قليل من الحياء يا صنّاع البلاء!‏

علي الكاش

قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك:‏ فَنَحْنُ فِي فتنةٍ عَشْوَاءَ مظلمةٍ‎، نستغفرُ اللَّهَ من أهوالِ مَا فِيهَا.

(الجليس الصالح /334).‏  

الحياء حالة إنسانية مطلوبة وضعيا وشرعيا، الإنسان ذو الحياء يخجل أولا من نفسه، ومن يخجل ‏من نفسه يخجل من الناس، ومن يخجل من الناس يخجل بالنتيجة من ربٌ السموات، ومن هنا ‏تتوضح علاقة الحياء بالدين والمجتمع، وغالبا ما يوصف الحياء بنقطة عرق في جبين الإنسان إذا ‏سقطت لا تعود، على أقل تقدير أمام الناس، على إعتبار ان الله تعالى قد يغفر للعباد ولكن العباد ‏أحيانا لا تغفر. من البديهي أنه كلما ارتفع شأن المرء  ومركزه الديني والسياسي والإجتماعي، ‏كلما ارتفع مستوى حيائه لكي يتناسب مع مكانته ومركزه، لذلك يكون مستوى حياء الأنبياء ‏والخلفاء والمصلحيين والزعماء والملوك أكبر مقارنة بغيرهم من الناس، لأنهم يمثلون النخبة ‏الراقية في المجتمعات البشرية، وإذا تجردوا من الحياء سقطوا في نظر الناس وفقدوا قيمتهم أمام ‏حتى أرذل الناس. لذا قال برنارد شو ( لقد إحتج اللصوص عندما إنهم ماركس البرجوازية ‏بالسرقة". وهناك الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الصحابة والتابعين والحكماء تشيد ‏بصفة الحياء وتؤكد عليه.‏

الحياء على مستوى الوطن يتمثل بالسيادة الوطنية والإستقلال الكامل والكرامة الوطنية وإحترام ‏الشعب بإعتباره مصدر السلطات، لذلك يمكن أن نسميه (الحياء الوطني)، ومن المؤسف أن هذا ‏الحياء غرب عن العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003، ومن يتشدق بغير ذلك فإنما يضحك ‏على نفسه أو هو من المستفيدن من الوضع القائم بشكل أو آخر رغم مأساوية هذا الوضع، وهذا ما ‏تجده في وسائل الإعلام التي تتملق بكشل مخزي للسلطة وتسايرها رغم مكانتها الأولى في ‏الترتيب من الفساد العالمي، وأن تصريحات النواب والوزراء وبقية المسؤولين تجافي الحقيقة، ‏وهم يمارسون الكذب والدجل على المواطنين بلا حياء، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على: إما ‏أنهم  دجاجيل وسفلة بضمائر ميتة لا يخشون الله، أو إنهم لا يحترمون الشعب ولا يعيرون له أي ‏إهتمام أو قيمة، وكلا الحالين أسوأ من الآخر.‏

لو تصفحت الأخبار اليومية في أي موقع ستقف مذهولا أمام تصريحات المسؤولين العراقيين! ‏صحيح هم مثل سمك السردين مغلق عليهم في المنطقة الخضراء، ويصطفوا أمام بعضهم البعض ‏رغم خلافاتهم الحادة ولكنهم متوحدين في إذاء الشعب  العراقي، لكن أن يحتقروا عقلية الشعب ‏العراقي بهذه الطريقة السمجة، فهذا أمر يدعو الى العجب وصب اللعنات على كل من غمس ‏إصبعه باللون البتفسجي وساهم بمأساة شعبه. نعم كل من إنتخب هؤلاء الشراذم هو مسؤول عن ‏كارثة الشعب العراقي مهما حاول التهرب من المسؤولية. ان الذي باع صوته بمائة دولار أو ‏بطانية أو مدفأة لل؛زاب المشبوهى ذات الولاء الأجنبي، إنما هو باع شرفه بقيمة ما قبضه. ‏فصوت الناخب هو شرفه! لذا نقول للناخب مستقبلا: قدر قيمة شرفك قبل ان تنتخب اية قائمة أو ‏أي مرشح!‏

