شرق أوسط يرقص على إيقاع ترمب

جمانة نمّور

رياح التغيير تهب من كل حدب وصوب، تتغلغل نسائمها في مناطق قلما تصل التطورات فيها الى نشرات الاخبار هذه الايام (أميركا اللاتينية مثلا)، وتشتد في مركز العالم الحديث ومحرّكه الاساسي، أي الولايات المتحدة، وتعصف بالاتحاد الاوروبي ودوله، ولو بأشكال مختلفة، من دون إغفال التغييرات التي شهدتها في السنوات الماضية الصين وروسيا واليابان. وإذا كان الحال كذلك هناك، فإن العواصف تتحول الى زوابع وأعاصير في منطقة الشرق الأوسط، التي ما زالت تعيش على صفيح يزداد سخونة يوما بعد يوم.

 

العين على «الامبراطورية الأميركية». رئيس جديد أكمل قبل أيام المئة يوم الاولى من فترة حكمه. لم تكن كافية لتحديد مسار واضح لسياسته الخارجية، ولكنها وضعت عناوين يمكن الانطلاق منها لتلمس تعاطي الادارة الأميركية الجديدة مع ملف الشرق الأوسط المشتعل، من إيران الى سوريا ولبنان، مرورا بالعراق.

انطلق دونالد ترمب منذ حملته الانتخابية من شعار إعادة العظمة والهيبة لأميركا وجعلها الأقوى إقتصاديا.

شعار رنان وجد آذانا صاغية في مرحلة احتد فيها النقاش داخليا حول «أي دور عالمي نريد؟» بين معسكر يدعو الى الانكفاء وعدم الغرق من جديد في حروب وصراعات خارجية بعد الاثمان التي دُفعت في العراق وافغانستان وغيرها، وآخر يرى أن قوة أميركا في حضورها العالمي وإمساكها بخيوط اللعبة عن قرب.

وبين الاثنين غالبية إختارت ما طرحه ترمب: سياسة خارجية نشطة تبقى العسكرة أحد أوجهها، مع العمل على تخفيض أثمان ومخاطر الدور الأميركي العالمي. طرح قُدّم من دون خارطة طريق لامكانية تطبيقه، ووضع الادارة الجديدة في مأزق. مجلة(«ذا اتلنتك» عدد مايو ٢٠١٧ مقالة لستيفان سيستانوفيتش عن عدم اتساق سياسة ترمب الخارجية).

يتمثل المأزق الذي تجد الادارة الأميركية نفسها فيه، في استحالة المزاوجة منطقيا بين تأمين الخبرات والموارد والنفقات اللازمة للابقاء على حالة جهوزية كاملة تقتضيها الديبلوماسية النشطة الفعالة الموعودة، وتخفيض النفقات والديبلوماسية الهادئة، التي تقتضيها محاولة تقليل الاثمان ومخاطر الدور مع العمل على تنفيذ وعود تأمين الرخاء والاستقرار الداخلي. معضلة خلقت حالة من التخبط لم تقتصر على تصريحات بعض مسؤولي الادارة، بل وصلت ايضا الى نقاشات النخبة الأميركية في الصحف والمواقع، من دون تقديم تفسير منطقي عن إمكانية المزاوجة بين النهجين. ببساطة: هل يتمكّن ترمب من استخدام قبضة حديدية بقفازات من حرير؟

الخروج من عنق الزجاجة والتحديات الاقتصادية الداخلية، سيدفع ترمب بحسب مراقبين، الى افتعال، أو تسعير، أزمات وحروب تُنّشط قطاع بيع الأسلحة الأميركية. ويذكّرون هنا بأن دخول الولايات المتحدة الأميركية في الحرب العالمية الثانية، هو الذي أنقذها من أزمة الكساد الكبير في حينه، وأن هذا الأمر كان أحد أهم الدوافع لدخولها الحرب في الأصل.

