حقائق موثَّقة عن فظائع القوات العراقية في الموصل: ليسو أبطالاً ولكنهم وحوش

يتابع المصور وصانع الأفلام الوثائقية العراقي، علي أركادي، الأوضاع في بلاده منذ 2006. علي أركادي ليس مصوراً ماهراً فحسب، ولكنه أيضا، وهذا لشبكة علاقته الواسعة في البلاد والكثير من التوثيق، أصبح يملك نظرة عميقة عن الصراع المتعدد الأطراف في العراق.

 

منذ 2011، يتعاون "أركادي" مع مجلة "دير شبيغل" الألمانية. ومشاهد التعذيب والاغتصاب والقتل المستهدف، التي وثقها أركادي خلال السنة الماضية تتطابق مع تقارير منظمات حقوق الإنسان واعترافات الشهود.

وتطرقت "دير شبيغل" من جهتها في تقارير سابقة إلى الاعتقالات العشوائية والتعذيب والقتل التي تمارسه القوات الأمنية العراقية ضد مواطنيها.

 في مايس/ مايو 2016، تسنى لصحفيي "دير شبيغل" الوقوف على مظاهر تطهير عرقي قامت بها الجماعات المسلحة الشيعية في مدينه "طوز خورماتو" جنوب كركوك.

تلك المشاهد تطابقت مع روايات شهود عين من أقارب المختطفين. كان عدد المختطفين من السنة من مدينه "طوز خورماتو" وحدها يقترب من الألف.

النازحون من مدن أخرى في العراق أكدوا حصول الاختطافات ولكن دوما كان هناك غياب للأدلة عند الشهود أو في أماكن الاختطاف.

 ويقدم "علي أركادي" الآن الأدلة الدامغة المدعومة بالصور وهويات المنفذين. والكثير من الصحفيين صوروا القوات العراقية التي دخلت الموصل على أنهم محررون، فهل حصل هذا لأنهم لم يروا أو لم يستطيعوا معرفة ماذا كان يحدث خارج المدينة؟

إذ إن قوات التدخل السريع والتي رافقها "علي أركادي" لم تكن تأخذ المواطنين من الجانب المحرر من الموصل، وإنما تختطفهم من القرى المجاورة، ودوما ليلا ودوما عند غياب الصحفيين.

يقول أركادي "أنا من مدينة صغيرة تدعى "خانقين" في شمال شرق العراق. هنالك حيث يتقابل الجزء الكردي مع ذلك العربي، كان هنالك دوما تعايش السني مع الشيعي، الكردي مع العربي. ربما لهذا السبب كنت أكثر من غيري أرى إمكانية تعايش العراقيين مختلفي الأعراق ممكن أيضا في المستقبل".

 

هكذا بدأت القصة

ويضيف "في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بدأت مشروعي في مرافقة جنديين من قوات التدخل السريع العراقية لتوثيق قتالهم ضد الدولة الإسلامية.. على الأقل كان ذلك هو العزم". ويذكر أنه تعرف أثناء تحرير مدينة الفلوجة على جنديين من تلك القوة العسكرية، وكانا يتحدثان عن عزمهما على قتل مدنيين لكنه كان يظن أنهما يمزحان.

في خريف العام الماضي وقبيل معركة الموصل، تقابل أركادي مجددا معهما الرائد عمر ناصر، السني، والعريف حيدر علي، الشيعي. إذا نظرنا إلى الأحداث الدائرة في العراق، فإنهما يعتبران عدوين، لكنهما كان أصدقاء يحمي كل منهما الآخر في المعركة. هناك نضجت الفكرة بتصوير فيلم يبين وقوف العراقي السني مع الشيعي ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

يقول علي "أنشأت صفحة على الفيسبوك بعنوان "بغداد السعيدة"، ووضعت فيلما لهما مدته دقيقتان بعنوان "محررون لا مخربون"، لاقت الصفحة صدى واسعاـ قرابة 360 ألف مشاهد، 1360 مشاركة وتعليق... ظننت أنني في الطريق الصحيح".

ويستطرد قائلا "مع كل انتصار، كانت ثقة بطليَّ بنفسيهما تزداد.

 

إلى القيارة، مع دير شبيغل

في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وبتكليف من مجلة "دير شبيغل" قمت بتغطية صحفية للأحداث ومكثت مع عمر وحيدر في مركز القيادة في "القياره" جنوب الموصل غير بعيد عن القاعدة الأميركية".

