بريطانيا (سالزبوري) عام 1878 دعا فيه للوقوف في وجه روسيا ونفوذها في ‏المنطقة، وكان وراء هذا الإهتمام البريطاني المبكر لهذه المنطقة بعدان: الأول إقتصادي والثاني ‏استراتيجي.

في الأول ظهر عنصر النفط الذي تمّ تحديد أوّل حقوله عام 1846 في القيارة وبابا ‏كركر، وفي الاستراتيجيّ رأت بريطانيا أنّ العراق هي قاعدة الحرب الباردة في الشرق الأوسط ضدّ الآتّحاد ‏السوفياتي واختيار موقع (الحبانيّة) كقاعدة جويّة متميّزة بموقعها الفريد في الصراع الدولي وعلى بعد ‏‏600 ميل من حقول النفط الروسي في باكو وعلى نفس المسافة عن قناة السويس وميناء حيفا.

وفي عام 1914 تمّ إنزال القوات البريطانية في البصرة مصبّ شط العرب، وفي آذار عام 1917 دخلت ‏هذه القوى بغداد وأزاحت العثمانيين عن المسرح العربي، وبعد دراسة البلاد ومعرفة دقائق وتفاصيل ‏الأمور فيها.‏

تعاملت بريطانيا مع المشاكل بحكمة وبالرغم من معارضة المراجع الشيعيّة المشاركة في أي حكومة أو ‏أيّة هيئة تدير البلاد في ظل الإحتلال ولأسباب سياسيّة لم تعتبر بريطانيا الشيعة منشقّين وتعاملت معهم ‏ومع السنّة على قدم المساواة. وشكّلت المشكلة الشيعيّة للبريطانيين أولى إهتماماتهم وذلك لأن غالبيّة ‏سكان منطقة الفرات الأوسط من الشيعة، ينتشرون حول طرق المواصلات بين قواعد بريطانيا ‏الجويّة ورأس الخليح العربي .‏

عملت السلطات البريطانية على إستمالة أهل المنطقة من العشائر لتأمين مصالحها الحيوية وحماية خطوط ‏المواصلات. إلّا أنّها أخطأت بالتعاطي مع العشائر العربية فأقدمت على اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون، ‏شيخ عشائر المنتفك في الجنوب، والشيخ ضاري المحمود، شيخ عشائر زوبع في محيط بغداد، ممّا أدّى إلى إندلاع ‏ثورة 1920 التي قامت بها العشائر وهاجمت معسكرات الإنجليز ودخلوا الى المعسكر الرئيسي في بغداد ‏وقتلوا القائد الإنجليزي الشهير لجمن ثمّ تمّ تحرير المعتقلين ومعهم الشيخ ضاري .‏

وفي 3 تشرين الأوّل عام 1932 نال العراق إستقلاله بعد قبوله في عصبة الأمم.‏

بعد الحرب العالمية الثانية خرجت أميركا عن سياستها التقليدية إلى سياسة التدخّل في المجال السياسي ‏للدول واستطاعت أن تحلّ مكان الإنجليز في المنطقة، وتنازلت بريطانيا بشكل تدريجي عن حصصها في ‏بترول المنطقة إلى الشركات الأميركية.

يعود الإهتمام الأميركي بالمنطقة الى عام 1820 بداية عمل ‏الإرساليات التبشيرية الأميركية في كردستان العراق. وفي 7 آذار سنة 1830 أبرمت الولايات المتحدة ‏معاهدة للصداقة والتعاون التجاري مع الامبراطورية العثمانية وتشمل جميع الولايات العثمانية بما فيها ‏ولاية الموصل وبالرغم من انتقال الملف العراقي الى الأميركي حافظت بريطانيا على تعاونها معه ‏ومساعدته في الملفات الشائكة. والاستفادة من تشتيت القوى العراقية تحقيقاً لشعار "فرّق تسد".‏

‏1-‏    ومن أهم هذه القوى: قوة العشائر العربية التي يمتد انتشارها على مساحة الوطن وامتداداته ‏وتمتاز بمتانة العلاقة فيما بينها ومنها العشائر المختلطة والمعروفة كغيرها بمرجعياتها ‏وزعاماتها الوطنية وعلى سبيل المثال لا الحصر، عشائر الجبور وشمر والبيات  وطي ‏وتميم وغيرها. وتشكل هذه العشائر مزيجا عراقيا رائعا من السنة والشيعة .‏

ومن العشائر السنية في الجنوب، ذي الغالبية الشيعية، عشيرة السعدون وتنتشر في البصرة ‏ومحيطها بالإضافة الى العشائر الكبرى الموزعة على مدن العراق الكبرى في بغداد والموصل ‏والمدن غرب بغداد والصحراء الغربية وغيرها وهي الدليم وعنزة والعبيد والقيسية والبقارة و‏الهواشم والمشاهدة وغيرها.

