هل انتهى الدور الإيراني في المنطقة؟

فيصل القاسم

كل الدول حتى العظمى منها هي دول وظيفية بالنسبة لأميركا. وإذا كان الأميركيون يوظفون دولة كبرى كروسيا كشرطي جديد في الشرق الأوسط، فمن الطبيعي أن كل الأدوار التي أدتها إيران على مدى العقدين الماضيين في المنطقة كانت بضوء أخضر أميركي.

 

من السخف الاعتقاد أن إيران نافست أميركا على النفوذ في العراق، فلولا المباركة الأميركية للتدخل الإيراني في بلاد الرافدين لما حلمت إيران بالهيمنة على بغداد. وكذلك الأمر في سوريا ولبنان.

من هو المغفل الذي سيصدق أن إيران وصلت إلى الجولان على حدود (إسرائيل) مع سوريا بدون ضوء أخضر أميركي و (إسرائيلي)؟ هل كان قاسم سليماني وشركاه ليتجولوا في القنيطرة وبعض مناطق حوران على مرمى حجر من (إسرائيل) لو لم يحصلوا على إيماءة (إسرائيلية)؟ هل كانت الميليشيات الإيرانية العراقية واللبنانية تحلم بدخول الأراضي السورية لولا الموافقة (الإسرائيلية) والأميركية ثانياً؟!

بالطبع لا.

وكذلك في اليمن المحاذي للقواعد الأميركية في الخليج.

لقد تحركت إيران في عموم المنطقة بناء على التوجيهات الأميركية وليس بناء على المشروع الإيراني المزعوم. وحتى لو كان هناك مشروع إيراني في المنطقة فعلاً، فهو مستمر بمباركة أميركية أولاً وأخيراً، ولا شك أنه سينتهي عندما ترى أميركا أنه استنفد مهامه الموكلة إليه. باختصار، فإن كل ما فعلته إيران في المنطقة على مدى السنوات الماضية كان دوراً وظيفياً أسندته لها أميركا لفترة محدودة تخدم المشاريع الأميركية و (الإسرائيلية) في المنطقة، ويبدو الآن أن المهمة الأميركية في الشرق الأوسط أوشكت على الانتهاء بدليل أن الرئيس الأميركي الجديد بدأ ولايته الرئاسية بالتحريض على إيران وتقليم أظافرها في المنطقة واعتبارها أكبر خطر إرهابي يهدد العالم.

هكذا يتصرف الأميركيون عادة مع أدواتهم يتركونها تتحرك طالما هي تخدم المشروع الأميركي، لكن عندما يرون أنها استنفدت دورها ينقلبون عليها كما فعلوا مع الجماعات الجهادية من قبل في أفغانستان، حيث كان الأميركيون يعتبرون المجاهدين مقاتلين من أجل الحرية عندما كانوا يواجهون الخطر الشيوعي، لكن عندما زال الخطر الشيوعي تحول المجاهدون في نظر أميركا إلى إرهابيين لا بد من ملاحقتهم وسحقهم في كل أنحاء العالم.

ويجادل الكاتب ماجد كيالي أنه "لا يمكن إحالة صعود نفوذ إيران في المشرق العربي إلى قوتها العسكرية، إذ إنها أخفقت في حربها مع العراق (1980ـ1988)، ولا إلى قوتها الاقتصادية، إذ ثمة دول إسلامية- مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا- أكفأ منها وأفضل اقتصادياً، ولا إلى نموذجها في الحكم، إذ هي دولة دينية طائفية ومذهبية منذ قيامها (1979) وفق وصفة الولي الفقيه.. ولا شك أن العامل الرئيسي الذي مكَّن إيران من التغلغل في المنطقة هو قيام الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق واحتلاله عام 2003، والذي تم بالتوافق مع حكام طهران مثلما حصل في الغزو الأميركي لأفغانستان 2001".

