وأسدل الستار عن مسرحية إختطاف الصيادين القطريين

علي الكاش

غالباً ما يتبجح رئيس الوزراء العراقي بقوة حشده المقدس ودوره في الدفاع عن العراق وحفظ ‏سيادته العارية، ويدافع عنه سواء كان موققه تقية أم عن قناعة، على الرغم من كون السبب الأول ‏أقرب الى اليقين بعد أن وعد الرئيس الأمريكي بحل الحشد بعد تحرير الموصل وتعزيز موقفه من ‏خلال التواجد العسكري الأمريكي الذي يمكنه من القيام بهذه الخطوة الجريئة والإفلات من عصا ‏ولاية الفقيه المسلطة على قفا كافة المسؤولين في العراق.

ويتبجح العبادي أيضا بأنه القائد الفعلي ‏للحشد رغم أن الأوضاع على الأرض تشير بأنه ليست له أمرة فعلية على الحشد البتة، فالحشد ‏يخضع لإرادة الولي الفقيه، وهذا ما عبر عنه زعماء الحشد أنفسهم، ولم يجرأ العبادي على أن ‏يكذب أو يفند أي منهم، وهذا السكوت هو إعتراف بالحقيقة، بل إعترف مؤخرا النائب الشيعي ‏عباس البياتي بتأريخ 18/4/2017 بصراحة أن حلٌ الحشد الشعبي يتم بموافقة إيران، وهذ الحقيقة ‏يعترف بها الجميع إلا العبادي، لكن في صمته وعدم نفيه معنى ودليل.‏  

لو إفترضنا جدلا أن العبادي هو القائد العام للحشد، فأنه من غير المعقول نه لا يستطيع أن يلجم ‏أفواه زعماء الحشد الذين يتحدونه بوقاحة وصلف بل يهينونه في وسائل الإعلام، ولم يقم مرة ‏واحدى بردهم، سيما ان بعض هذه التصريحات مقززة ولا يجوز أن تصدر عنهم لأنها مواقف ‏سيادية وتتعلق بسياسة العراق الخارجية ومكانته بين الأمم، صحيج ان العراقيين غسلوا ايديهم من ‏الجعفري الذي سخر  وحشد حسبما إعترف بنفسه إمكانات الوزارة لخدمة الحشد الشعبي، لكن لا ‏بد أن تكون هناك ردة فعل لرئيس الوزراء ليحفظ ماء وجه على الأقل، ليس أمام العراقيين الذين ‏يعرفون حقيقة ضعفه، وإنما في المحافل العربية والدولية.‏

صرح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية في ‏‏19/4/2017 " ان الايرانيين لديهم حساباتهم بخصوص سوريا العراق واليمن ولبنان. يريدون ان ‏يتغلغلوا في‎ ‎هذه المناطق من أجل تشكيل قوة فارسية في المنطقة. هذا أمر له مغزى، علينا‎ ‎ان ‏نفكر فيه جيدا. كما ان إيران تنتهج سياسة انتشار وتوسع فارسية‎ ‎وأصبحت تؤلمنا في العراق. ‏مثلا، من هؤلاء الحشد الشعبي ومن الذي يدعمهم؟‎ ‎البرلمان العراقي يؤيد الحشد الشعبي ولكن هم ‏منظمة إرهابية بصراحة ويجب‎ ‎النظر إلى من يقف وراءها". ومثل هذا التصريح صادر عن ‏رئيس دولة وبغض النظر عن قبوله أو رفضه فيفترض حسب البروتوكول ان يرد عليه أما ما ‏يسمى بالرئيس العراقي فؤاد معصوم أو رئيس الوزراء حيدر عبادي، حتى وزارة الخارجية ‏العراقي لا يجوز لها أن ترد على التصريح الرئاسي، لو كان التصريح صادر مثلا عن وزير ‏الخارجية التركي أو الناطق بإسم الوزارة لكان من حق وزارة الخارجية العراقية الرد على ‏التصريح.‏