‏2-‏    قوة المرجعية الدينية المدعومة في النجف بالآيات والمعممين والذين يتمتعون بهالة ‏كبيرة من الاحترام والنفوذ على ساحة العراق والوطن العربي والتي أسقطت التجنيد الإجباري عن ‏طلاب العلم الشرعي .‏

‏3-‏    العلاقات العربية الكردية المتميزة والترابط الأخوي فيها جرّاء التاريخ المشترك والعيش المشترك ‏وهو ثابت عند الكرد والعرب. ونستثني من ذلك الإجراءات الرسمية التي كانت تتخذها الحكومة ‏العراقية .‏

‏4-‏    الجيش العراقي الوطني الذي جرى تأسيسه وفق عقيدة وطنية خالصة رغم ممانعة الإدارة ‏البريطانية في العراق والتي لم تجد بريطانيا وسيلة لإحتوائه والحد من وطنيته الا في تقييّد ‏تسليحه وزجّه في القلاقل والمشاكل المحلية.‏

لقد كان من مخططات بريطانيا والاميركيين ان لا يلتقي العرب والكرد ولذلك إستحدثوا ‏المشاكل في المناطق الكردية في شمال العراق والعصيان المسلح بدعم من شاه إيران محمد رضا ‏بهلوي. ‏وفي عام 1979 دخل العراق في حرب مع إيران ذهب من جرائها أعداد كبيرة من الضحايا، ومن الأسرى والجرحى، وفي نهاية هذه الحرب خرج العراق منتصرا. ثم جرت قضية الكويت بكل تداخلاتها وما نجم عنها.

وبعد دخول العراق إلى الكويت أثيرت قضية بلدة حلبجة القريبة من الحدود الإيرانية والتي تعرضت في آذارعام 1988 قبيل نهاية الحرب العراقية – الإيرانية بقليل للقصف بالأسلحة الكيماوية والتي ‏ذهب ضحيتها أكثر من خمسة آلاف قتيل وعدد كبير من الإصابات. حيث تم استغلال هذه القضية الانسانية في الحملة الدولية ضد العراق.‏

إستحضرت أميركا عملاء من أمثال أحمد الجلبي في مهمة تنسيق بين ايران والاحزاب المرتبطة بها في العراق وبين ‏الأميركيين وتحديداً وزارة الدفاع (البنتاغون). وبدأ بجمع هؤلاء في الخارج وتقديمهم ‏للأميركي ثم أنشأ ما يسمى بالمؤتمر الوطني العراقي، وهو كيان معارض كان يضم اشخاصا من احزاب ايران ‏والاكراد وبعض الشخصيات السنية.

ثم عقدت المخابرات المركزية مؤتمر لندن الذي سبق الاحتلال بأشهر قليلة، واشرفت على تدريب نحو ‏‏3000 جاسوس عراقي شاركوا في توجيه سلاح الجو الأميركي وتحديد الأهداف الأرضية تمهيداً لقصفها.‏

وبعد غزو العراق في 20 اذار 2003 نفذ الجلبي أجندة المحتل الأميركي، فأنشأ العصابات والميليشيات التي ‏باشرت بالتصفية المباشرة لرافضي الاحتلال، والسيطرة على مفاصل الاقتصاد وتصريف العملة المزورة ‏والسيطرة على ملفات بعض الدوائر المهمة مثل المخابرات والدوائر الأمنية الأخرى، وذلك بتوجيهات من ‏البنتاغون، حيث كان الجلبي يرسل المعلومات اليه وفي نفس الوقت يرسل نسخة منها الى ‏الايرانيين.

ولقد كان الجلبي على تناغم كلّي مع الأحزاب الشيعية، وهو الذي كان وراء تأسيس البيت ‏الشيعي، وبعد الاحتلال الكامل للعراق عيّن بول بريمر حاكماً على البلاد فبادر الى حل الجيش العراقي ‏وتسريح القوات المسلحة الأخرى معتمدا على العصابات والميليشيات التي تم اختيارها من قبل الجلبي ‏والايرانيين، وكانت المهمة الاساسية لبريمر افساد العراق وجعل أعزة أهلها أذلّة، فأمعن بنشر ‏الفساد ونهب الكنوز وسرقة الآثار وفتح سجن ابو غريب واعتقل فيه الشرفاء وانتهك الأعراض، ومن هنا ‏تخرج قادة الميليشيات والتنظيمات المتطرفة. ‏

وأثناء زيارة الرئيس بوش للعراق المحتل استقبل احد سفهاء العشائر المعروف بإسم عبدالستار ابو ريشة وقبله في ‏رأسه ليظهر الاخير بعد هذا كوكيل للأميركان في تنفيذ سياستهم ضد المقاومة العراقية.‏

وفي عام 2014 ظهرت الدولة الإسلامية، بقوة، بعد سقوط الموصل المريب وإنهيار القوات العراقية في المدينة ‏والتي يقول فيها اثيل النجيفي محافظ الموصل السابق (ان الموصل سلمت لداعش).‏

