أميركا.. انهيار الدولة أم انهيار الفكرة؟!

أحمد موفق زيدان

مع كل يوم جديد تترى الأدلة والبراهين على التخبطات السياسية والعسكرية والأمنية التي تتخبطها إدارة دونالد ترمب، كان آخرها الفضيحة العسكرية التي تتحدث عن اختفاء معدات عسكرية متطورة بقيمة مليار دولار من البنتاغون الأميركي، وهو حدث لو حصل في دولة إفريقية أو آسيوية لعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً عاجلاً، وأنذر وهدد وتوعد وحرّك الأساطيل!

رافق ذلك صور لم يأبه بها أحد، وهي انتشار مئات السيارات العسكرية التي تبرعت بها أميركا للجيش الأفغاني، وعليها ملصق الجيش الأفغاني، ولكنها وجدت طريقها إلى معركة الموصل، لتسقط بأيدي الميليشيات الشيعية الطائفية التي ما فتئت تقتل وتفتك بالعراق أرضاً وشعباً.

على الصعيد الأمني لا تزال الفضائح تتوارد، حيث كان آخرها فضيحة صهر دونالد ترمب الذي تبين أنه طلب من السفير الروسي في واشنطن طريقة اتصال آمنة وسليمة لإدارة ترمب مع القيادة الروسية، وهي الشكوك، بل ربما وصلت الآن إلى درجة اليقين، من أن الإدارة الأميركية لها علاقات مع روسيا بما يخل بالأمن القومي الأميركي، لكن يأمل ترمب الآن أن تخفف نجاحاته الاقتصادية والمالية من غضب الشارع الأميركي عليه وعلى سياساته.

لقد حوّل ترمب السياسة الأميركية، لأول مرة، إلى بازار اقتصادي حقيقي، فعلى الجميع أن يدفع بحسب مبدئه الجديد، ففرّغ السياسة الأميركية من محتواها القيمي والإشعاعي التي كانت تتفاخر به، ولذا فقد طالب أعضاء حلف الناتو بدفع عشرات المليارات من الدولارات نظير مشاركته بالحلف، ونظير دفاع أميركا عنهم، وهو الأمر الذي جعل من أميركا والحلف سوقاً اقتصادية، وليس سوقاً لمكافحة الشيوعية سابقاً، ومكافحة أعداء الديمقراطية والتمدن، كما هو شعاره حتى وقت قريب.

كتب وزير الخارجية الأميركي السابق كولين باول مقالاً مهماً في النيويورك تايمز حذر في من مغبة هذا التحول الخطير في العقلية الأميركية، وتحويلها إلى عقلية ربحية اقتصادية، فالحمض النووي للإشعاع الأميركي قيمي، ولذا فإن تقليص موظفي الخارجية الأميركية إلى الثلثين سيقلص من قيم أميركا، وسيقلص معه أيضاً الحضور الأميركي على حساب التمدد الروسي والصيني، وهو ما سيعني تراجع الاقتصاد الأميركي على مستوى العالم، لا سيما وأن 95 % من المبيعات العالمية خارج الولايات المتحدة الأميركية.

الصحف الأميركية العريقة حذرت بشكل خطير من تداعيات السياسة الترمبية، ووصل بعضها إلى القول إن الفكرة التي قامت عليها أميركا في خطر، والممثلة في مهاجمة ترمب المسلمين والمهاجرين، وبالتالي فإن القيم الأميركية إنما استمدت قوتها ومتانتها وحضورها وإشعاعها، فضلاً عن تشكل هويتها، من المهاجرين الذين قدموا أفضل ما لديهم، وقذفت أوطانهم وبلدانهم بفلذات أكبادها فكراً وسياسة ومالاً واقتصاداً.

الجولة الخارجية التي قادت ترمب إلى دول عربية وغربية لم تُفلح -على ما يبدو- في تعديل الصورة عما لحق به طوال الأشهر الماضية، وتحديداً فيما يتعلق بتواطئه وتواطء إدارته مع القيادة الروسية، فقد عاد كل شيء إلى أصله يوم خرج من أميركا، وعاد معه الحديث عن علاقته مع روسيا، وسيواجه أوضاعاً صعبة للغاية من التحقيق، لا سيما أن الضحية اليوم صهره كوشنير أكبر مستشاريه.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,141,764

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"