أما ان يرد حزب الدعوة أو احد زعماء ميليشيا الحشد على الرئيس التركي فهذا هو العجب ‏العجاب، مما يعني حقا ان العراق ليس دولة، سمها ما شئت لكن ليس دولة! الدولة فيها سياقات ‏وتخصصات وتوزيع في المسؤوليات، وهذا ما لا نجده في العراق، كل عضو في الحشد الشعبي ‏وكل وزير وكل نائب يصرح ما يحلو له كأنه رئيس وزراء أو وزير خارجية، وهذه الممارسة لا ‏تجدها حتى في الدول الأفريقية الأقل تحضرا.‏

فقد صرح القيادي بالحشد الشعبي  كريم النوري لـ(الجورنال نيوز) في 20/4/2017 "‏‎ ‎إن الرئيس ‏التركي يعاني من تخبط كبير فهذه التصريحات ان دلت على شيء فهي‎ ‎تدل على هواجس تركية ‏في فشل ذريع لقيادة العالم العربي‎.‎‏ وأن وجود الحشد الشعبي يعد صمام أمان لوحدة العراق ولذلك ‏فإن اردوغان يعتبر‎ ‎ان عدم تحقيق اهداف داعش في العراق كانت من اسبابها هو الحشد الشعبي. ‏أن اردوغان يود ان يحكم فكر الاخوان خارج تركيا بينما‎ ‎في داخلها مازال يحافظ على المدنية ‏التركية بضمان من الاتحاد الاوربي من‎ ‎جهة ومن جهة اخرى يود ان يحكم فكره العثماني على ‏دول الخليج العربي وعلى‎ ‎العراق وعلى مصر بينما ينئ عن نفسه تصديق الفكر وهذا نفاق ‏واضح".‏

‏والأنكى منه ما جاء في بيان حزب الدعوة في 20/4/2017 " أن الحشد الشعبي وفصائل ‏المقاومة الإسلامية‎ ‎افشلت أكبر مشروع تآمري لتقسيم العراق والمنطقة الذي كان اردوغان أحد‎ ‎ادواته وقطع الطريق أمام تطلعاته واطماعه التوسعية. أن اردوغان يسعى إلى فتح جبهة جديدة ‏لشغل العراق عن الانتصارات التي‎ ‎يحققها ضد الإرهاب بعد فشل مشروعه التآمري على العراق، ‏فالحشد‎ ‎الشعبي كان وسيبقى صمام أمان للعملية السياسية، وأن الحزب سيقطع يد تركيا اذا ما ‏حاولت التصدي للحشد الشعبي".

لا تعنينا البذاءة والتهديد بقطع اليد لأن سكين العراق عمياء ولا ‏تقطع خيط وليس دولة قوية مثل تركيا وعضو في حلف الناتو، لكن يبدو أن حزب الدعوة أخذ ‏يضحك على نفسه بعد ان ضحك على ذقون العراقيين لما يزيد عن عقد من الزمان.‏

ربما جاء الرد على الرئيس التركي كمتنفس للحشد الشعبي بعد أن ازكمت أفعال بعض الأحزاب ‏المنتمية له أنوف الشرفاء من العراقيين والعرب، فإن فضيحة حزب الله العراقي وهو الذراع ‏الأطول لولاية الفقية في العراق بشأن إختطاف الصيادين القطريين خرجت من القبو الى الشمس، ‏لترفع ورقة التوت الأخيرة عن العبادي الذي كما يبدو كان نائما ورجليه في الشمس. فقد ذكر ‏مصدر أمني عراقي لصحيفة (الخليج اون لاين) بأن رئيس الوزراء حيدر العبادي "أحيط علما من ‏مستشارية الأمن الوطني‎ ‎التي اطلعت على تفاصيل المفاوضات التي جرت خلال الأسابيع ‏الماضية بين أطراف‎ ‎إيرانية ومليشيا عراقية مرتبطة بإيران وممثلين عن حزب الله اللبناني‎ ‎ومسؤولين قطريين". وأن الصفقة بين المفاوضيين الإيرانيين وعناصر من حزب الله اللبناني من ‏جهة والحكومة القطرية من جهة أخرى تضمنت شرطين، اولهما: أن تدفع‎ ‎الدوحة فدية بحدود ‏مليار دولار. وثانيهما: أن‎ ‎تتعهد الدوحة بالضغط على فصائل مسلحة معارضة في سوريا لإطلاق ‏أسرى من حزب‎ ‎الله ومن فصائل مسلحة عراقية أسروا في سوريا".‏