الكثير من التصريحات تمثل في الحقيقة إستفزازا للمواطنين، ونقصد المواطنين العقلاء والشرفاء ‏وليس الجهلة والحمقى والسائرين في درب الطائفية والعمالة، فمثل هؤلاء لا قيمة لهم، لأنهم هم ‏الذين إنتخبوا هؤلاء الأقزام ودمروا الدولة العراقية التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة بعد عقود ‏طويلة. إستعرض معي بعض هذه التصريحات ليوم واحد فقط وأحكم بنفسك، على أن تترك ‏قوميتك وطدينك ومذهبك جانبا ليكون حكمك منصفا!‏

إدعى زعيم الطائفية المتفرس ورئيس التحالف الشيعي وذراع الولي الفقيه في العراق عمار الحكيم ‏من مصر العروبة خلال زيارته الأخيرة" أن التحالف الشيعي ضد الطائفية"! وان التحالف يرفض ‏التدخل الأجنبي في العراق! وأن من اوليات التحالف المحافظة على "عروبة العراق"! سنترك ‏التعليق للقاريء الفاضل. وطمأن رئيس البرلمان العراقي (من جحوش المالكي) السفير الاميكي ‏في العراق دوغلاس سيليمان" الحمد لله الوضع السياسي والأمني في العراق مستقر"! ربما إختزل ‏العراق كله بالمنطقة الخضراء، لأنه لا يوجد تفسير آخر لكلامه!‏

وإدعى زعيم ميليشيا عصائب الحق قيس الخزعلي" أننا دعاة سلام"! وإستذكر إتحاد القوى ‏إختطاف (2900) من أهل السنة من قبل ميليشيا الحشد الشعبي منذ اكثر من عامين تقريبا في ‏أطراف بغداد وجرف الصخر والصقلاوية الفلوجة وصلاح الدين وديالى، فطالب الآن بإطلاق ‏سراحهم! أو أن يصدر بيان من التحالف الشيعي يحذر دول العالم من" الإساءة الى إيران". لاحظ ‏إيران وليس العراق! كأن ايران غير قادرة على رد من يسيء اليها؟ مع أن العراق أضعف من أن ‏يرد على أصغر دولة في العالم! بل أنه لا يقدر على مواجهة الميليشيات الإجرامية والعشائر ‏المنحرفة داخل أرضه.‏

المصيبة الأكبر تجلت في تصريح رئيس الوزراء حيدر العبادي في 21/4/2017  بأن" الحشد ‏الشعبي تشكيل‎ ‎وطني يخضع للدولة والدستور، وأننا نبدي‎ ‎استغرابنا من تصريح الرئيس التركي ‏رجب طيب اردوغان حول هيأة الحشد الشعبي‎ ‎والذي يعد شأنا داخليا عراقيا لايجوز التدخل به، ‏لأن الحشد تشكيل‎ ‎وطني عراقي انطلق استجابة لفتوى المرجع الديني الاعلى سماحة السيد علي‎ ‎السيستاني دام ظله. ان العراق‎ ‎دولة ذات سيادة وقانون الحشد الشعبي جعله قوة تابعة للدولة ‏العراقية وتحت‎ ‎سيطرتها، وهذه القوة تدين بالولاء للعراق وشعبه وليس لأية دولة اخرى". ركز ‏على الفقرة الأخيرة من التصريح!‏‎ ‎‏" هذه القوة تدين بالولاء للعراق وشعبه وليس لأية دولة ‏اخرى".‏