يوم 22 تشرين الأول الماضي، أحضر رجال "عمر" فتيين أُلقي القبض عليهما بتهمة دعم تنظيم "الدولة الإسلامية"، يقول علي "لقد قمت بتصويرهما ولم أكن أعرف ماذا سيحدث لهماـ فيما بعد أخبرني الجنود أنهما اعترفا بكونهما ينتميان للدولة الإسلامية.... بعد ثلاثة أيام من التعذيب.. تعرضا للتصفية".

يضيف "من تلك اللحظة، اتخذ مشروعي مساراً آخراً. ارتكب بطليَّ أشياء لم أكن أتصور حدوثها.. في البدء سمح لي فقط بالمشاهدة، ولاحقا لم يجدوا أي مانع في أن أقوم بالتصوير".

بعد ذلك أخذ عمر وحيدر إجازة لمدة أسبوعين. وقبلها تواعدوا للقاء مع علي في المركز الجديد لقيادة قوات التدخل السريع في "حمام العليل" قرب الموصل يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر.

"خلال تلك الفترة تعرفت على العديد من ضباط الفرقة وعرفت المزي مما لم أكن أحب أو أرغب في معرفته: تعذيب واغتصاب وقتل لأشخاص دون وجود أدلة دامغة...وأحيانا مزاجيا!" يضيف أركادي.

في تلك الأثناء، استعادت القوات العراقية قرية "قبر العبد" من تنظيم "الدولة الإسلامية". ثامر الدوري المسؤول على الاستخبارات قاد عمليات المداهمة الليلية التي رافقهم فيها أركادي، الذي يضيف "كنت معهم وقت المداهمات الليلية وشاهدت إلقاء القبض على الكثير من الرجال، منهم "رعد هنديه" القائم على أعمال مسجد القرية، وشى به أحدهم على أنه من أفراد تنظيم "الدولة الإسلامية".

أُلقي القبض على "هنديه" وأُحضر إلى عمر نزار- أحد بطلاي- وهناك عذب "هنديه" لساعات قبل ترحيله إلى قيادة استخبارات الفرقة، وهناك عذب لأسبوع كامل قبل أن يُصفى مع مشتبهين آخرين بتعاونهم مع "الدولة الإسلامية"، وهذا ما أخبر به ثامر الدوري علي أركادي.

في الليلة ذاتها، أُلقي القبض على شاب يُدعى "رشيد"، الذي أكد المحققون براءته، ولكن ذنبه كان انضمام أخيه وزوجه إلى تنظيم "الدولة الإسلامية". بعد ثلاثة أيام من التعذيب، مات رشيد وشاهد علي أركادي جثته في مركز قيادة الفرقة.

 

الكابوس الحقيقي في حمام العليل

هنا بدأ الكابوس الحقيقي.. قرية "حمام العليل" استردت بالكامل وعادت العوائل النازحة إليها. نشطت فرقة التدخل السريع مستهدفة الشباب لمعرفة إن كان بينهم مؤيدون لتنظيم "الدولة الإسلامية". شاهد "علي" إحضار أب وابنه البالغ من العمر 16 لمركز القيادة.

أخذ الجنود الأب، مهدي محمود، وضعت ذراع مهدي خلف رأسه وعلق على سقف الغرفة. وللإمعان في التعذيب وضعوا على ظهر مهدي لوح خشب ومن ثم وضعوا فوق اللوح قناني ممتلئة بالمياه.. وبدأ الضرب.

 

الابن كان في الجوار يستمع لصراخ أبيه.. كان أركادي معهم يصور ولم يوقفه أحد. بعد ذلك ضربوا الابن أمام أعين أبيه قبل أن يقتلوا الابن لاحقا.

يقول أركادي "خرج الأمر عن نطاق السيطرة.. كنت أتساءل: "إلى أين ذهبت؟ لماذا يتركوني أصوِّرهم وهم يعذبون آخرين؟ كيف يمكن أن يكون هذا جزءا من فيلم وثائقي عن التحرر من تنظيم "الدولة الإسلامية"؟ لكنهم لا يفكرون بمنطق الصحفيين..أصبح الأمر عادة بالنسبة لهم".

ويضيف "في الوقت ذاته قلت لنفسي: لابد من تصوير هذه الأفعال وتوثيقها كأدلة على أفعالهم. كان الصحفيون الغربيون موجودون في الجوار.. لكنهم كانوا يحضرون نهارا، وفقط، هناك ليرجعوا ليلا إلى اربيل الآمنة وأظل وحدي ليلا مع قوات وزارة الداخلية".

