من #بيروت بدأت.. فأين ستنتهي؟!

صبحي غندور

يوم 13 نيسان/ أبريل 1975 لم يكن فقط حادثة إطلاق نار على باص يحمل مجموعة من الفلسطينيين في ‏ضاحية للعاصمة اللبنانية بيروت، بل كان هذا التاريخ بداية لحربٍ طاحنة في لبنان استمرّت 15 سنة ولم تنتهِ ‏ذيولها بعد، وتورّطت فيها جهات عديدة عربية وإقليمية ودولية، كما كانت "نموذجاً" لحروب أهلية عربية حدثت في ‏مشرق العرب ومغربهم وفي عمقهم الأفريقي بالسودان. وكم من هذه الحروب الأهلية العربية الجارية حالياً قد بدأ ‏أيضاً بحوادث محدودة؟!

‏42 عاماً مضت على ذكرى اشتعال حرب لبنان، التي تزامنت مع توقيع نظام مصر- السادات على ‏المعاهدة مع (إسرائيل) ثمّ على معاهدات "كامب ديفيد"، والتي تبعتها أيضاً الحرب العراقية – الإيرانية عقب اندلاع ‏الثورة الإيرانية، ثمّ غزو الكويت، ثمّ حرب الخليج الثانية وتوزيع العراق إلى مناطق ‏مقسّمة على أسسٍ إثنية ومذهبية، مما سهّل الحرب الأميركية - البريطانية عليه في العام 2003 وتفجير ‏الصراعات الداخلية المسلّحة التي أفرزت "القاعدة" و"داعش" في المنطقة العربية، وما تقوم هذه الجماعات به الآن ‏من أعمال إجرامية إرهابية بأسماء دينية. ‏

وهل كان ممكناً لقيادة "منظّمة التحرير الفلسطينية" أن تقدِم على توقيع اتفاق أوسلو، وما فيه من تنازلات ‏فلسطينية كبيرة، لولا تداعيات الحرب اللبنانية، التي تخلّلها أولاً اجتياح العدو الصهيوني لجنوب لبنان في العام 1978 وإقامة ‏شريط حدودي آمن لها باسم "دولة لبنان الحر"، ثمّ بغزو صهيوني واسع في العام 1982 لمعظم المحافظات اللبنانية ‏وللعاصمة بيروت، والذي أدّى إلى خروج مقاتلي "منظّمة التحرير" وقيادتها من لبنان؟!

تداعياتٌ سلبية خطيرة حدثت في المنطقة العربية وجوارها الإقليمي في العقود الأربعة الماضية، منذ خروج ‏مصر من الصراع العربي/ الصهيوني، كان منها ما بدأ بفعل ظروفٍ محلية، أو بسبب تخطيطٍ وعدوانٍ خارجي، أو ‏مزيج من الحالتين معاً. ‏

والأمَّة العربية تحصد الآن نتائج سلبيّات العقود الماضية، وأخطر هذه السلبيّات هو تصاعد دور الطائفيين ‏والمذهبيين والمتطرّفين العاملين على تقطيع أوصال كلّ بلدٍ عربي لصالح مشاريع أجنبية وصهيونية. فليست ‏الظروف الداخلية فقط هي وراء عناصر الصراعات في هذا البلد وذاك، بل يلعب التدخّل الدولي والإقليمي دوراً هاماً ‏في تقرير مصير بعض البلدان العربية.‏

ولقد أخطأ من ظنَّ أنّ الحرب اللبنانية عام 1975 كانت حرباً أهلية فقط، تنتهي باتفاق اللبنانيين فيما ‏بينهم. فلقد كانت أزمة لبنان في العام 1975 مزيجاً من عوامل مركّبة داخلية وخارجية تحرّكت معاً لتصنع أتون ‏الحرب والصراع المسلّح. هكذا هو التاريخ اللبناني المعاصر كلّه، منذ كان لبنان هو فقط منطقة جبل لبنان أيام ‏حكم المتصرّفية في أواخر القرن التاسع عشر، وحيث جرت حرب الطائفتين المارونية والدرزية عام 1860 بتشجيع ‏وتسليح أجنبي فرنسي وبريطاني. ثمّ هكذا كان الحال عام 1958 حينما شهد لبنان أحداثاً دموية كانت هي أيضاً ‏مزيجاً من عناصر أزمة سياسية داخلية، مع تحريك وتأثير خارجي نتج عن إعلان مشروع حلف أيزنهاور والصراع ‏الأميركي مع مصر عبدالناصر.. ‏

وجاءت حرب نيسان 1975 لتؤكّد من جديد هذه الخلاصة عن تاريخ الأزمات اللبنانية، حيث امتزج ‏الصراع الداخلي بأسبابه السياسية والاجتماعية مع الأبعاد الإقليمية والدولية، وتحديداً حول الموقف الإقليمي والدولي ‏من الصراع العربي/ الصهيوني ومن الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان.‏

لكن العامل الأهم في الحرب اللبنانية، كان المشروع الصهيوني الهادف لتحطيم النموذج اللبناني الذي ‏تحدّث عنه أمام الأمم المتحدة عام 1974 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك سليمان فرنجية، لحلّ القضية ‏الفلسطينية من خلال دولة فلسطينية ديمقراطية تضمّ اليهود والمسلمين والمسيحيين كما هو النموذج اللبناني القائم ‏على تعدّد الطوائف.‏