للتذكير فقط، في ١٦ كانون الاول ٢٠١٥ وقعت عملية الاختطاف قرب معسكر صحراوي في ‏محافظة المثنى ٣٧٠ كيلو متر جنوب شرق بغداد اذ قام مائة مسلح يرتدون الزي العسكري في ‏موكب من (40) سيارة ذات الدفع الرباعي (العسكرية) ‏‎ ‎باختطاف نحو 20 قطرياً (فيهم أمراء ‏من الأسرة الحاكمة) مع مساعديهم الاسيويين اللذين جاءوا لصيد الصقور‎ ‎وفي نيسان بموافقات ‏رسمية من الحكومة العراقية، وتم الإفراج عن احد المختطفين مع‎ ‎مساعده، ولم تذكرالحكومة ‏القطرية شيئاً عن بقية الرهائن. كما ذكرت الامم المتحدة ان اطفالاً‎ ‎كانوا من ضمنهم‎.‎‏ في شهر ‏مارس 2015 حَملت الجامعة العربية السلطات العراقية المسؤولية عن العملية، واعتبرت الجامعة ‏العملية "عملًا إرهابيًا وخرقا صارخا للقانون الدولي وانتهاكا لحقوق الإنسان، ومخالفا لأحكام الدين ‏الإسلامي، ويسيء إلى أواصر العلاقات الأخوية بين الأشقاء العرب".‏

كما ذكر مسؤولون عراقيون حينذاك انهم "لا يملكون أية معلومات جديدة عن الخاطفين‎ ‎وانهم ‏يشتبهون بميلشيات شيعية لان هذه المنطقة ذات غالبية شيعية‎ ‎كما انها‎ ‎خالية من تنظيم داعش. ‏وللمطلع على المشهد العراقي فأن حزب الله العراقي هو الوحيد الذي يمتلك مثل هذه الإمكانات ‏العسكرية والذي يمكن ان يواجه الحكومة العراقية بصلافته المعهودة، والمرشح الأوحد للقيام بهذه ‏العملية الإرهابية.‏

تضيف المصادر الأمنية العراقية بأن الصيادين أمضوا (15) شهرا في ضيافة فصيل مسلح على ‏صلة بالحرس الثوري‎ ‎الإيراني، وأن إيران على اطلاع كامل على خطة الخطف وتفاصيلها. وأن ‏فريق إيراني قد شارك في العملية الإرهابية لإحتجاز الرهائن وحراستهم والتكتم على وجودهم، ‏وإن هناك خطا ساخنا‎ ‎بين الخاطفين وأجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية. وسبق أن أثيرت أنباء ‏بشأن إقدام الخاطفين على إعدام المختطفين، غير أن  الناطق الرسمي باسم هيئة الحشد الشعبي في ‏العراق النائب أحمد الأسدي قد نفى ذلك أكثر من مرة. بمعنى أن زعماء الحشد الشعبي يعرفون ‏تفاصيل الواقعة عن كثب، والتي لا يعرفها رئيس الحشد حيدر العبادي! وهذا أمر مخجل للغاية. ‏العبادي بدأ دوره عند تسليم المختطفين الى وزارة الداخلية العراقية التي لم تعلن بدورها عن الجهة ‏التي تسلمت منها المختطفين في حبكة مسرحية مكشوفة للعيان، وتغطية رسمية على الجهة ‏الإرهابية التي قامت بعملية الإختطاف..‏

الخلاصة أن العملية تمت بإعداد وتخطيط من المخابرات الإيرانية، وإداة التنفيذ كان حزب الله ‏العراقي. كما ان المخابرات الإيرانية كانت على أتصال دائم مع المختطفين دون معرفة حكومة ‏العبادي بذلك! وان الغرض الرئيس من العملية الإرهابية هو إطلاق سراح عناصر من الحرس ‏الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني ممن أسروا على أيدي المقاومة السورية، بمعنى ليس للعراق ‏اية مصلحة من العملية الإرهابية البتة.‏