ما يعزّز هذه النظرية على أرض الواقع، قيام الادارة الأميركية بزيادة نفقاتها على الدفاع، إذ بلغت قيمة الزيادة في الموازنة العسكرية أربعة وخمسين مليار دولار. زيادة تشكل بالمناسبة كامل موازنة روسيا الدفاعية. هنا يصبح التساؤل: أي الجبهات هي الأكثر قابلية أو ترجيحاً للاشتعال؟

 

ثلاثة احتمالات

إنشغلت التقارير والتحليلات في رسم سيناريوات محتملة لمواجهات أو ضربات عسكرية قد تقوم بها الولايات المتحدة، ركّزت بمجملها على الصين، كوريا الشمالية وإيران. إحتمال أن يشهد بحر الصين احتكاكات قد تصل الى مواجهة كان، وما زال، قائما إذا ما حصلت تعقيدات بين البلدين في ما يتعلق بملفات التجارة وتايوان. إلا أن الأجواء الايجابية التي خيّمت على قمة فلوريدا التي جمعت الرئيسين، بعدما تراجع ترمب عن مواقف نارية أطلقها خلال حملته الانتخابية، وتأييده «سياسة الصين الواحدة»، خفّفت من حدة الاحتقان، وقلّلت من نسبة حدوث تصعيد على الارض، في المدى القريب على الأقل، الا إذا حصلت مفاجآت.

الساحة الثانية لاحتمال المواجهة العسكرية هي كوريا الشمالية، حيث نشرت الادارة الأميركية الجديدة قبالتها نظام صواريخ دفاعية متقدمة. إلا أن الملف على ما يبدو سلك، رغم تلك الخطوة التصعيدية على الأرض، طريق الديبلوماسية. إذ أعلنت الولايات المتحدة عزمها تشديد العقوبات على بيونغ يانغ من أجل انهاء برنامجها النووي والصاروخي، وقالت في بيان صادر عن وزيري الخارجية والدفاع، انها منفتحة على خوض مفاوضات بهذا الشأن، مع الاشارة الى مواصلة الجهود الديبلوماسية مع الحلفاء والشركاء في المنطقة. (في اشارة ضمنية الى الصين). ولكن تبقى الطريق أمام تلك الجهود مليئة بالألغام خاصة في ظل الإصرار الكوري الشمالي على إجراء تجارب إطلاق صواريخ باليستية، والاحتفاظ بترسانة تشكّل تهديداً مباشراً لليابان وكوريا الجنوبية حيث ينتشر حوالى ثلاثين ألف جندي أميركي. وما يفاقم احتمال التصادم، وجود رئيسين مستعدين للمغامرة في أي وقت. (ترمب وكيم جونغ أون).

الاحتمال الثالث، وقد يكون الأقرب الى الحدوث، مواجهة مرتقبة مع إيران، وتصعيد متوقع في الشرق الأوسط. ما يعزز هذا الاحتمال، هو الاهتمام الذي تحظى به المنطقة على جدول أعمال إدارة ترمب، على عكس ما كان يجري في عهد أوباما الذي يمّم وجهه نحو «الباسفيك»، وترك فراغا أميركيا حاولت روسيا وأطراف إقليمية الاستفادة منه. ولعل أبرز إشارة الى الأولوية التي يحظى بها ملف الشرق الاوسط أميركيا هذه الأيام، هي نية ترمب أن تكون المنطقة الوجهة الأولى له في زيارة خارجية، ستأتي قبيل مشاركته في مؤتمر الحلف الأطلسي في بروكسيل في الخامس والعشرين من أيار، والقمة المقررة لقادة الدول السبع بعدها بيومين.

الاهتمام بالمنطقة كان بدا جليا أيضاً في رسالة وجّهها الرئيس الأميركي بصواريخ «التوماهوك»، الى الأسد، وعبره الى حلفاء النظام السوري، الروس والايرانيين. تلا ذلك زيارة قام بها وزير دفاعه جايمس ماتيس حيث حط الرحال في الرياض والقاهرة. وقد كان لافتا حجم الانتقادات والهجوم الكلامي على طهران، الذي صدر عن ماتيس، وعن وزير الخارجية ريكس تيلليرسون الذي زار موسكو بعيد الضربة. كلام اتهم إيران برعاية الارهاب، ووصف أعمالها «بالاستفزازية التي تشكل تهديدا للولايات المتحدة والعالم». فيما كانت نيكي هايلي، سفيرة أميركا في الأمم المتحدة، تردّد صدى التصعيد، وتدعو مجلس الامن الى التركيز على ما وصفته «بالتصرّف اللاقانوني والخطير لإيران وحليفها حزب الله».

