خطر الإرهاب والعنصرية والحروب الأهلية معاً!‏

صبحي غندور

ما حدث في مدينة مانشستر البريطانية هو عمل إرهابي إجرامي كبير دون أي شك، كذلك هو أي عمل يستهدف ‏قتل المدنيين الأبرياء في أي مكان بالعالم، كما حدث منذ أسبوع في ميدان "تايمز" الشهير في نيويورك حينما قام شاب ‏أميركي بدهس المارة في الميدان، لكن لم يُصنّف عمله بخانة "الإرهاب"، كما هو الأمر عادةً حينما يكون الجاني من غير ‏العرب والمسلمين!، عِلماً أنّ معظم منفّذي الهجمات الإرهابية في أوروبا خلال العامين الماضيين لهم سجلّ جنائي داخل ‏دولهم.‏

 

بعض وسائل الإعلام الغربية والعديد من السياسيين الغربيين يبثّون في كثيرٍ من الأحيان ما هو مصدر خوفٍ وشكٍّ ‏وريبة في كلِّ عربي وكلِّ مسلم في أميركا وأوروبا. فهناك مخاطر قائمة الآن على العرب والمسلمين في الغرب حصيلة ‏مزيجٍ مركَّب الأسباب.

فالمجتمعات الغربية، ولأكثر من عقدٍ من الزمن، تتحكَّم في ردود أفعالها السلبية مشاعر الخوف ‏والغضب من العرب والمسلمين، منذ الهجوم الإرهابي على أميركا الذي فاجأ العالم كلّه يوم 11/9/2001، ثمّ ما تبع هذا ‏الهجوم من أعمال عنف وإرهاب في أوروبا وغيرها خلال السنوات الماضية، وصولاً إلى ما حدث في بريطانيا يوم ‏‏22/5/2017، وتهديدات "داعش" التي تشغل الآن العالم كلّه.‏

وحينما يكون المتَّهم (جماعات إرهابية بأسماء عربية وإسلامية)، فإنَّ الغضب الغربي سيتمحور حول العرب ‏والمسلمين أينما وُجدوا، ثمّ كيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما أضيف إليه ما زرعته، منذ عقد التسعينات في عقول ‏الغربيين، كتابات ووسائل إعلامية (مسيَّرة من قبل جماعاتٍ صهيونية أو عنصرية حاقدة) من زعمٍ حول "الخطر الإسلامي" ‏القائم في الغرب!؟ وكيف سيكون أيضاً حجم هذا الغضب إذا ما صدر عن جهلٍ عام بالإسلام وبالعرب وبقضايا العرب ‏والمسلمين؟ وكيف سيكون حجم هذا الغضب إذا ما اقترن بممارساتٍ سلبيةٍ خاطئة، قام ويقوم بها عددٌ من العرب ‏والمسلمين حتّى في داخل المجتمعات الغربية التي تعاني من تضخّم عدد المهاجرين إليها، وما يحمله هؤلاء المهاجرون ‏الجدد (من مختلف بلدان العالم) من طقوسٍ وعاداتٍ وتقاليد ومظاهر لا تندمج سريعاً مع نمط حياة المجتمعات الغربية!؟.‏

هنا تصبح المسؤولية في التعامل مع هذا الواقع الغربي عموماً مسؤولية مزدوجة على الطرفين: العرب والمسلمين من ‏جهة، والأميركيين والأوروبيين من جهةٍ أخرى.‏‎ ‎وكما هناك العديد من الحاقدين في أوروبا وأميركا على العرب والمسلمين، ‏هناك أيضاً الكثيرون في الدول الغربية الذين يرفضون العنصرية ويريدون المعرفة الصحيحة عن الإسلام والقضايا العربية ‏من مصادر إسلامية وعربية، بعدما لمسوا حجم التضليل السياسي والإعلامي الذي رافق الحرب على العراق في العام ‏‏2003، والتي جرى تبريرها أيضاً بالحرب على الإرهاب!. ‏

لكن في هذا العالم المستنفر الآن لمحاربة الإرهاب، أصبحت "المسألة الإسلامية" في صدارة الاهتمامات الإعلامية ‏في الغرب عموماً، ولتكون عنواناً لأي عمل إرهابي يحدث من قبل أي شخص مسلم، بينما توصف الأعمال الإرهابية ‏الأخرى، التي يقوم بها من هم من غير المسلمين، بأنّها أعمال عنف إجرامية فردية!. ‏

