الموصل بين حراك إيراني وتغيير ديموغرافي

جهاد بشير

لم تثر جريمة اختطاف الميليشيات 100 شاب نازح من أهالي منطقة الحضر بمحافظة نينوى، أية ردود فعل على المستوى المحلي أو الإقليمي، شأنها كبقية الأحداث والجرائم والانتهاكات التي تجتاح المحافظة عموماً، رغم أن ما يجري هناك يعد أخطر حراك إيراني في المنطقة منذ بضع سنين.

 

ففي الآونة الأخيرة، عكفت قوّات حكومة بغداد وميليشيات إيران المتحالفة معها، على ممارسة إجراءات تغيير ديموغرافي حقيقي في المناطق المحيطة بمدينة الموصل، مستخدمة العديد من الوسائل من بينها التغييب القسري لمئات الشباب ولاسيما النازحون منهم والذين يتشبثون بأمل العودة إلى ديارهم في حال استقرت أوضاع مناطقهم، مما يعني بالمحصلة، أن معركة (تحرير الموصل) تسير باتجاهين أحدهما التدمير التام لبناها التحتية، والآخر إفراغها من كثافتها البشرية بالاعتقالات والقتل والإعدامات الميدانية للرجال النازحين وتعليق مصير عائلاتهم بمستقبل مجهول، سعيًا لإحداث نمط مغاير لطبيعتها السكانية والتمهيد لفرض واقع جديد كان الحديث عنه في السابق نظريًا، ثم بات اليوم يأخذ دوره التطبيقي بوضوح.

وإذا كان الرأي العام الإقليمي والعالمي لاذ بالصمت المخجل تجاه الجرائم المفضوحة التي وُثقت بالصوت والصورة مرارًا، ولم يحرك ساكنًا لتجريم الميليشيات التي ثبت تورطها بجرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية، فلا يُتوقع أن يلقي بالاً لهذا الحراك البطيء الذي يجري بمظلة قانونية وبدعوى (التحرير)، خصوصًا وأن من بين الأدوات التنفيذية لهذا المخطط مجاميع تتبع سياسيين من أهالي المناطق المستهدفة نفسها، رضيت أن تكون وقودًا للنار التي يصطلي بها أهلوهم، مما يعيد إلى الأذهان تبجح أرباب العملية السياسية في وقت سابق بأن مشاركة هؤلاء معهم تعطي شرعية للقوانين والإجراءات التي يتم اتخاذها حتى لو كانت ذات ضرر على المكون الأكبر في البلاد.

إن مجاميع ما يسمى (الحشد العشائري) ـ باعتبارها نسخة مقلّدة لتجربة الصحوات ـ أنموذج جديد يؤكد مرة أخرى على أن السياسيين لا يفرق عندهم أن تُباد مناطقهم ويُشرد أهلها، طالما يجنون مكاسب فئوية ويظفرون بمغانم مادية تتقاسمها أحزابهم، رغم أنها في الحقيقة لا تعد سوى فتات متناثر قياسًا لما يستحوذ عليه شركاؤهم في العملية السياسية ممن يتعامون معهم على أنهم أصحاب درجات أدنى.

وإن مما يؤسف له أن الكثير من أصحاب القرار أو الرأي ما يزال متشبثًا بخيار المشاركة في العملية السياسية، ويحض السنّة على الدخول فيها، وكأن تجربة عقد ونصف ليست كافية لإثبات أن المشاركة هذه فيها مهلكة حقيقية لن تكون مقتصرة على مكون السنّة في العراق كما هو حاصل اليوم، بل تتعدى إلى ما هو أبعد من ذلك بما يفوق التصور والتحليلات التي تتزاحم على صفحات الجرائد وحيطان المواقع الإخبارية.

وبدلاً من الحديث في سياق الرغبات الأمريكية والزعم بأن الانتماء لهذه المنظومة ذات الأساس المعوج، قد يفسح المجال لتعديل البوصلة وتحقيق توازن لن يتحصل مطلقًا، يجدر بالمنظرين من هذا النوع أن يتحلوا بالحكمة ولو لمرة واحدة ويبصروا مآلات التجربة الأولى والنتائج التي أفضت إليها، ليدركوا أنها ستكون وبالاً عليهم بعدما تنتهي من العراقيين ولو بعد حين، فإن الغرب، عبر تاريخه المشهود، لا يحفظ عهداً لخادم ولا يكافئ مطيعاً ابتذل في سبيل تحقيق رغباته.

وفي الوقت الذي ما تزال الأمة مغيّبة، بإرادتها، عن حقيقة أحداث الموصل، ويتعامل أبناؤها مع المشهد وفق ما تنقله وسائل الإعلام الموجّه، فيبنون تصوراتهم وأحكامهم على ضوئه، فإنها أبعد ما تكون عن إدراك الخطر الذي يوشك أن يداهمها بعدما تستولي إيران على كامل الخط الرابط بين العراق وسورية والذي يمر عبر الموصل، لتتحول أحلام نظام طهران من مجرد هلال كان يُراد له أن يحيط بمساحة محددة، إلى دائرة كاملة تطبق على عموم المنطقة.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,692,997

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"