ومع هذه المواقف وما وصفه البعض بالاندفاعة الأميركية نحو المواجهة، تخطّى المحللون فرضية إمكانية التصعيد بين واشنطن وطهران، وحل محلها التساؤل عن الحد الذي يمكن ان يصل اليه هذا التصعيد، وهل تكون المواجهة المرتقبة مباشرة أم بالواسطة؟ وعلى أي ساحة يمكن أن تحصل، امتدادا من اليمن الى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا.

احتمال مواجهة مباشرة بين الطرفين، رغم استبعاده، يبقى واردا في ظل إدارة لم تتحدد ملامح سياستها الخارجية بالكامل بعد، ورئيس يرى البعض انه فك ارتباطه منذ البداية بالنهج المتعارف عليه تقليديا حين اتسمت تصريحاته بالاستفزاز والتهديد والوعيد، فيما رأت صحيفة «النيويورك تايمز» في أحد مقالاتها ( البحث عن مشاكل مع إيران، ٢٤ نيسان ٢٠١٧)، أن تصريحات ترمب المتعلقة بإيران تُذكّر بنسق تصريحات رؤساء أميركيين سابقين، حين كانوا يُحضّرون الأرضية لعمل عسكري ما (العراق مثالاً).

بالتزامن، مررت وسيلة اعلامية محلية «إذاعة أميركا» خبراً على لسان جهة ايرانية معارضة، قالت انها تملك أدلّة على خرق ايراني للاتفاق النووي عبر تصنيع أسلحة نووية في موقع «بارشين» غير الخاضع للرقابة الدولية. إلا أن الخبر بقي أسير تلك الوسيلة الاعلامية ولم يتم تناقله. وبالتزامن أيضا، مر خبر عن قيام سفينة ايرانية بفتح النار على قارب خفر سواحل إماراتي، ما أدى إلى مصرع أحد جنوده، مرور الكرام. عدم تسليط الضوء على الخبرين الآنفين، يؤشر إلى أن إدارة ترمب لا تنوي، أو لم تتخذ قرارا، حتى الساعة على الأقل، بمواجهة مباشرة مع إيران. وحتى عندما تعلّق الأمر بالاتفاق النووي، فان كلام الوعود الانتخابية محته براغماتية الحكم.

ما تقدّم لا يعني بأي حال من الأحوال اتجاها نحو التهدئة، العكس قد يكون الصحيح. الادارة الأميركية أبقت على الاتفاق النووي الإيراني، وأعلنت التزام إيران بتطبيق بنوده، إلا أن تصريحاتها النارية ركّزت على الوجه الآخر من العملة، ألا وهو النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، مع مؤشرات على نية بتقليم أظافره. هنا زحمة رسائل متبادلة، بشكل مباشر وغير مباشر.

 

ميزان قوى جديد

باكورة تلك الرسائل كانت قرار ترمب بتوجيه ضربة بين ليلة وضحاها بصواريخ «التوماهوك» الى مطار الشعيرات، رداً على استخدام الأسد للاسلحة الكيميائية في خان شيخون، كما أعلن. في الوقت الذي حمّل فيه وزير خارجيته موسكو قبيل زيارتها بساعات، مسؤولية عدم تخلُّص النظام من ترسانة اسلحته الكيميائية، طبقا لاتفاق تم التوصل اليه مع ادارة أوباما سابقا. مضيفا ألا مكان للأسد وعائلته في مستقبل سوريا. تطورات ألغت بشحطة قلم، موقفا سابقا لترمب لم يُمانع بقاء الأسد، وأعادت الأمور الى أبعد من المربع الأول. إذ أصبحنا أمام إدارة أميركية تطالب بإزاحة الأسد بعد توجيهها ضربة عسكرية لنظامه ولو كانت محدودة. والرسالة هنا لا تقتصر على الاسد وروسيا، بل تصل أيضا الى الجمهورية الاسلامية الإيرانية، التي ربطت مصيرها في السنوات الأخيرة بمصير الأسد ونظامه وقالت صراحة إنها تحارب في سوريا حتى لا تسقط طهران، من دون إغفال الاشارة الى مليارات الدولارات التي دفعتها هناك وما زالت.