عقب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، جرت أعمالٌ إرهابية عنفية في بلدان مختلفة تحت أسماء جماعات إسلامية كان ‏يُرمز اليها، اختصاراً لمفاهيمها وأساليبها، بجماعات "القاعدة" رغم عدم تبعيتها لقيادة واحدة. وتُجدّد هذه المرحلة نفسها الآن ‏من خلال ما قامت وتقوم به "جماعات داعش" من إرهاب ووحشية في الأساليب تحت راية "الدولة الإسلامية"!‏

فهناك عربٌ ومسلمون يقومون بخوض "معارك صهيونية" تحت رايات {إسلاميّة}، وهم عمليّاً يحقّقون ما كان يندرج ‏في خانة "المشاريع الصهيونية" للمنطقة من سعي لتقسيم طائفي ومذهبي وإثني يهدم وحدة الكيانات الوطنيّة ويقيم حواجز دم ‏بين أبناء الأمّة الواحدة، إضافةً إلى تسعير العداء بين "الشرق الإسلامي" و"الغرب المسيحي". ‏

ولا يمكن فصل مشكلة الإرهاب الحاصل حالياً في الدول الغربية عن مسألتي العنصرية بهذه المجتمعات وعن ‏الحروب الأهلية التي تحدث في الأوطان الأصلية لمن يقومون بهذه الأعمال الإرهابية. فهي ثلاثية متكاملة تخدم بعضها ‏البعض، حيث تستغلّ الجماعات الإرهابية المناخ العنصري السائد في الغرب وظروف الحروب الدائرة في بعض دول العالم ‏الإسلامي من أجل استقطاب من هم أصلاً يعانون من فراغ فكري ديني وأزمات نفسية وإجتماعية.     ‏

إنّ الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب والقضايا العربية، وهي الحالة التي تجمع بين مجتمع ‏ديمقراطي تسهل فيه تأثيرات وسائل الإعلام، وبين تضليل وتجهيل تمارسه بعض هذه الوسائل- عن قصد أو غير قصد- ‏لمسائل تتعلّق بالعرب وبالمسلمين وبقضايا المنطقة العربية.‏

لذلك، من المهمّ أن يعمل العرب والمسلمون في أميركا وأوروبا على تعميق معرفتهم السليمة بأصولهم الحضارية ‏والثقافية، وأن يقوموا بالفرز الفكري بين ما هو "أصيل" وما هو "دخيل" على الإسلام والثقافة العربية. كذلك، فإنّ من المهمّ ‏أيضاً، إضافة إلى إدانة ما يحدث من أعمال إرهابية، التشجيع على أسلوب الحوار الدائم بين المؤسّسات والهيئات العربية ‏والإسلامية في أميركا والغرب، وبين غيرها من المؤسّسات والفاعلين بالمجتمعات المدنية لهذه البلدان. فهناك أطراف عديدة ‏تريد فرز عالم اليوم بين "شرق إسلامي" موصوف بالإرهاب و"غرب مسيحي" محكوم بالعلمانيّة والديمقراطيّة. ‏

إنَّ القليل من الفعل الإيجابي السليم خيرٌ من العزلة أو السلبية أو الإنفعال الكبير. وهذا ما يحتاجه الآن الوجود ‏العربي والإسلامي في الغرب، ليس فقط في التعامل مع ظاهرة الإساءات المغرضة، بل أيضاً للمساهمة في إصلاح ‏أوضاع عربية وإسلامية مهدّدة بالفرز والتفكّك والانشطار الطائفي والمذهبي. ‏

فتشويه الصورة العربية والإسلامية في الغرب رافقه، ويرافقه، عاهات وشوائب كثيرة قائمة في الجسمين العربي ‏والإسلامي، ولذلك فإنّ تصحيح الذات العربية، والذات الإسلامية، يجب أن تكون له الأولوية قبل الحديث عن "تصحيح ‏الصورة" في الغرب، علماً أنّ العرب يتحمّلون ‏‎–‎‏ بحكم المشيئة الإلهية ‏‎–‎‏ دوراً خاصاً في ريادة العالم الإسلامي، فأرضهم ‏هي أرض الرسل والرسالات السماوية، ولغتهم هي لغة القرآن الكريم، وعليهم تقع مسؤولية إصلاح أنفسهم أولاً ثمّ ريادة ‏إصلاح الواقع الإسلامي عموماً. ‏

فما الذي سيحصل بعد النجاح في هزيمة أماكن الجماعات الإرهابية داخل العراق وسوريا، وما سيكون بديلها على ‏الأرض من حكومات ومعارضات وتسويات سياسية، بل أيضاً من حدود كيانات؟!

