الحكومات البديلة في العراق

مثنى عبدالله

عندما يتحول بلد ما الى مجموعة كونتونات عرقية وطائفية وإثنية، فإن القوى الوجاهية في هذه التصنيفات تتبنى فرضية القوة كعامل ردع للآخرين، وغالبًا ما يأتي اكتساب القوة من الفضاء الاقليمي المتناغم مع هذه الهويات. هذه الحالة باتت مزمنة في العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم.

 

فالنظام السياسي الذي ولد في أحضان الغزو وترعرع بالاحتلال هو نظام منقسم على ذاته، وهذا الانقسام يدعو الآخرين الى التدخل، لأنه حوّل الشعب الواحد الى جاليات وباتت البلدان المجاورة تتدخل بحجة حماية هدا المكون وذاك، بعد أن ضغط الزعماء الذين تصدروا المشهد على نبذ الهوية الوطنية. وقد تجذرت هذه الحالة بمرور السنين، خاصة وأن القضية العراقية تم تدويلها وأقلمتها منذ الغزو ولم تعد قضية وطنية أو قومية.

ولان الطبقة الكنتونية للنظام السياسي العراقي تتطلب إيجاد قوة حامية خارجية، فإن القوى الطائفية والعرقية والاثنية ذهبت تسابق النظام نفسه في طلب الحماية من دول الجوار، وبالتالي فقد سقط منطق الدولة صاحبة الاحتكار والاستخدام الشرعي للقوة حسب تعريف علم السياسة، ولم يعد أي من سكان إقليم الدولة العراقية مُقتنعاً بأن هذا الكيان هو دولتهم.

انعدام القناعة هذه أفقد كل من يتربع على عرش السلطة الحق في فرض القانون، وبات كائن من كان في قمة هرم السلطة مُجرداً من الشرعية حتى لو امتلات له صناديق الاقتراع بالاصوات، خاصة وأن الانتخابات هي نفسها فشلت في تعريف الدولة العراقية وهويتها وشكل الحكم فيها. هنا برزت قوى في المجتمع قادرة على التحدي وسلاحها ومنطقها هو عدم الاقتناع بالدولة، كما وقفت الدولة عاجزة تماماً عن الفعل ضد هذا الاتجاه، لانه حتى في حالة استخدامها للقوة المادية في تثبيت وضعها، فإن هذا النوع من القوة يحقق الإخضاع لكنه لا يحقق الإقناع، والفرق كبير جداً بين المفهومين. لذلك لم يستطع أي رئيس وزراء من تحقيق القناعة الشعبية بالدولة العراقية منذ العام 2003 وحتى اليوم. وقد تعاقب على هذا المنصب حتى الآن أربعة شخصيات تحقق لهم كلهم الدعم الأميركي والايراني، لكنهم جميعاً فشلوا فشلاً ذريعاً في أن يكونوا هم الحاكم الفعلي للبلاد. هذه الحال ساعدت على إنعاش ظاهرة الخروج على السلطات والاستهزاء بها وتحديها، وتكوين كيانات بديلة عن الحكومة، وقوانين خاصة بها بديلة عن القانون العام المتعارف عليه، وأعلام ورايات وشعارات خاصة بكل فصيل وميليشيا وعصابة. حتى بات المؤتمر الصحافي الأسبوعي لرئيس الوزراء الحالي والسابق ومن سبقهما، مناسبة لإعلان الشكوى من هذه القوى، والافصاح دون خجل عن عدم القدرة على اتخاذ القرارات، وأن أي مراقب محايد يستطيع أن يحصي تحذيرات رئيس الوزراء الحالي لهذه الجهة أو تلك عن الافعال المنافية للقانون، بينما ترد هذه الجهات عليه مباشرة بتصرفات وسلوكيات وممارسات أكثر تحدياً، في حين يقف عاجزاً حتى عن تسميتها.