رسالة ثانية من نوع آخر مسرحها المملكة العربية السعودية التي زارها ماتيس (وتكررت في مصر). في الرياض، أعرب الامير محمد بن سلمان ولي ولي العهد لديفيد أغناطيوس (الواشنطن تايمز) عن تفاؤله بقدرة ترمب على «إعادة الأمور الى مسارها الصحيح مع حلفاء واشنطن في المنطقة». تفاؤل في محله. فبعد أن كانت العلاقات قد وصلت إبان حكم أوباما الى برودة غير مسبوقة بين البلدين، بل حتى صدام في بعض المواقف، ها هو الدفء يعود اليها، مترافقا مع دعوات أميركية الى المزيد من التنسيق وتحسين العلاقات بين المملكة ومصر والعراق. دفء يهدف بحسب أحد تقارير مؤسسة «ستراتفور»، إلى «ترجيح كفة المعسكر السّني في المنطقة ودعمه، بهدف مواجهة إيران من خلال معارك بالواسطة في سوريا واليمن والعراق». وفي السياق، كان لافتا تصريح أطلقه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير من موسكو قال فيه «ألا مكان لميليشيا حزب الله في أي مكان في العالم، سنعمل على وضع حد لتدخلات إيران في المنطقة».

الخبير العسكري العميد خالد حمادة التقى في تحليل له قبل أيام مع نظرية ترجيح كفة المعسكر السني في المنطقة، شارحا ترجمتها على الأرض. متحدثا عن دينامية متسارعة للتحالفات والتغييرات على ما أسماها بالجغرافيا العربية ــ الفارسية ــ التركية والممرات المائية المحيطة بها، تُنبئ بميزان قوى جديد، تحيط معه الاطراف المتحالفة مع الولايات المتحدة بشبه الجزيرة العربية من البحر الأحمر الى المتوسط عبر مصر، مُشكّلة طوقا حول سوريا عبر الاردن فالحدود السورية العراقية وصولا الى تركيا في الشمال. طوق تبدو معه منطقة النفوذ الروسية «كبقعة زيت تطفو فوق البحر الأميركي». (وطن تائه في شرق أوسط متغير، اللواء، ٢٥ نيسان ٢٠١٧).

أما تقرير «ستراتفور»، فقد أشار أيضا إلى توقع «فرض عقوبات جديدة على إيران بعيدة عن الاتفاق النووي، تكون متعلقة هذه المرة بحقوق الانسان ورعاية الإرهاب»، وفي ذلك رسالة من نوع ثالث.

أجواء فرض هذه العقوبات التي ستكون مؤلمة جدا إقتصاديا، ليس فقط على إيران، بل على أذرعتها في المنطقة، وبشكل خاص على «حزب الله»، يؤكدها أحد المسؤولين المطلعين، الذي أشار إلى قرار أميركي بشن حرب اقتصادية على الحزب، متحدثاً عن نيّة لضربه «كيفما أتت الضربة». واللافت أيضا في هذا السياق ما يُنقل عن أن الكونغرس الأميركي مصّر على أن تطال العقوبات هذه المرة «البيئة الحاضنة لحزب الله»، بما فيها شخصيات من حركة «أمل». الملفت هنا أن العقوبات لم تنجح يوما في دفع إيران الى التخلي عن نفوذها في المنطقة، بل على العكس من ذلك، لقد نمت قوة «حزب الله» وتضاعفت مرات ومرات في ظل العقوبات التي كانت مفروضة في السابق على الجمهورية الإسلامية، وكذلك الأمر بالنسبة الى قوات «الحشد الشعبي»، فعلامَ الرهان هذه المرة؟

 