وبسرعة انتشرت عناصر داعش في محافظة الأنبار واحتلّت الرمادي والفلوجة ووصلت الى اطراف بغداد ‏وغيرها من المدن المحيطة في الموصل في محافظة صلاح الدين، ووصلت الى كركوك وغرباً الى الصحراء ‏الغربية. وشهدت المدن العراقية موجة من التفجيرات استهدفت الأبرياء شاركت فيها داعش في نهاية ‏حكم نوري المالكي المسؤول عن سقوط الموصل، بعد أن تغاضت إدارتا بوش الإبن وباراك أوباما عن عمليات التصفية ‏والانتهاكات التي ارتكبت في العراق بين عامي 2006 و 2014 والتي اطلق فيها المالكي يد الميليشيات ‏بعمليات التهجير التي طالت بغداد وديالى وصلاح الدين والأنبار والموصل، والتي اسفرت عن الاف القتلى ‏والجرحى والتي ادت في النهاية الى انهيار الأمن وتسليم الموصل لداعش.

كان المالكي المحمي من ‏قبل الحرس الثوري لعجزه عن حماية نفسه قد استخدم اسلوب الإقصاء وإلقاء القبض على كبار ‏المسؤولين في الدولة والمعارضة بسبب انتقادهم التدخل الإيراني في العراق ويعتبر المالكي المسؤول ‏الأول عن تهميش السنة والعشائر في العمليات السياسية وذلك في الوقت الحرج الذي تعتبر فيه هذه ‏العشائر الجهة المخولة لرفع راية العدالة في الوطن الكبير ورفد الجيش العراقي الوطني بعناصر القوة ‏التي تمتلكها.‏

يتكون العراق بحسب آخر إحصاء حكومي جرى فيه عام 1997 من ‏25 مليون نسمة.‏ 94% مسلمون و 6% اقليات غير مسلمة، ولم يكن في العراق ما يدل على انقسام.

واذا كان تنظيم الدولة يلفظ ‏انفاسه الأخيرة حسب وصف استاذ الإستراتيجية في جامعة النهرين علي البدري وسط التدمير الشامل ‏لمدينة الموصل وتهجير مئات الألاف من اهلها، وتوقع رئيس بلدة الرطبة عماد النجيفي هروب عناصر ‏داعش الى الصحراء المحيطة ببلدة الرطبة. وقد اشار الى ان قوة مسلحي العشائر لم تستنفر بشكل ‏صحيح في جميع مراحل تحرير المدن من داعش. واستعانة الجيش بعناصر الشبك وفصائل ميليشيا ‏الحشد الشعبي لحقول النفط في محافظة صلاح الدين يعقد الأمور وهذا ما يراه بدر الراشد في هيمنة ‏الميليشيات الإيرانية على بغداد ويعتبره كارثة استراتيجية على دول الخليج والتي يجب معالجتها ‏سياسيا" وبصورة مبكرة لتلافي حرب قادمة وذلك لأسباب تتعلق بعروبته وحماية النسيج السكاني فيه، ‏وهذا ما يعزز فكرة دعم العشائر العربية وتعزيز دورها في مرحلة ما بعد سقوط داعش والتي تقتضي ‏بحل جميع المشكلات السياسية التي تعاني منها معظم المكونات العراقية وذلك:‏

‏1-‏    وضع حد للتمدد الإيراني في العراق .‏

‏2-‏    العمل على اخراج كافة القوى الغريبة من العراق وفق جدول زمني أقصاه نهاية عام 2019 ‏‏.‏

‏3-‏    تنشيط العمل العربي المشترك الذي لا يستثني احدا تجاه بغداد .‏

‏4-‏    الإعداد لإنضاج نخبة سياسية جديدة تكون نواتها زعامات العشائر الحقيقية ونخبها .‏

‏5-‏    اقتلاع جذور الكتل السياسية المتجذرة منذ عام 2003 التي انتجها الجلبي، وباقي العملاء، بالتوافق والتنسيق ‏الاميركي الايراني واستبدالها بكتل ممثلة للشعب وعابرة للحدود الطائفية والإثنية، يكون ‏عمادها زعماء العشائر المختلطة ونخب العشائر الأخرى ومن التيارات الدينية الوطنية ‏والقيادات النظيفة من الحشد الشعبي والشعب الكردي والتيار المدني .‏

‏6-‏    تأييد التوجه الأميركي الجديد بعدم تولي المالكي وفريقه السياسي اي منصب مستقبلي في ‏العراق.‏

بعد سقوط داعش ومعها هاجس التقسم فليكن ربيع 2018 بداية الحل بوصول هذه النخب التي ‏تحدثنا عنها هو بداية الربيع الحقيقي للعراق والعرب، وتعود فيه بغداد الرشيد منارة العرب ومحط آمالهم، ‏ومقرا تجتمع فيه الرياض وطهران وأنقرة ودمشق والقاهرة والقدس وطرابلس وصنعاء وبيروت ‏بدلاً من جنيف وآستانة وموسكو وواشنطن وتكون عنوان التلاقي والحوار الإيجابي. ‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,447,061

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"