في منتصف كانون الأول/ ديسمبر، انتقل أركادي مع القوات إلى الجانب الآخر من دجلة إلى قاعدة جديدة في شرق الموصل. هناك رأي أخوين صغيري السن، أحمد وليث، وقد ألقت الفرقة الذهبية القبض عليهما وأُطلق سراحهما لقلة الأدلة.

أُلقي القبض عليهما مجددا وأُحضرا إلى القاعدة... وليل القاعدة يغيب عنه الضباط ولا يوجد إلا الجنود المناط بهم تعذيب المحتجزين وبدأوا بمعاملة الأخوين بقسوة. في البدء كان الضرب.. ثم وخزوا أحمد بسكين باستمرار خلف أذنه.. تقنية التعذيب الجديدة هذه تعلمها الجنود- كما أباح أحدهم لأركادي- من الخبراء الأميركان.

يقول أركادي "كنت مندهشا ومرعوبا لأنهم جعلوني أصور كل شي يقترفونه. مكثت أشاهد تعذيب الأخوين لمدة ساعة. في صباح اليوم التالي أخبرني أحد الجنود بأن الأخوين قد فارقا الحياة ليلا تحت وطأة التعذيب.. أراني صور للجثتين، حتى إنه أرسل لي الصور عبر واتساب".

وصل بطلا الفيلم الوثائقي، ليلا، الضابط عمر والعريف حيدر، السني والشيعي، اللذين يحاربان معا ضد "الدولة الإسلامية".

في الليلة ذاتها تواصلت الاعتقالات. كان لدى الجنود قائمة بأسماء أشخاص بزعم قتالهم مع "الدولة الإسلامية". انطلق الجنود ببساطه دون مزيد من الإيضاحات أو حتى أخذ الأمر من ضباط من ذوي الرتب العليا. وسمح لأركادي كالمعتاد بمرافقتهم.

الشخص الثاني الذي أُلقي القبض عليه كان اسمه "فتحي أحمد صالح"، أخذوه من الغرفة التي كان ينام فيها مع زوجته وأطفاله الثلاثة. العريف "حيدر" دخل الغرفة وأعلن أنه سيغتصب السيدة..

يقول أركادي "رافقت الآخرين لأرى ماذا سيحل بالزوج. بعد خمسه دقائق تقابلت مع "حيدر علي" أمام باب الغرفة التي كانت السيدة بداخلها تبكي. سأل الضابط "عمر نزار" الرقيب "حيدر" عما فعل، فأجاب الأخير: لاشيء، هي في فترة الدورة الشهرية. دخلت الغرفة لأصور، كانت السيدة تبكي ممسكة بذراعها ابنها الصغير، نظرت إليَّ ودون تفكير واصلتُ التصوير".

يستطرد أركادي بالقول "أحسست لاحقا، وأثناء رؤيتي للفيلم وتتبع نظرتها اتجاهي وتقبيلها لطفلها، أنها سمحت لي بالتصوير حتى يعلم الناس ما الذي يحدث. في تلك الأثناء، قام الجنود بسرقة ما يمكن حمله من محتويات المنزل والرحيل".

آخر المقبوض عليهم في تلك الليلة، كان أحد أعضاء الحشد العشائري (ملاحظة من وجهات نظر: الحشد العشائري قوات محلية عميلة في المناطق السنية تعمل في خدمة الحشد الشعبي الشيعي لأغراض تجسس في الغالب) والذي كان أيضا يقاتل ضد "الدولة الإسلامية"، لكن هذا الشخص كان سنيا والحشد الشعبي يكره كل ما هو سني. أحضروه إلى البناية التي يوجد بها "عمر نزار"، وهناك اغتصبه أحد الجنود.

 

كل شيء بعلم المسؤولين والأميركيين

يقول أركادي "الرجال الذين رافقتهم عاشوا معارك صعبة، ويظنون أن كل شي مسموح لهم: قتل واغتصاب.. كل شي حلال لهم.

عند طريق عودتهم إلى مركز القيادة بعد المداهمات، يجيبون على سؤال المركز عبر الراديو: "ماذا صنعتم؟"، بالقول: "لاشيء، أخذنا رجالا ونساء وأفرغنا محتويات البيوت!". هنا يرد مركز القيادة: "حسنا، افعلوا ما يتوجب عليكم فعله". نعم، كان المسؤولون يعلمون وأيضا الأميركان".