قراءات لبنانية

مع استبعاد الكثير من المحللين نية ضرب إيران عسكريا بشكل مباشر، يستبعد الوزير السابق الدكتور محمد عبدالحميد بيضون ضرب أذرعتها في اليمن أو البحرين، مرجحا أن يكون «حزب الله» هو الهدف المنطقي. وهو يشبّه المرحلة الآن بتلك التي سبقت العدوان الإسرائيلي على لبنان عام ٢٠٠٦. ويشير في هذا السياق الى «العراضة أو الاستعراض الاعلامي الميليشيوي» على الحدود الجنوبية قائلا إنه رسالة الى العالم بان السيادة هناك هي للحزب، وبالتالي لايران، وهو بذلك يُعرّض لبنان الى مخاطر حرب حقيقية ومدمرة، من أجل تذكير الأميركيين أن المرشد ما زال يملك الأوراق في المنطقة، وانه لن يتراجع في سوريا أو غيرها. وعن احتمالات حدوث تلك الحرب، يرى بيضون ان ذلك يعتمد على نتائج الانتخابات الايرانية، فاذا تمكنت الموجة الشعبية من إيصال روحاني مجددا الى الرئاسة، يصبح تجنُّب التصعيد ممكنا. وعن الجولة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في الجنوب بعيد عراضة «حزب الله» يقول بيضون، «كانت خطوة شجاعة قد تكون من أهم ما قام به الرئيس الحريري خلال حكومته»، متمنياً استكمالها.

مصدر مقرّب من قوى الثامن من آذار رأى في زيارة الحريري رسائل في أكثر من اتجاه، نافيا أن تكون قد أزعجت «حزب الله»، ذلك ان عنوانها الاساسي هو الحرص على استقرار الوضع في الجنوب، مثمّناً زيارة هي الأولى لرئيس حكومة منذ سنوات طويلة لمنطقة يعيش أهلها على خطوط المواجهة. يُذكر أن الحريري كان وجّه من خلال زيارته «رسالة قوية وواضحة الى اللبنانيين والمجتمع الدولي مفادها أن الدولة هي المرجعية السياسية والامنية الوحيدة على الاراضي اللبنانية كافة (كتلة«المستقبل»)». وهو دعا الى تحويل وقف الاعتداءات الى وقف دائم لاطلاق النار، وفقا للقرار ١٧٠١ لتجنيب لبنان حرب مدمرة».

السؤال الذي يُطرح: إذا ما كانت الرسائل المتبادلة مؤشرا على مواجهة قادمة، بين من ومن ستكون، وعلى أي أرض أو ساحة؟

قد لا تكون الاجابة عن ذلك جاهزة، (إلا عند الإدارة الأميركية ربما) غير أن أكثر من سيناريو يبقى واردا. بينها، أن تعطي الولايات المتحدة الضوء الأخضر لحليفتها إسرائيل بتوجيه ضربة الى امتدادات إيران في المنطقة، فيما تكتفي هي بخنقها اقتصاديا. إلا أن ضربة من هذا النوع قد لا يكون الجنوب اللبناني هو شرارتها أو ساحتها، بحسب شخصية ديبلوماسية استبعدت حدوث تصعيد عسكري في لبنان. الشخصية رأت ألا مصلحة لدى الجانبين في شن حرب لن يتمكن أي منهما من الانتصار فيها. أما لدى سؤاله عن إمكانية حدوث المواجهة في الجولان، فقال:«هناك موضوع آخر».

في تقرير (إسرائيلي) نُشر أواخر العام الماضي تحت عنوان «الحرب الثالثة على لبنان ستكون الأخيرة» شرح مفصل لقدرة«حزب الله» العسكرية، وسيناريو واضح لما يمكن أن تكون عليه أي ضربة (إسرائيلية) على لبنان، لن تُبقي ولن تُذر، وقد تُكبّد لبنان عشرات الآلاف من الارواح في اللحظات الأولى.