حزب الله العراقي كما هو معروف من ابرز نشكيلات الحشد الشعبي، ويفترض أنه خاضع لإمرة ‏رئيس الوزراء حيدر العبادي، لكن الحزب لم يَطلع رئيسه العبادي على عملية الإختطاف في ‏مفارقة مثيرة! وكان خط الإتصال بينه ( أي حزب الله) وبين المخابرات الإيرانية حصرا. كما ان ‏الصفقة بين المفاوضين أحيط بها العبادي فيما بعد! ولكن لا نفهم كيف يتستر العبادي العبادي ـ ‏الذي يدعي بأنه يحارب الإرهاب ـ على عملية التفاوض بين الإرهابيين الخاطفين، والأبرياء ‏المخطوفين؟ وهل للعراق سيادة فعلا عندما ينفذ الإيرانيون عملية الإختطاف بإيدي عراقية وعلى ‏أرض عراقية، وأن يجري التفاوض بين الطرفين في العراق لمصلحة غير عراقية؟ أين السيادة ‏والكرامة الوطنية؟

سبق أن شجب حيدر العبادي عملية الإختطاف، وهي عملية إرهابية لا تختلف عن بقية العمليات ‏التي تقوم بها العناصر الإرهابية من تنظيم الدولة والميليشيات المسعورة التي تحذو حذوها. ‏وصرح العبادي" ندين الجهة التي نفذت عملية الخطف، أن‎ ‎الصيادين المختطفين هم ضيوف على ‏العراق وأنهم دخلوا وفق موافقات‎ ‎وتأشيرات أصولية منحهم إياها وزير الداخلية العراقي السابق ‏محمد الغبان". لاحظ أن رئيس الوزراء لا يسمي الجهة الخاطفة مع إنها معروفة للجميع!‏

لكن كيف يدين العبادي مع أن الصفقة تجري بين حزب منطوي تحت الحشد وهو تابع لإمرته؟ ثم ‏ما هي إجراءاته كرئيس حكومة ورئيس ميليشيا الحشد الشعبي بحق الحزب الإرهابي الذي نفذ ‏العملية طالما هو تحت سلطانه كما يزعم؟ ‏

الغريب أن العبادي لا يخجل من التصريح بأن" الحكومة العراقية على علم بالصفقة التي وصلت ‏إلى‎ ‎مراحلها الأخيرة، وأشرف على عملية تسليم المختطفين، ووصف عملية الاختطاف بأنها ‏تشكل إساءة إلى جميع‎ ‎العراقيين"؟ ان كانت عملية الإختطاف تشكل حقا إساءة للعراقيين، وإهانة ‏للشعب العراقي كما أفتى إبراهيم الجعفري؟ اليس من المفترض به كرئيس حكومة ان يمنع هذه ‏الإساءة؟ أو على أقل تقدير يمنع الصفقة التي لا ناقة لحكومته ولا جمل فيها؟ وكيف يقبل ‏بالمساومة لقاء مبلغ مليار دولار لإطلاق سراح المختطفين؟وهل سيوزع مبلغ الفدية بين ايران ‏وحزب الله العراقي، ويخمس من قبل المرجعية ليصبح حلالا زلالا لهم؟

هذا هو العراق الديمقراطي الجديد، انه عراق الميليشيات الإرهابية التي تمتلك مصدر القوة ‏الرئيس وبقبضتها الحكومة والبرلمان والقضاء العراقي، وهي صناعة إيرانية مميزة (ساخت ‏إيران) ولائها ليس للعراق بل للولي الفقيه بإعتراف قادتها جميعا.‏

وهذا هو حزب الله العراقي لمن لا يعرفه، وهذه هي توجهاته الإيرانية المشبوهة، حزب إرهابي له ‏سوابق عديدة في العمليات الإرهابية، ومنها قصف معسكر مجاهدي خلق عدة مرات بالصواريخ ‏مخلفا المئات من القتلى والجرحى. وهذا الحزب أحد من أهم تشكيلات الحشد الشعبي المقدس كما ‏يصفه العبادي، إن كان مقدسا وهو يمارس عمليات الإرهاب والإختطاف، فكيف لو كان غير ‏مقدس؟ الجواب عند حيدر العبادي، أضعف رئيس وزراء ليس في العراق فحسب وإنما على وجه ‏الأرض.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,135,351

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"