لصقة إرهاب ما بعد "داعش" جاهزة للاستخدام الآن

الصورة: العرب السنة متهمون بالإرهاب دائما، قبل داعش وبعدها.

هيفاء زنكنة

هناك ظاهرة قد تبدو غريبة، حول علاقة "الشراكة" بين النظام العراقي، والادارة الأميركية، تتبدى بأكثف صورها، في شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل، من كل عام.

 

ففي كل عام، خلال الشهرين المذكورين، بالتحديد، تتصاعد حرارة التواصل بين الطرفين، بشكل يذكرنا باللقاءات الدافئة التي سبقت غزو واحتلال العراق عام 2003، حين كان استقبال «المعارضين المظلومين» في البيت الابيض ووزارة الخارجية الأميركية، طقسا ينتهي، عادة، بالتقاط الصور التذكارية الموثقة للحظة إخصاب العدوان والتبشير بولادة « العراق الجديد».

هذه العلاقة الحميمة المعقدة بين الذات الاستعمارية والذات الخانعة المرحبة بالاستعمار، علاقة الحب – الكراهية، الحاجة – النبذ، يعيشها الطرفان، منذ 14 عاما، أما عبر اتصال هاتفي (عن مبعدة) أو باستدعاء رئيس وزراء النظام مع حاشيته إلى واشنطن، للتأكد من بقاء المولود، الهجين، المشوه حيا وللاحتفال بذكرى تفكيك دولة ورسم خارطة جديدة تتماشى مع مصلحة صناعة ألقوة العسكرية الأميركية.

ففي 7 نيسان من العام الحالي، مثلا، مع اقتراب ذكرى غزو بغداد، تلقى العبادي اتصالا هاتفيا من نائب الرئيس الأميركي مايك بنس. الذريعة : لمناقشة سير معركة الموصل والانتصارات المتحققة. تبادل الاثنان التهاني بصدد «الانتصارات المتحققة في الموصل وتطور القدرات القتالية للقوات العراقية». طمأن العبادي « شريكه» قائلا «اننا اقتربنا من تحقيق النصر النهائي».

وامتدت نشوة العبادي يومين بعد المهاتفة فتبجح قائلا في لقاء مع القادة الأمنيين «العالم معجب بانتصارات العراقيين. وان البعض يراها معجزة»!

لم يتساءل أي من الحاضرين بوجوههم المكفهرة عن أي معجزة يتحدث العبادي. فهم يعرفون جيدا، كما يعرف أهالي الضحايا، ان القتلى من كل الجهات يتساقطون بسرعة بحيث لم يعد بالامكان احصاؤهم، ولم تعد المقابر تتسع لاستقبالهم. وان عدد ضحايا قصف « الحلفاء» وصواريخ الجيش وميليشيا الحشد من المدنيين اضعاف ضحايا « الإرهاب».

وهذه حقيقة تؤكدها التقارير الدولية المعنية برصد ضحايا القصف بانواعه، ومن بينها منظمة « الحرب الجوية». اذ قامت قوات التحالف بقصف العراق 11 ألفا و 674 مرة خلال 980 يوما، أي بمعدل اكثر من 10 غارات جوية، يوميا، خلال السنين الثلاث الماضية. شمل القصف مدنا عدة وان تركز على محافظتي الانبار ونينوى. وبلغت كمية القنابل والصواريخ الموجهة في كل من العراق وسوريا 76 ألفا و649 قنبلة وصاروخ.

فهل كان ما يعنيه العبادي، عند حديثه عن اعجاب العالم بالعراقيين هو اعجابه بقدرتهم على تلقي القنابل والصواريخ من اجل سواد عيون تجار السلاح ومن يتقاضى العمولات من ساسة النظام العراقي؟!

واذا ما عدنا بالذاكرة إلى العام الماضي، لوجدنا ان العبادي تلقى، في 8 آذار، اتصالا هاتفيا من نائب الرئيس الأميركي جو بايدن. جرى خلال الاتصال «استعراض التقدم الميداني للقوات العراقية«. وفي 4 نيسان 2015، تم استدعاء العبادي إلى واشنطن، لطمأنة الادارة الأميركية على سلامة « الوليد»!

