الشعوب كيف تقرأ التاريخ؟

نزار السامرائي

عام 1974 كنت في زيارة رسمية لليابان وكنت أجلس وسط مجموعة من الصحفيين في صالة فندق الباسفيك، ومن دون مقدمات ونتيجة لشعوري بأنهم يتعاملون مع الأميركان بلا حساسيات تاريخية، وجَّهت لهم سؤالاً "لماذا هذه الخصوصية الحميمة في علاقاتكم مع الولايات المتحدة وهي التي دمرت بلادكم وهزمتها بضربتين نوويتين؟".

 

أجابني أحدهم فقال "إذا أردنا أن نجتر الماضي بكل مآسيه ومفاخره فثق أننا سنبقى معزولين عن العالم وعن جيراننا خاصة، فقد احتلت بلادنا كوريا والصين ومعظم دول شرق آسيا، ومع ذلك نحن نقيم علاقات متوازنة مع هذه الدول حتى تلك التي نختلف معها في النظم السياسية، وإذا أردنا أن نطبق مبدأ اجترار ذكريات الضربة النووية الأميركية فما كان علينا أن نقبل بالدعم الأميركي لبناء الاقتصاد الياباني وكان علينا أن نقبل بمشاعر الكراهية الصينية والكورية ومن دول شرقي آسيا لبلادنا وسنعاني من عزلة أبدية، طبعا لم اقتنع برأي الصحفي الياباني الذي كان يعمل في صحيفة أساهي، ولكنني مع الوقت ومع تشكيل الاتحاد الأوربي ورأيت فرنسا تجلس مع ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا في مشروع واحد أو ألمانيا مع أميركا، اكتشفت أن العالم لا يمكنه إلا أن ينظر إلى أمام ولكن لا يعني هذا أن يتجاهل كل الدروس المستنبطة من تجارب الماضي فعليه أن يتعامل معها في الخزين الإيجابي لبناء منظومة تعامله مع الآخر.

كما أن فيتنام التي تعرضت لغزو وعدوان أميركيين، وبعد أن استعادت وحدتها واستقلالها وسيادتها، تصرفت بثقة عالية بالنفس وأقامت علاقات متينة ومتكافئة مع الولايات المتحدة وكل الدول التي شاركت في العدوان عليها.

كل هذه الدروس ينبغي ألا تغيب عن تفكيرنا في تعاملنا مع جريمة العدوان على العراق المستمر منذ عام 1991 وحتى غزو 2003، لكننا يجب ألا نطالب الدول الأخرى بأكثر مما نطالب فيه العراقيين الذين كانوا أكثر الجهات تحريضا بكراهية وحقد مليء بكل النزعات الدموية على غزو العراق واحتلاله، فهل نريد من الآخرين أن يكونوا أكثر عراقية ممن كان يقاتل العراق من حملة الجنسية العراقية طيلة حرب الثماني سنوات، ثم لم يتوقف، بل جلب مليشياته إلى العراق لتعصف بأمنه الداخلي وتقتل الملايين وتهجر مثلهم كما حصل في الفتنة الطائفية المقيتة؟

إذا أردنا أن نتعامل مع الخارج بحساسية فيجب أن تكون حساسيتنا مع الداخل مضاعفة ألف مرة، فحملة خنجر الغدر يعيشون بيننا ويزاحمون العراقيين في عيشهم بعد أن سلبوهم الأمن والمال وسفكوا دماءهم.

هي دعوة لقراءة تاريخنا من بداية السطر حتى آخره وليس بصورة مقلوبة.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,361,205

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"