يرى التقرير أن قرار الحزب ليس بيده وأن«إيران هي من يُحرّك خيوط اللعبة وليس نصرالله»، ويتابع «أنها مستعدة للتضحية بلبنان وشعبه لتُدمر (إسرائيل)، وهذا أمر لا بد أن يكون له عواقب». من هنا يمكن تخيّل حجم العملية العسكرية التي يمكن أن تحدث إذا ما اتُخذ فيها القرار. قرار يبدو الحذر معه وكأنه ما زال سيد الموقف. لكن أن تكون الضربة موجهة الى لبنان بشكل مباشر شيء، وأن يعاني لبنان من تداعيات مواجهة قرب حدوده، ولو انتقلت اليه شظاياها شيء آخر، هنا سيناريو آخر تكون فيه سوريا هي الساحة الأساس.

قد تكون الساحة السورية هي الأكثر ملائمة«لاستعراض العضلات العسكرية «هذه الأيام. معظم أطراف الصراع لها وجود مباشر أو غير مباشر هناك، ولها القدرة على التأثير والمجابهة، إن كان على الأرض أو في الجو.

وحتى الضربات (الاسرائيلية) لحزب الله وامداداته العسكرية أضحت تحصل هذه الأيام فوق الأراضي السورية. وقد نشرت صحيفة «اسرائيل اليوم» تقريرا عن أبرز التحديات الامنية في المنطقة الحدودية مع لبنان وسوريا رأت فيه» أن التهديد الأكبر الذي تلوّح به طهران هو جبهة الجولان». بالطبع، فان تلك الجبهة ليست بعيدة أبدا عن الحدود اللبنانية، بل أن منطقة البقاع الغربي ملاصقة لها تماما، وفيها امتداد لأي مواجهة، لا أحد يدري إن بدأت هناك إلى أي مدى يمكن أن تصل. وفيما يتعلق بهذه الجبهة، أطلق وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان تحذيرات تشير الى أن«إسرائىل لن تسمح بتمركز القوات الايرانية وحزب الله عند حدود الجولان»، في ظل تقارير أشارت الى تقدم لتلك القوات في القنيطرة.

في سوريا أيضا جبهة أخرى قد تتوسع لتلتقي مع الجبهة الآنفة الذكر، الا وهي جبهة الجنوب السوري التي كثر الحديث عنها مؤخرا. وعلى تلك الجبهة أيضا رسائل ورسائل متبادلة، من تعزيزات أميركية - بريطانية - أردنية، إلى قيام طائرات عراقية بغارات على منطقة البوكمال، على الحدود العراقية. انه المثلث الحدودي السوري- العراقي- الاردني، وقد يشهد تصعيدا ومواجهات في الأيام المقبلة قد تتحول كرة نار يتم تقاذفها مع مثلث حدودي آخر هو المثلث السوري- اللبناني- الفلسطيني. من دون إغفال معارك الانبار والرقة.

أن يعيش الشرق الأوسط أجواء توتر تصّم فيها طبول الحرب الآذان، ليس بالشيء الجديد. الجديد هذه المرة هو الخوف من أن تتحول حروب الواسطة، التي يطلُ تفاقمها برأسه من أكثر من حدب وصوب، إلى حروب إقليمية مباشرة. خلال عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، تركت أميركا فراغا في المنطقة خلق وقتا ضائعا رقص الدُب الروسي كثيرا على إيقاعه، وسمح لايران بتغلغل أكبر في المنطقة، عندما حاول أن يُرسّخ لعبة توازن إقليمي هي على ما يبدو إحدى أولى ضحايا عهد دونالد ترمب، الذي يرجح كما ذكرنا آنفا كفة معسكر على آخر. المخيف في الموضوع، أن الانسحاب الأميركي في السنوات الماضية راكم عناصر الصراع، وساهم بتقوية بعض أطرافه، بشكل جعل المنطقة كلها في جهوزية تامة لانفجار كبير، يصبح السؤال معه ليس عن إمكانية الحدوث، بل أين ومتى وكيف؟ إنفجار تملك مفاتيحه إدارة أميركية جديدة أثبتت حتى الآن نزعة نحو المغامرة، ويعتمد على رد فعل روسي يبدو جاهزا لدفع الامور حتى حافة الهاوية، إن لم يكن القفز عنها. وعلى رقعة الشطرنج أطراف إقليمية أضحت جميعها على طاولة التشريح.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,790,244

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"