وقد استطاع العدو الصهيوني في احتلاله المباشر أوّل مرّة عام 1978 لمناطق لبنانية عديدة، ثمّ في احتلالها ‏وغزوها لمناطق أخرى وللعاصمة بيروت عام 1982، أن تكون هي أكثر العوامل تأثيراً في الحرب اللبنانية وفي ‏انعكاساتها الفلسطينية والسورية والعربية عموماً.‏

وامتزجت في المخطّطات (الإسرائيلية) بلبنان مشاريع التجزئة والتقسيم مع الاحتلال للأرض والسيطرة على ‏المياه، ومع القضاء على المقاومة الفلسطينية المسلّحة، فضلاً عن إضعاف وإنهاك سوريا وإشغالها في صراعات ‏عربية/ عربية، بينما خطوات التسوية والمعاهدات كانت تجري على جبهات عربية أخرى.‏

وإذا كان الكيان الصهيوني هو العامل الأوّل المفجّر للحرب اللبنانية وهو المستفيد من تداعياتها، فإنّه لم يكن ‏دائماً في موقع الرابح خلال الأربعين سنة الماضية. فصحيحٌ أنّ (إسرائيل) حقّقت أهدافاً كثيرة في محطّات الحرب ‏اللبنانية، واستطاعت الوصول بغزوها العسكري عام 1982 إلى أوّل عاصمة عربية، لكن أيضاً كان لبنان أوّل بلد ‏عربي يُجبر الكيان الغاصب على الانسحاب عام 2000 بفضل المقاومة المسلّحة، لا حصيلة مفاوضات ومعاهدات. ‏وصحيح أنّ (إسرائيل) دعمت أطرافاً لبنانية في الحرب وساهمت بإشعال معارك طائفية عديدة، لكنّها فشلت في ‏تجزئة الوطن اللبناني وانتصر اتفاق الطائف العربي على مشاريع التقسيم الطائفي الصهيوني.‏

لكن المشاريع الصهيونية بشأن لبنان والمنطقة عموماً لم يتمّ التراجع عنها، بل كانت المتغيّرات التي حدثت ‏وتحدث داخل بعض البلدان العربية، وفي المجالين الدولي والإقليمي، عناصر مساعدة على المثابرة لتنفيذ الأهداف ‏(الإسرائيلية) بإقامة دويلات دينية وإثنية في عموم منطقة "الشرق الأوسط" من خلال حصاد نتائج الحروب الأهلية.‏

وما جرى في لبنان منذ 42 عاماً كان "نموذجاً" أرادت وعمل العدو على تعميمه على بلاد عربية ‏أخرى. فالحروب الأهلية العربية هي التي تُشغل العرب جميعاً عن الصراع مع العدو، وهي التي تُهمّش القضية ‏الفلسطينية، وهي التي تجعل "كره العربي للعربي أكثر من كرهه للصهيوني"، وهي التي تُحطّم الكيانات العربية ‏القائمة الآن وتستبدلها بدويلات طائفية ومذهبية وإثنية تسبح جميعها في "فلك الدولة اليهودية الصهيونية". فما ‏حدث في لبنان من حرب أهلية تكرّر في السودان وأدّى إلى تقسيمه، كما جرت الحروب الأهلية في الجزائر والعراق ‏والصومال، وهي تحدث الآن في سوريا وليبيا واليمن، وحتّى مصر مهدّدةً أيضاً بهذا الخطر الطائفي التقسيمي ‏الذي أدواته الآن تنظيماتٌ إرهابية بأسماء دينية!.  ‏

كان لبنان قبل الحرب الأهليّة في 13 نيسان، نموذجاً للعرب في ممارسة الحياة السياسيّة ‏الدّيمقراطيّة، والتّعدّدية الحزبيّة، والانفتاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولمجتمع الحرّيات العامّة بشكل عام. ‏لكن بعد اشتعال الحرب الأهليّة في منتصف السبعينات في القرن الماضي، انكشفت مساوئ هذا "النّموذج اللّبناني" ‏وما كان فيه من أمراض طائفيّة هدّدت الجسد اللبناني أكثر من مرّة بخطر الانتحار الّداخلي أو بالقتل المتعمّد من ‏الخارج. فماضي لبنان (وكذلك هو حال بعض البلدان العربية الأخرى) وتاريخ وظروف نشأة كيانه وكيفية بناء ‏نظامه الطائفي، كلّها عناصر تاريخية سلبية دائمة التأثير في أحداثه، تماماً كما هو أيضاً دور موقع لبنان ‏الجغرافي حيث الخيار هو فقط بين محيطه العربي وبوابته السورية، وبين الوجود الصهيوني الذي سبّب أصلاً ‏حدوث مشكلة مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين، كما أنّ هذ الوجود أيضاً هو مصدر الأخطار على أرض ‏لبنان وعلى وحدة شعبه.‏

وإذا كان اللبنانيون لا يستطيعون تغيير دور الجغرافيا في تطوّرات أوضاع كيانهم الوطني، فإنّ بإمكانهم ‏حتماً تصحيح الخطيئة التاريخية المستمرّة في طبيعة نظامهم الطائفي السياسي. وعندما يفعل اللبنانيون ذلك ‏يصونون وطنهم من الوقوع في شرك الحروب الأهلية من جديد، وهي حروب تعصف الآن في أكثر من مكان. ‏

الحروب الأهلية العربية في التاريخ العربي المعاصر كانت بدايتها في لبنان عام 1975، لكن أين ستنتهي ‏وكيف؟ الإجابة موجودة عند الحكّام والمعارضين العرب، وأيضاً بمقدار وعي الشعوب العربية لما حدث ويحدث!‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,480

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"