مواجهة نوايا إيران ومشاريعها التوسعية/ 2 نجاحات إيران... أسباب وعوامل

نزار السامرائي

تظافرت عوامل كثيرة واجتمعت لإيران في وقت واحد وصنعت لها كل ما تحقق على الأرض، ربما كان آخرها هو ما تحاول أطراف معروفة تروّج للمشروع الإيراني وتسوّقه في الوطن العربي خاصة، وهو أن بلاد فارس تمتلك دهاء لا يتوفر لشعب غيرها على وجه الأرض مع حكمة ميدانية نادرة، وتلقفه البسطاء من الناس واعتبروه إحدى المسلمات البيولوجية التي اختص الله بها هذا الشعب وهذه البقعة من العالم!

 

وكانوا يدعمون وجهة نظرهم بأن إيران ما دخلت حربا عسكرية إلا وخسرتها على الإطلاق، تستثنى من ذلك معركتها مع الروم وتمت الإشارة إليها في سورة الروم في القرآن الكريم، وما دخلت مفاوضات وخسرتها على الإطلاق، وكي نكون منصفين مع النفس والآخر لابد أن نجد تفسيرا للأمرين معا، فإيران تضفي على نفسها هالة كبيرة ومشعة من القوة المادية والعسكرية قبل أن تخوض أية معركة مع أي طرف آخر، وهذا وعامل نفسي ومعنوي في غاية الأهمية قد يؤثر في الطرف الآخر، وهي بهذا التوجه توظف أسلوب الحرب النفسية الاستباقية مع أطراف منكسرة أصلا أو مبتلية بحكام مترددين لا يؤمنون بشعار حافة الهاوية في التعامل مع الأزمات التي برعت فيها دول كثيرة وكسبت حروبا قبل خوضها، أو بحكام حكماء يسعون إلى تجنيب شعوبهم وبلدانهم ويلات حروب ربما يعرفون توقيتات بدايتها ولكنهم عاجزون عن معرفة الوقت الذي تضع فيه أوزارها، بمقابل سلطات لا تقيم وزنا لشعبها أو ما يسقط من خسائر لا سيما وأن جيشها يتألف بمعظم جنوده من قوميات متعددة غير الفارسية وتريد التخلص منهم ويشكل الفرس فيهم أقلية مؤكدة.

ويذهب بعض آخر إلى طبيعة النفس الفارسية المجبولة على غطرسة ظاهرة وفارغة لا أساس حقيقيا لها في التباهي على الغير وخاصة في أخلاقيات اختصت بها بلاد فارس منذ أن وجد هذا الشعب على هذه الأرض وهي حياكة السجاد العجمي الذي لا يكترث صانعوه بالوقت الذي يمضونه في صناعته وكم يأخذ من أعمارهم، بل ويتبارون في جماليات السجادة ومساحتها في حرب ضروس بين الصنّاع أنفسهم وألوانها الزاهية ثم لتستقر أخيرا بذلٍ وانكسار تحت الأحذية.

ولهذا لا نرى وجها للعبقرية التفاوضية أو الدهاء الفارسي في كسب الجولات السياسية مع الشركاء والخصوم والأعداء بل هو مجرد إضاعة لوقت ثمين له قيمته الحقيقية عند الآخرين ولكنه زمن تافه كغيره من أوقات الناس يذهب ويأتي غيره من دون أن يرسم بصماته على الأحداث، ولهذا تضيق صدور الآخرين وينفد صبرهم وهو ما تستغله بلاد فارس فتبدو كمنتصر في ساحة ليست ساحتها، ولهذا فإن الحل الأمثل لمثل هذا السلوك هو أن يدخل أي مفاوضات معها، طرف لا يقيم وزنا للزمن ولا يحترم عقول الأخرين وذكاءهم فيحّول أي مفاوضات إلى مسرح عبثي لا نص فيه بل ممثلون كل منهم يقول ما يشاء بلا نص موحد ولا مخرج يضبط إيقاع المسرحية، ثم إن الجمهور جاء لمجرد قضاء وقت ساخر والتخلص من ضغط الحياة الجدية وتفاصيلها المملة.