لم يخيب العبادي أمل الرئيس باراك أوباما. بل رفع من معنوياته مؤكدا ان «العراق حقق انتصارات مهمة، وان كان يواجه هجمة شرسة من الإرهاب الذي يهدد المنطقة والعالم«. موضحا ان العراق يحارب «الإرهاب» بالنيابة عن المنطقة والعالم. فكانت مكافأة العبادي لدفاعه عن أمن أميركا، حتى آخر عراقي، مبلغا قدره 200 مليون دولار. وجاءت المكافأة كخطوة، متعمدة، مهينة لرئيس وزراء بلد غني، كان احد اسباب احتلاله هو ثروته وغناه، ووصلت فيه ميزانيته 110 مليارات دولار أي مجموع ميزانيات أربع دول مجاورة.

برر الرئيس اوباما منح العبادي المبلغ بأنه مساعدة للنازحين. وهي الاكذوبة التي قدمها العبادي في اجتماع القمة العربية في 29 آذار 2017 قائلا «لقد باشرنا وبمساعدة المجتمع الدولي بتنفيذ برنامج اعادة النازحين الذين هجرتهم داعش إلى مدنهم المحررة«، متناسيا انه في 8 آذار 2016، كان قد ذكر الشيء ذاته.

ردا عليه، لنقرأ ما تقوله منسقة منظمة أطباء بلا حدود جيرالدين دوك في 11 نيسان 017: «يقطن مخيم العلم الذي يقع على مقربة من تكريت نحو 8000 شخص، وهناك تتمايل الخيام التي تدفعها الرياح القوية تحت سماء رمادية داكنةٍ كالفولاذ. يرتدي الأطفال صنادل وملابس خفيفة. الناس في وضع صعب للغاية، يتميز المناخ هنا بقسوته، إذ تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر شتاءً في حين تكون الشمس حارقةً خلال الصيف. يعيش الناس في الخيام وينامون على الأرض أو على فرش رقيقة، لقد علق نازحو العراق بين المطرقة والسندان، فظروف المعيشة في المناطق الأكثر أمناً التي يفرون إليها بعيدةٌ كل البعد عن أن تكون الأفضل، كما يصعب عليهم العودة نظراً لاستمرار تدهور الأمن وغياب متطلبات الحياة الأساسية». لذلك نشهد اليوم أن اهالي الموصل يفضلون تفادي اللجوء والبقاء في بيوتهم المهدمة المعرضة للقصف على مهانات المخيمات وتسلط الميليشيات او لصوص قوات السلطة.

في ظل هذه المأساة الإنسانية، وفي ظل تبادل التهاني والتبريكات أو الاكاذيب والتلفيقات بين الادارة الأميركية والنظام العراقي، وفي ظل استشراء قوة الميليشيات المدعومة إيرانيا على الحياة اليومية للمواطنين، والتهديد بانفصال اقليم كردستان، وتصاعد النفوذ الصهيوني، يتم التعامي الكلي محليا ودوليا عن حملات الاعتقال والمداهمة المستمرة التي يتعرض لها المواطنون وطالت في شهر آذار 641 مواطنا بالاضافة إلى 35 حالة قتل رافقت الاعتقالات، حسب قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين.

ويستند الاحصاء بجداوله الدقيقة على بيانات وزارتي الداخلية والدفاع الحاليتين، ولا يشمل الاعتقالات التي تقوم بها وزارة «الأمن الوطني»، ومكاتب مكافحة «الإرهاب»، أو تلك التابعة لمكتب رئيس الحكومة، وهي اعتقالات نوعية يجري التكتم عليها عادة. وكذلك لم يشتمل الإحصاء على الاعتقالات غير المعلنة التي تقوم بها عناصر الصحوات، والميليشيات والأجهزة الأمنية الكردية بمسمياتها المختلفة الأسايش، والباراستن، والزانياري. ترى كيف يبرر الطرفان الأميركي والعراقي الاعتقالات، ومعظمها عشوائي، التي تطال حوالي 20 الف مواطن سنويا أم ان لصقة إرهاب تنظيم ما بعد داعش جاهزة للاستخدام؟

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,360,895

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"