إننا أمام صناعة بؤر ساخنة يومياً في العراق، وهذه البؤر دائماً ما تُحاط بالقداسة والتبريكات الدينية، من أجل خلق حالة من الرعب تدفع الآخرين للتسليم والقبول بالأمر الواقع. إنه نزاع موجّه تديره قوى دولية وإقليمية لتحقيق مصالحها من خلال تحفيز الشارع بالميليشيات والعصابات المنظمة، التي تؤثر على هذا الطرف الاجتماعي وذاك فتأمر وتُطاع، وتصبح سلطة في ظل عدم قدرة السلطة الحالية في إطارها السياسي على التأثير الجمعي. حتى باتت سلطة الفقيه والشيخ القبلي والزعيم الميليشياوي وعصابات الفساد المالي ذات سطوة وهيبة تأمر فتطاع. وما يجري في محافظة البصرة هذه الايام خير دليل على قوة هذه السلطات مقابل ضعف الحكومة. فالنزاعات العشائرية باتت تجري بالاسلحة الثقيلة والمتوسطة وضمنها الصواريخ الموجهة. وكل طرف بات ينصب سيطرات على الطريق العام يفتش الهويات الشخصية للمارة، للامساك بالافراد الذين ينتمون الى العشيرة الاخرى ويتم قتلهم.

مما حدا برئيس الوزراء للقيام بزيارة سريعة الى المحافظة، والتوجيه بإرسال القوات الخاصة لفض النزاعات العشائرية فيها.

فيما أكد أن هنالك جهات تتعمد إثارة النزاعات العشائرية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية من وراء ذلك، بينما وصف أحد أعضاء الحكومة المحلية في البصرة الوضع بأنه أشبه بحالة حرب. كما تتغول عصابات المخدرات وتوسع نشاطاتها وأسواقها، في حين يتراجع الجهد الامني من التصدي لها بسبب الخوف من القانون العشائري، الذي يُجرّم رجل الامن الذي يلقي القبض على أحدهم وبالتالي يصبح مجبراً على دفع الفصل العشائري المالي. أسوة بما يحصل مع الاطباء إن مات مريض أثناء العملية الجراحية التي يجرونها لانقاذ حياته، أو للقاضي الذي يحكم بالعدل في قضية جنائية أو جنحة.

فهل يُعقل أن آمر وحدة عسكرية يضع وحدته في خدمة معارك عشيرته مع العشائر الاخرى ؟ وهل يُجوز أن يُختطف المواطنون من قبل الميليشيات ويتعرضوا للاعتقال والتحقيق ثم يطلق سراحهم بعد أخذ تعهدات منهم؟ وهل من المنطقي أن يتحرر الجانب الايسر من الموصل ثم تمتلئ شوارعه بالجثث المجهولة، بعد أن تُنصّب جهات كثيرة نفسها قاضياً تعتقل وتحقق وتقتل بتهمة التعاون مع تنظيم الدولة؟

إن ضعف مؤسسات الدولة وانعدام الهيبة للمسؤول الاول، وازدواجية الولاء في المؤسسات العسكرية والشرطية والامنية، وبروز مؤسسات ميليشياوية رديفة، وانعدام مصدر القرار الواحد، واتكاء قوى كثيرة على الدعم الخارجي، أدت كلها الى ذوبان مفهوم الدولة وتبخر معنى السلطات الشرعية، وتجبّر قوى من خارج إطار الدولة تقابلها قوى مضادة أخرى في ظل عدم وجود رجال دولة . لكن ما يثير الغرابة حقاً أن الموقف المجتمعي لازال حتى اليوم قاصراً عن فهم الحالة السائدة، على الرغم من أنه هو واقع في هذا المأزق ووحده من يدفع الثمن يومياً.

وأن كل التحركات التي تجري من قبل بعض القوى لا تعدو أن تكون سوى إطلاق شعارات عامة، وهذه تختلف تماماً عن العمل السياسي الدقيق، لان الشعارات قادرة على الاثارة لكنها يقيناً عاجزة عن بناء شيء.

لقد أحرق البوعزيزي نفسه ليس لأسباب سياسية بل لسبب اجتماعي يتعلق بكرامته، وكانت شرارة أيقضت شعلة الامل. بينما تُهدر يومياً كرامات الملايين من العراقيين في مخيمات التهجير، بعد أن طُردوا من بيوتهم ومدنهم وسُلبت ممتلكاتهم ومزارعهم، ومع ذلك ليس من رد فعل يوازي ذلك.

ويعزو بعض الدارسين هذه الظاهرة الى أن الحكومات المتتالية منذ الغزو وحتى اليوم، هي حكومات طائفية ذات ملامح استبدادية، جعلت الكثير من أفراد الشعب العراقي يشعرون بأنهم غرباء في وطنهم، وبالتالي تعزز مفهوم الانفرادية والانعزالية وارتفعت الانا على المجموع، وهي حالة مرضية تصيب المجتمعات في بعض فترات حياتها.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,135,383

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"