وماذا بعد الاعتراف بجرائم قتل المدنيين؟!

أيمن العاني

منذ 2014، تشن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقوات الحكومة في بغداد والميليشيات الطائفية الموالية لها، قصفا برياً وجوياً عنيفا، مستهدفة أحياء سكنية في عشرات المدن والبلدات شمال العراق وشرقه وغربه.

 

ووفقا لمراكز رصد وتوثيق محلية ودولية، فإن الخسائر البشرية جراء الضربات الجوية وعمليات القصف فادحة، فضلا عن الخسائر المادية الكبيرة، ففي مدينة الموصل، قُتل ما لا يقل عن (16000) مدني، جلهم جراء القصف المتواصل منذ انطلاق العمليات العسكرية لاستعادة المدينة، أي بمعدل (100) مدني في اليوم، ويُرجَّح أن يكون العدد الفعلي للخسائر البشرية أعلى بكثير، نظراً لصعوبة ظروف التوثيق.

ويشير السياق المتكرر للضربات الجوية التي تسفر عن أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين إلى أن استهداف التجمعات المدنية كان متعمدًا ومقصودًا، ناهيك عن عدم الالتزام أصلاً بقواعد التمييز بين المدنيين والمقاتلين.

ولو افترضنا عشوائية تلك الضربات، فإنه من الواضح أن قوات التحالف الدولي والقوات الحكومية قامت بتنفيذ آلاف الغارات الجوية مع العلم المسبق بأثرها الذي ينال من حياة المدنيين، الأمر الذي يجعلها خروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، الذي يعد الأفراد المرتكبين لكذا انتهاكات، عن قصد أو عن غير قصد، مسؤولين عن جرائم حرب واضحة المعالم، لا سيما أن الغارات الجوية التي تقتل مدنيين عمداً أو بشكل عشوائي، أصبحت جزءاً من هجمات ممنهجة ضد السكان المحليين، يمكن أن ترقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية.

ومما لاشك فيه، أن الهجمات التي تستهدف المناطق السكنية تتسبب بخسائر لا يمكن حصرها في أرواح المدنيين، مقارنة بالمكاسب المتحققة على الصعيد العسكري، وهي خروقات صارخة لقوانين الحرب تكررت مشاهدها في أغلب المناطق المستهدفة، الأمر الذي يجعلها هجمات مخططا لها ومتفقا عليها سلفا.

أما من يتنطع بالقول أن اتخاذ مسلحي تنظيم (داعش) المدنيين دروعًا بشرية، كان وراء وقوع هذه الأعداد الكبيرة من الضحايا، فأقول: إن هذا الادعاء- إن كان صادقا- يدين قائله، باعتبار أنه اعتراف ضمني من جانب الجهة التي قامت باستهداف المدنيين مع سبق الإصرار بحجة وجود مسلحي التنظيم بينهم، فضلا عن عدم البحث عن خطط بديلة تتفادى بها الجهة العدوانية وقوع هذا الكم الهائل من الضحايا في كل مرة، ومن المعلوم أن وجود المسلحين بين المدنيين لا ينفي عن المنطقة التي يتواجدون فيها الصفة المدنيّة، فما بالك بمن تعمد استهداف المدنيين وقتلهم بذريعة مكافحة "الإرهاب" وقتل "الإرهابيين"؟!

إن الاعتراف بجرائم قتل المدنيين ينبغي أن يكون له ما بعده في الدول التي تدعي احترام حقوق الإنسان وتتشدق بالدفاع عنها، لا سيما أن إقرار جيش الاحتلال الأمريكي بقتل العراقيين في هجمات متكررة على مراكز صحية وأسواق شعبية وأحياء مكتظة بالسكان في المناطق المستهدفة، حيث شنت طائراته المقاتلة الغارات على مستشفيات عليها علامات واضحة تشير إلى كونها منشآت طبية، وقد خرجت جميع المستشفيات من الخدمة في مدينة الموصل بعد استهدافها وتدمير أجزاء كبيرة منها بحيث لم تَعُد قادرة على تسيير العمل وتقديم الخدمات للجمهور، فضلا عن المصابين والجرحى من المدنيين، ناهيك عن خوف الكوادر الطبية من التواجد فيها أصلا لأنها باتت هدفا للطائرات الحربية الأمريكية.

إن إقرار قيادة التحالف الدولي، لا يفرض التحقق من صحة الاعتراف الجنائي الصادر عنها، ولا يوجب التحقق من صدقه، باعتبار أن الجهة المعترفة بجرائم القتل هي جهة متسلطة بقوة السلاح، لا سيما أن هذا الإقرار مطابق لماديات الجرائم ولحقيقة الأحداث والواقع، وفي هذه الحالة يمكن التعويل على هذا الإقرار لقيمته الإثباتية المكتملة، الأمر الذي يوجب تقديم الجناة إلى القضاء، حيث سيكون جواب المرتكبين بشأن السؤال عما إذا كانوا معترفين بارتكاب الفعل المسند إليهم بالإيجاب، ليصدر الحكم عليهم بغير مناقشة ولا مرافعة.

لقد اعترف جيش الاحتلال الأمريكي مؤخرا بقتل أكثر من (350) مدنيا في غارات جوية نفذتها طائراته الحربية في العراق وسورية منذ 2014، علما أن مراكز رصد دولية قالت: إن عدد المدنيين القتلى الذي اعترفت به قيادة التحالف الدولي لا يمثل سوى 10٪ من الأعداد الفعلية للقتلى من المدنيين جراء ضربات طائرات التحالف الدولي في العراق خلال العام الماضي فقط، وهذا ما أشار إليه تحقيق نشرته صحيفة التايمز في شباط الماضي، حيث أكد أن القيادة المركزية الأمريكية قامت بتضليل الرأي العام في تقييمها للحرب بعدم إدراج آلاف الضربات الجوية للتحالف في العراق على خلفية ما سببته من قتل ودمار.

لقد جمعت عدة منظمات دولية معلومات تدل على تعمّد قوات التحالف الدولي والقوات الحكومية، استهداف المدنيين في العراق بغارات جوية وكذلك بالقصف المدفعي، فضلا عن التدمير الذي لحق بالممتلكات العامة والخاصة، فهل يُعقل أن يكون ثمن "تحرير" المدن هو تدميرها بالكامل واستباحة دماء أهلها، وهل أصبح القصف الاستراتيجي المدمر هو الواجب المنوط بالقوات الحكومية التي تم إعدادها وتأهيلها لتكون الصخرة المنيعة والدرع الحصين لأمن المواطنين والبلد، لا سيما أنه في كل هجمة من هذه الهجمات التي تم توثيقها، لم تتمكن المنظمات من التعرف على أية أهداف عسكرية في الموقع المستهدف أو في محيطه.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,265,689

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"