هوامش على مشروع دولة #كردستان

الصورة: دولة كردستان الكبرى كما يتمناها الساسة الانفصاليون الأكراد.

جعفر المظفر

المراهنة على العوامل التقليدية وخاصة الرفض الإقليمي (التركي والإيراني) لقيام الدولة الكردية ستكون مراهنة مضللة ما لم تتم دراسة المتغيرات الجديدة على موقف الدولتين، سواء على صعيد الأخطار المباشرة التي ستخلقها الدولة الجديدة ضد إستمرار التماسك القومي الداخلي في كل من إيران او تركيا، أو على مستوى حساب المكاسب الجديدة الذي ستجنيها الدولتان من تقسيم العراق إلى ثلاثة دول واحدة شيعية والأخريتين كردية وسنية.

 

واحد من أهم العوامل المقررة على صعيد تأسيس الدولة الكردية هو الأميركي .. قرارها لمساندة قيام دولة من هذا النوع يتحدد بما يلي:

1- قدرة هذه الدولة على الإكتفاء الذاتي، وهي مسألة ذات أهمية قصوى ومستمدة من واقع المقارنة بين إمكانات هذه الدولة بعد الإستقلال والإمكانات التي وفرتها لها مرحلة الحكم الفدرالي.

المقارنة تشير إلى أن الدولة الجديدة ستكون عاجزة عن توفير رواتب موظفيها خاصة بغياب نشاط إقتصادي واعد على صعيد التصنيع والزراعة كفيل بسد النقص الحاصل نتيجة الحرمان من نسبة ال17 % المخصصة لها من الميزانية الإتحادية. هل ستتمكن الدولة من تنشيط سوق تصنيعية قادرة على التنافس مع اسواق دول الجوار.

تركيا مثلا هي اليوم المصدر الأساسي للبضائع في السوق الكوردية ولا أظنها ستشجع أو تدعم اية صناعة كوردية واعدة. مثال إيران والعراق وارد في هذه الحالة فثمة من يشير إلى وجود معوقات إيرانية تقف بوجه إعادة بناء الصناعة العراقية، خاصة في مناطق البصرة، ومثالها معمل الورق ومعمل الصناعات البتروكيمياوية. كذلك ارى أن إسرائيل لن تهتم كثيرا بعملية بناء نشاط صناعي كردي بإمكانه ان يوفر بنية إقتصادية كوردية واعدة إذ تبقى هذه الدولة بحاجة ماسة للعثور على اسواق لمنتجاتها لا خلق صناعات بديلة ومنافسة. هنا تتقدم قضية كركوك لتكون قدس الأقداس الكوردستانية ليس بمعناها التاريخي والديني المتعارف عليه إسرائيليا وإنما بمعناها الإقتصادي الذي بدونه سوف لن يكون هناك مورد ذاتي للدولة الجديدة.

2- حاجة الأميركان إلى وجود قواعد عسكرية لدعم مصالحهم الإستراتيجية وصراعهم مع إيران على وجه التخصيص يخفف من أهميته تعاونهم غير المحدود مع إسرائيل التي تتطلع للحد من قوة التهديد الإيرانية العسكرية ومحاصرة مواقع نفوذها. بل ان وجود هذه القواعد على مرمى حجر من المدفعية والصواريخ الإيرانية يضعها أمام أخطار جدية يمكن تلافيها لو أن هذه القواعد متواجدة في أمكنة بعيدة مع توفر القدرة الأميركية غير المحدودة للوصول إلى العمق الإيراني. إضافة إلى ذلك فإن تحالف مجموعة طالباني مع إيران يضعف إمكانيات عقد صفقات عسكرية بهذا المستوى بين الجانبين ويعرض مشروع الدولة المقترحة، بوجود اشكال صراعية أخرى، إلى التمزق.

3- رغم أهمية تاثير نضج العوامل الداخلية على عملية تأسيس اي دولة جديدة فإن الأمر مرهون بالنهاية إلى موافقة الدول العظمى، وأهمها في الوقت الحالي أميركا، التي هي مسؤولة إلى حد كبير عن شكل الجغرافيات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.

الاعتراف بأن بعضا من الجغرافيات لم تبق على حالتها السابقة لا يلغي حقيقة إن إقرار حالة أي تشكيل جديد تتوقف إلى حد كبير على ما سيرتبه ذلك المتغير على عموم المنطقة المحيطة بها.