كان هناك شيء شبيه بالرهان بين الشرطة الاتحادية وقوات التدخل السريع، عندما كان أفراد الشرطة الاتحادية يتحدثون أنهم وجدوا امرأة جميلة في أحد المنازل واغتصبوها، تجد قوات التدخل السريع يعزمون على التوجه إلى البيت ذاته. القتال ضد "الدولة الإسلامية" صار أمرا ثانويا.

إذا سلَّمنا جدلا أن للقوات الخاصة العراقية إستراتيجية، فهي إلقاء الرعب في السنة وتهجيرهم لإحداث تغير ديموغرافي في شمال العراق.

يقول أركادي "مع اقتراب نهاية مهمتي مع قوات التدخل السريع، ما عُدت أتحمل ما أراه، وفكرت في أن ذلك قد تتعرض له زوجتي أو ابنتي. في إحدى المرات، وبينما كان الضابط "عمر" وأحد الجنود يعذبان أحد المحتجزين، دعوني لمشاركتهم.. عاملوني كما لو أني أحد أعضاء الفريق".

يضيف "نفذت أمرهم بضرب المحتجز بخوف، فأنا كردي، أعمل لوكالة أميركية، وكانوا أربعة بأسلحتهم وكنت وحيدا. "تعال اضربه"، صاحوا عليَّ..  ضربته على وجهه، لم تكن قوية بل خفيفة.. كان ذلك بالنسبة لي مرعبا، ولكنها المرة الوحيدة والأخيرة".

 

الرحيل

للتملص من هذا الوضع، ادعى أركادي أن ابنته مريضة، ويتوجب عليه المغادرة إلى منزله في "خانقين"، مكث هناك أياما معدودة، بعد أن وجد مكانا آمنا لأسرته، ومن ثم غادروا العراق.

يقول المصور "غادرت بلدي العراق لعلمي أنني وأسرتي في خطر مادامت تلك الأدلة في يدي. لا أعرف ماذا يظن عمر وحيدر عني، لم أخلف وعدي لهما بألا أصور خلسة. كان الكل يشاهدني وأنا أوثق تلك الجرائم، بل وأرسلوا لي، بعد طلبٍ مني، المزيد من الصور والأفلام. في حادث مقتل الأخوين أخبروني بأنني أستطيع استخدام صور الحادثة في فيلمي الوثائقي. أردت أن أختم فلمي بدخولي الموصل مع بطليَّ. لكن هذا لن يحدث الآن".

بعد أن تجلى لعمر وحيدر والبقية معنى نشر أفعالهم الشنيعة، بدأت التهديدات.

يستذكر أركادي قائلا "في البداية، كان التساؤل: لابد أن نتحدث مع "علي أركادي"، أين هو؟ ثم أصبح التهديد بعد ذلك أكثر وضوحا.

في يوم 4 كانون الثاني/ يناير 2017، بعد رحلة إلى قطر- وقتها مازالت الأمور هادئة- تواصلت مع العريف "علي حيدر" عبر فيسبوك وسألته عن إمكانية إرسال ذلك الفيلم الذي يظهر فيه هو والضابط عمر يُطلقان النار على محتجز من الخلف. أجاب "حيدر" بالتأكيد! وأرسل بعدها الفيلم الذي مازلت أحتفظ به على هاتفي".

عزم "علي أركادي" على مرافقه الشخصين إلى نهاية معركة الموصل حتى يوضح أن قوات أخرى في الجيش العراقي غير "الفرقة الذهبية" (النخبة) يحاربون أيضا بشجاعة.

قوات التدخل السريع التي كانت تضم عمر وحيدر بدأت صغيرة، ولكنها اتسعت بشكل كبير في صيف 2014 بعد الحرب مع "الدولة الإسلامية". تتكون الفرقة من ثلاثة قطاعات: الاستطلاع/ الاستخبارات، القناصة والقوات القتالية. الرائد عمر ناصر كان قائدا للقوات القتالية، التي كان أحد جنودها العريف حيدر علي. قوات التدخل السريع نالت الجزء الأكبر من تدريباتها من الأميركان.

 

نشرت الترجمة العربية هنا

 

وبالانجليزية هنا

 

ونشر التقرير الأصلي باللغة الألمانية هنا

  

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :123,120,863

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"