وهل ستتّعظ القوى الدولية والإقليمية ‏والمحلّية التي راهنت على جماعات "النصرة" و"داعش" خلال السنوات الماضية من هذه التجربة المرّة في التحالف مع قوى ‏شيطانية إرهابية لم ترحم أحداً من كلّ الطوائف والمذاهب والإثنيات.؟!‏

تساؤلاتٌ عديدة جارية الآن دون قدرةٍ على حسم الإجابة بشأنها، فمحصّلة السنوات الماضية من هذا القرن الجديد لا ‏تشجّع كثيراً على التفاؤل بمستقبلٍ أفضل، طالما أنّ البلاد العربية هي ساحات لمعارك وصراعات، وليست مصدر قرارات ‏أو قدرة على الاعتماد على الذات من أجل تصحيح الواقع وتغيير مساره لصالح العرب أنفسهم أولاً. فالتدخّل العسكري ‏الأجنبي لإسقاط أنظمة، جعل بديل الأنظمة في هذه الأوطان ميليشيات مسلّحة على أسس طائفية وقبلية وإثنية أطاحت ‏بكل مقوّمات الدولة الواحدة، وأضعفت الولاء الوطني والقومي، وغيّبت أي ممارسة سليمة لمفهوم المواطنة، وسبّبت بتهجير ‏مئات الألوف من المواطنين. فالخوف هو إذن من أن تكون الحرب على "داعش" ومثيلاتها هي مقدّمة لتكريس انقسامات ‏لها جذورها في السنوات الماضية، فأنتجت واقعاً مريراً بين أبناء الوطن الواحد، وأقامت حواجز من الدم والكراهية للشريك ‏الآخر في الوطن والمواطنة، بل أيضاً كرّست انقساماتٍ جغرافية تهدّد الآن وحدة الكيانات والأوطان.‏

الفكر المتطرّف يستفيد حتماً من أيّة شرارة نار يُشعلها متطرّف آخر في مكان آخر، فالحرائق تغذّي بعضها البعض، ‏لكن النار مهما احتدّت وتأجّجت، فإنّها ستأكل في يومٍ ما -عساه قريباً- ذاتها. الحذر مطلوبٌ الآن من المستقبل، كما هو ‏مطلوبٌ رفض الحاضر وتداعيات الماضي. إذ أنّ الوعد بمستقبلٍ أفضل يفترض وجود عناصر لم تزل مغيّبة حتّى الآن، ‏وتحتاج إلى مراجعات كثيرة مع النفس لدى كل الأطراف العربية والإقليمية المعنيّة بالأزمات الراهنة.‏

أيضاً، هناك سعي دولي محموم لوصم المقاومة، أيّة مقاومة للاحتلال، بالإرهاب وللمزج بين ما هو مرفوض وطنياً ‏وعربياً ودينياً من أعمال إرهابية تحدث في أكثر من مكان، وبين حقّ المقاومة المشروعة ضدّ الاحتلال. وهناك سعي دولي ‏وتجاوب عربي أحياناً، لتحويل الجهد من أجل السلام العادل إلى استسلام وقبول بالشروط الصهيونية في أي تسوية. ‏فتحوير "المقاومة" إلى "إرهاب"، وتحويل "السلام" إلى "استسلام"، هي مضامين المشاريع الصهيونية، بينما تتواصل على ‏الجبهة العربية صراعات عربية/ عربية وحروب أهلية تستنزف الأوطان والمقاومين، وتدفع الشعوب إلى اليأس أو الانغماس ‏في حروب الداخل والسكوت عن احتلال الخارج!. المسألة ليست فقط "مؤامرات خارجية"، هي أيضاً "أمراض داخلية" في ‏الفكر والأسلوب بعموم البلاد العربية والعالم الإسلامي، لكن المريض هنا لا يُرفَع عنه الحرج!

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,947,301

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"