لقد كان ممكنا لنصر عراقي حاسم في اثناء السنة الأولى من الحرب العراقية الإيرانية ان يؤدي إلى تفتيت إيران، خاصة لو كان تم تأسيس كيان أحوازي مستقل، غير أن أميركا التي كانت تعيش أسوأ أيامها مع إيران (سقوط حليفها الشاه وأزمة الرهائن) لم تستدرجها عاطفتها بعيدا عن إعتبار دورها التقريري في المحافظة على التقسيمات الجغرافية في المنطقة، وظلَّ هدف وحدة أراضي إيران المعادية يحمل نفس اهميته يوم كانت إيران دولة صديقة.

من ضمن العوائق الأخرى أشير إلى التالي:

1- نتيجة قيام دولة كردستان في الشمال العراقي فإن تفعيل قيام دول كردية أخرى في المنطقة سيكون واردا خاصة في تركيا وسوريا اللتان نضج فيهما المشروع الكردي الإستقلالي، وخطورة هذه الدولة على وحدة إيران ستكون حاسمة أيضا لوجود قوميات إيرانية أخرى مثل البلوش والعرب، وهي قوميات لا تقل حماسا عن الأكراد لبناء دولها المستقلة، خاصة وإن العرب ما زالوا يتذكرون إمارتهم المستقلة على عهد الشيخ خزعل الكعبي قبل الإستيلاء عليها في عام 1925.

2- على نفس المستوى من الأهمية، سيؤدي قيام دولة كردية إلى تكوين دولتين أخريتين، هما الدولة الشيعية في الجنوب والوسط وقسم من بغداد ودولة سنية على باقي الأراضي غير المشمولة بجغرافية الدولة الكردية، وتبقى الإجابة على التساؤل الخاص بطبيعة علاقة هاتين الدولتين لمجاوريها، خاصة الدولة الشيعية مع إيران، مع وجود ميل لإقرار صيغة إلتقائية عراقية شيعية قد تصل إلى مستوى الإتحاد أو الوحدة مع إيران، وهذا سوف يشكل اخطارا واضحة وخاصة مع وجود قرار نفطي موحد بين إيران والعراق.

3- ليس من السهولة بمكان حسم قضية الأراضي المتنازع عليها التي سوف تديم عمر الصراع مع الدولة الكردية وتجعل الإستقرار في المنطقة هشا مما يضع الدولة الكردية في خانق إقليمي قد لا تتمكن بضغط منه على الإستمرار او الإستقرار.

4- على المستوى الداخلي فإن هناك عوامل أساسية ستهدد وحدة وديمومة هذه الدولة منها الفساد الضارب اطنابه في جميع مؤسساتها والعقلية القبلية التي تحكمها رغم التمظهرات الديمقراطية التي لم تفلح في تهميش أثر هذه القبلية، التي نراها تتمثل في التوارث القبلي والإقتسام الفعلي والعائلي لمؤسسات الدولة السياسية والإقتصادية. لكن أهم ما ستواجهه هذه الدولة هو الصراع العمودي بين شمالها السليماني بقيادة الطالبانيين وجنوبها الأربيلي بقيادة البارزانيين.

إستعادة الصدام العسكري، أو بالأحرى الحرب، بين الطرفين في عام 1996 والتي ضغطت صعوبتها على بارزاني لطلب مساعدة (عدوه) القومي صدام حسين ضد (شقيقه) القومي طالباني يعطينا فكرة عن عمق الصراع نفسه. هذا الصراع سيتفجر لا محالة حينما تؤدي الدولة الجديدة إلى غياب خطر العدو الخارجي أو الأخوة الأعداء المتمثلين بحكومة المركز في بغداد. وهو صراع مماثل لما يحدث بين أحزاب الدولة الشيعية حال زوال التفعيلة الطائفية التي تستخدمها هذه الأحزاب ضد الأخوة الأعداء المتمثلين بالسنة العرب.

لا أعتقد ان بارزاني سيغفل حقيقة ان نتيجة الإستفتاء على الدولة الكردية لن يكون في صالحه خاصة إذا ما جاءت نتيجته لصالح قيام الدولة لأنها ستضعه تحت ضغط تنفيذ القرار، الأمر الذي يجعل قدراته السياسية المناوراتية مع الخصوم محدودة وحتى معطلة.

هوامشي هذه لا تعني إستحالة تأسيس الدولة الكردية وإنما تؤشر صعوبات التأسيس.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,692,873

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"