فكيف تتحقق كل هذه الانجازات لإيران؟

يمكن تأشير عدد من الأسباب والعوامل التي ساعدت بلاد فارس "إيران" على تحقيق ما أنجز وتم تسجيله باسمها في المحافل الدولية والإقليمية وحتى في الداخل الإيراني، خاصة وأن زعامتها الراهنة بحاجة إلى هذا التصور لدى الشارع من أجل تخديره بأوهام النصر.

يأتي في مقدمة هذه العوامل أن الدول الكبرى تريد لإيران أن تحقق هذه "المنجزات" لأسباب بعضها معروف ومعظمها ما زال خافيا، خاصة إذا ما عرفنا أن فرصا كتلك التي حصل عليها النظام الحالي في طهران وهو الذي يرفع شعارات فاقعة عن معاداة الامبريالية وخاصة الأميركية والصهيونية العالمية والاستكبار، لنظام الشاه الذي سقط في 11 شباط 1979 في حين أن الشاه كان يجاهر بارتباطاته مع التحالف الغربي وعلاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة، فهل هذه شيزوفرنيا سياسية أو جزء من لعبة الأمم أم هو مسرح اللامعقول المسحوب على الواقع؟

واقع الحال أن العالم لو أراد منع إيران من التقدم خطوة واحدة في كل برامجها المعلنة وغير المعلنة سواء النووي أو الصاروخي أو غيرهما، لما احتاجت أميركا إلى كل هذا الوقت ولما طالبت بتشكيل تحالفات دولية أو إقليمية لمواجهتها، ولكن للعالم حساباته بعضها بات مكشوفا وأكثرها ما زال وراء كتلة كبيرة من الدخان الأسود.

على العموم علينا أن نغادر هذا السبب على أهميته ونبحث عن أسباب أخرى لها صلة بالميدان وأقرب منها إلى العوامل الدولية، ولعل في مقدمة العوامل المساعدة على تحقيق إيران لنجاحاتها الظاهرة في الساحة العربية، أن لإيران بحكم ما تطرحه من مزاعم عن تمثيلها لأحد المذاهب الإسلامية بل واحتكار هذا التمثيل، وجدت لنفسها بيئة حاضنة لشعاراتها الراقة وأطروحاتها الزائفة وأطرافا على استعداد للانخراط في ما تؤسسه إيران من منظمات سياسية لا تحتفظ بصفتها هذه بل سرعان ما تتحول إلى منظمات مسلحة تأتمر بأوامرها مهما بلغت الكلفة السياسية والبشرية والمادية لهذه الأوامر، وهنا يجب أن نؤشر على واحدة من أهم حقائق التاريخ القريب وهي أن شاه إيران أيضا وليس نظام خميني كان يطرح نفسه كممثل للشيعة في العالم إذ أنه هو الذي أسس حزب الدعوة الحاكم حاليا في العراق وهو الذي أوفد موسى الصدر إلى لبنان ليكون مندوبا ساميا له يكسب له شعبية عن طريق حديث متواصل عن الفقراء والمحرومين وعن القضية الفلسطينية.

هناك واقعة تقول إن السفير الإيراني في بغداد وأثناء تقديمه أوراق اعتماده للرئيس عبد السلام عارف رحمه الله في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي طرح قضية حقوق الشيعة في العراق ومطالبة الشاه من الرئيس عارف منحهم حقوقهم السياسية والاجتماعية كاملة، فما كان من الرئيس عارف إلا أن انتفض عليه واعتبر ذلك تصرفا أخرقا ثم  طرده من مكتبه، واعتبر ذلك تدخلا في شأن عراقي داخلي لا يسمح بمثله أبدا.

 

يتبع

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,260,149

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"