في نفس اليوم جاءت تصريحات أخرى تتعارض كليا مع تصريح رئييس الوزراء بشكل يثير ‏القرف والتقزز. فقد صرح نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي (أبو مهدي المهندس وهو الرئيس ‏الحقيقي للحشد الشعبي) في 21/4/2017 أن " الحشد الشعبي جزء اساسي من قوات القدس‎ ‎الايرانية، وأن الاتفاق مع القائد‎ ‎العام  للقوات المسلحة خلال زياراته الروتينية لمنطقة العمليات ‏ومنها زيارة‎ ‎مقر الحشد على الخطوات القادمة لعمليات الحشد، فالحدود‎ ‎السورية اصبحت تحت ‏سيطرتنا وستدخل القوات الايرانية وقواتنا الى العمق‎ ‎السوري". لاحظ انه يتحدث بإسم العراق ‏وإيران!‏

بل أن التحالف الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء أصدر في نفس اليوم أي في 21/4/2017 بيانا ‏جاء فيه " ان على حكومتنا‎ ‎الموقرة اتخاذ كل ما من شانه حفظ استقلال العراق وسيادته، ولجم ‏التدخلات‎ ‎الخارجية في شؤونه الداخلية، والدفاع عن كرامة العراق وايران وحشدها‎ ‎المقدس، ‏مؤكدا " التحالف الشيعي  ومعه ايران يستهجن مثل هذه التصريحات. وان الحشد بكافة تلاوينه ‏هو شرف المرجعية وايران وعزها ورمز‎ ‎مقاومتها". لاحظ أن الحشد الشعبي هو شرف ايران ‏وعزٌها ورمز مقاومتها!‏

وفي نفس اليوم أيضا في 21/4/2017 صرح القيادي في الحزب الديمقراطي‎ ‎الكردستاني (هوشيار زيباري) " ان‎ ‎ايران  هي المسؤولة عن الامن الوطني والعراق دولة بلا ‏سيادة". أي ان تصريح المهندس يتفق مع ما ذكره الرئيس التركي رجب طيب  اردوغان في ‏مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية في في 19/4/2017 " من هؤلاء الحشد الشعبي ومن الذي ‏يدعمهم؟‎ ‎البرلمان العراقي يؤيد الحشد الشعبي ولكن هم منظمة إرهابية بصراحة ويجب‎ ‎النظر إلى ‏من يقف وراءها". ويتفق أيضا مع تصريح الزيباري بقوله أي اوردغان" ان الايرانيين لديهم ‏حساباتهم بخصوص سوريا العراق واليمن ولبنان. يريدون ان يتغلغلوا في‎ ‎هذه المناطق من أجل ‏تشكيل قوة فارسية في المنطقة. هذا أمر له مغزى، علينا‎ ‎ان نفكر فيه جيدا. كما ان إيران تنتهج ‏سياسة انتشار وتوسع فارسية‎ ‎وأصبحت تؤلمنا في العراق مثلا".‏

هذه التصريحات المتعارضة جاءت في يوم واحد فقط!‏

الا لعنة الله على الزعامة والكرسي الذي يتقاتلون عليه ويتشبثون به تشبث ذئب بشاة ضالة، هذا ‏الكرسي الذي يجعل صاحبه اضحكومة أمام الآخرين، ويُسقِط آخر نقطة حياء في جبين الحاكم. ‏صحيح ان الحكم وحب الزعامة أمرا يحبه الجميع حتى أن الماوردي ذكر" حَكَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ أَنَّ ‏عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عُزِلَ عَنْ‎ ‎وِلَايَةٍ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنِّي وَجَدْتهَا حُلْوَةَ‎ ‎الرَّضَاعِ، مَرَّةَ الْفِطَامِ". ‏‏(أدب الدنيا والدين/244)، فهذا صحابي جليل فما بالك بالإنسان العادي! لكن ليس للحد الذي تبيع ‏فيه شرفك وكرامتك عزة نفسك؟

لقد صدق الشاعر:‏

حبّ الرياسة داء لا دواء له‎ ... ‎وقلّما تجد الراضين بالقسم

الرئاسة بحاجة الى القوة والنفوذ وقوة الحجة والصرامة والإنضباط والعدل والحياء، وهذا ما لن ‏تجده في حكومات ما بعد الغزو.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,709,072

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"