بعبارة أخرى، كان ثمة عوائد أميركية- وتالياً (إسرائيلية) من السماح لإيران بالتدخل في المنطقة – أهم وأكبر وأعمق تأثيراً من ضرر تلك الادعاءات أو تلك المقاومة.

ويضيف كيالي "لقد ثبت في ميدان التجربة- وليس فقط بالتحليل السياسي- أن ذلك السماح الأميركي و (الإسرائيلي) كانت غايته تحديداً استدراج إيران للتورط والاستنزاف في البلدان المذكورة، وتالياً توظيف هذا التورط في تقويض بنية الدولة والمجتمع في بلدان المشرق العربي، الأمر الذي قدم خدمة كبيرة لـ(إسرائيل)، ففي المحصلة، أدت السياسات التي انتهجتها إيران في المنطقة إلى إثارة النعرة الطائفية المذهبية، وشق وحدة مجتمعات المشرق العربي بين "شيعة" و "سنة"، وإضعافها وزعزعة استقرار دولها، وهو الأمر الذي لم تستطعه (إسرائيل) منذ قيامها…..

والأهم من ذلك أنها استطاعت- عبر تلك الإستراتيجية- إفقاد إيران نقاط قوتها بكشـف تغطيها بالقضية الفلسطينية، وفضح مكانتها كدولة دينية ومذهبية وطائفية في المنطقة، بعد أن استنفدت دورها في تقويض وحدة مجتمعات المشرق العربي، وإثـارة النـزعة الطائفية المـذهبية بين السنّة والشيعة، إذ لم يعد أحد ينظر لإيران باعتبارها دولة مناهضة لـ(إسرائيل)، أو كدولة يجدر الاحتذاء بها.

وفوق ذلك، نجحت الولايات المتحدة في تأمين بيئة إقليمية آمنة لـ(إسرائيل) عقودا من الزمن، بعد تفكّك الدولة والمجتمع وخـرابهما في أهـم دولتين في المشرق العربي، أي في سوريا والعراق".

لاحظوا كيف انقلب الرئيس الأميركي الجديد على سياسة أوباما تجاه إيران، وفي واقع الأمر هو ليس انقلاباً بقدر ما هو مرحلة أميركية جديدة للتعامل مع إيران بعد أن أدت مهمتها. وتأتي زيارة ترمب إلى السعودية واجتماعه مع ستة عشر زعيماً عربياً وإسلامياً في إطار الخطة الأميركية الجديدة للتعامل مع إيران وإعادتها إلى حجمها الطبيعي.

هل نجح الأميركيون في توريط إيران في المستنقعات العربية كما نجحوا من قبل في توريطها في الحرب مع صدام حسين؟ لو فعلاً بدأ الأميركيون و(الإسرائيليون) العمل على قص أجنحة إيران في المنطقة، فهذا يعني حتماً أن الإيرانيين بلعوا الطعم الأميركي مرتين، الأولى عندما خاضوا حرباً ضد العراق لثمان سنوات، والثانية عندما تغلغلوا في سوريا ولبنان واليمن وتبجحوا باحتلال أربع عواصم عربية.

وعلى ما يبدو، فإن تحجيم إيران ليس مطلبا أميركيا و (إسرائيليا) فقط، بل بات مطلباً دوليا وإقليمياً حسب كيالي، فهو يتوافق مع رغبة روسية وتركية أيضاً، لا سيما أن روسيا تعتبر سوريا ورقة في يدها، لا في يد إيران التي تنافسها على ذلك.

باختصار ليس هناك دول مقدسة في المفهوم الأميركي، فالجميع بما فيهم إيران مجرد أدوات وظيفية تؤدي دورها حسب المصلحة الأميركية ثم تتنحى جانباً. فهل انتهى الدور الإيراني في المنطقة يا ترى، أم أن الأميركيين مازالوا قادرين على استغلال البعبع الإيراني لتحقيق مزيد من الأهــــداف قبل أن يقصوا أجنحته تماماً؟

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,553

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"