الأقليات دُرر العراق وكُنوزه!‏

جاسم الشمري

التنوع العرقي والديني والمذهبي في العراق هو جزء من الفسيفساء التي تميزت بها ‏بلاد وادي الرافدين منذ مئات السنين، وربما هذا التنوع من أسرار ارتباط العقول ‏والقلوب ببلاد ما بين النهرين، بلاد التعايش والتلاحم الإنساني دون النظر للأديان أو ‏القوميات أو الكثافة السكانية.‏

في العراق تتفاوت النسب السكانية لمكونات المجتمع المتنوعة، فهنالك مكونات كبيرة ‏‏-  وهم في الغالب من العرب والكرد المسلمين- وهنالك مكونات يطلق عليهم مصطلح ‏‏"الأقليات"- ومنهم  التركمان والكلدانيين والآشوريين واليزيدية والصابئة المندائية ‏وغيرهم- ونحن لا نحبذ استخدام مصطلح "الأقليات" لأنهم في الواقع ليسوا "أقلية"، بل ‏نحن "أقلية" بدونهم، وهم أكثرية بنا، ولا نريد  الخوض في هذا التمايز العددي لأننا ‏تعايشنا مع كافة هذه المكونات بحب وسلام ووئام وكرم وتسامح وصدق وطيبة منذ ‏مئات السنين دون النظر لأعدادهم.‏

ونحن هنا لن نتحدث عن الموقف من العملية السياسية، أو السياسات التي ناصرت ‏طائفة ضد أخرى، أو بعض المواقف "غير البريئة" التي اتخذها طرف ما خلال ‏مراحل الفتن المتعددة في العراق، بل نتحدث عن مجمل الحالة الإنسانية الاجتماعية ‏العراقية التي كانت – ولا زالت، ولو بدرجات اقل بعض الشيء- حالة مثالية مليئة ‏بالتعايش والتلاحم ونبل العلاقات الإنسانية.‏

الحديث عن حقوق التركمان على سبيل المثال- وهم القومية الثالثة في العراق، ويزيد ‏تعدادهم عن المليونين ونصف المليون مواطن، وينتشرون في مناطق كركوك وتلعفر ‏وديالى وصلاح الدين وقرب بغداد ونينوى- دفع الجبهة التركمانية لعقد مؤتمرهم في ‏بغداد للفترة من 16-17 أيار 2017.‏

رئيس الجبهة التركمانية، أرشد الصالحي سبق وأن أكد أن "التركمان فُهِموا بالخطأ ‏على أنهم ورثة العثمانيين. التركمان موجودون في العراق منذ آلاف السنين، ووجدوا ‏قبل العثمانيين، والتاريخ يشهد على ذلك".‏

وهنالك من يقول- ومنهم قحطان عبوش التلعفري، في كتابه (ثورة تلعفر)، ص:60 إن ‏‏"قسماً من أهالي تلعفر هم من أصول تركمانية، والقسم الباقي هم من أصول ‏عربية. وجميع أهالي تلعفر يتكلمون اللغة التركية ومنذ زمن بعيد".‏

ويذكر بعض المؤرخين التركمان أن "الذاكرة التركمانية تحتفظ باعتزاز خاص ‏لدورها في مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق، إذ كانت انطلاقة الشرارة الأولى لثورة ‏‏(1920م) من تلعفر، ثم انتشرت لسائر المدن العراقية".‏

وحسب بيان الجبهة التركمانية فقد ناقش المؤتمرون ببغداد "مستقبل التركمان السياسي ‏ضمن العراق الموحد، والحفاظ على تطلعات التركمان، وحماية هويتهم القومية من ‏الضياع، وضرورة إيجاد الحلول لمشاكلهم، ومنها قضية كركوك، وتلعفر، وطوز ‏خورماتو، ومعالجة قضية المهجرين، واعمار المناطق التركمانية المهدمة".‏

حقوق التركمان والمسيحيين وغيرهم من العراقيين ينبغي أن تُمنح لهم بطيب نفس،  ‏وبلا مِنّة من أحد، بل تُمنح بفخر واحترام وتقدير لأننا نتحدث عن مكونات ساهمت – ‏ولا تزال- في بناء حضارة العراق، وهم يفتخرون بوطنيتهم ولم يتنازلوا عن عراقيتهم ‏رغم كل المؤامرات التي حِيكَت ضدهم، وكل هذه المواقف تؤكد أصالتهم ومعدنهم ‏النقي، وأنهم أكثرية – وليسوا أقلية- بتمسكهم بتربة العراق.‏

حقوق كافة الأقليات في العراق واجب لا يمكن تجاهله، وهو من الواجبات الوطنية ‏والإنسانية لشريحة مهمة وحيوية من العراقيين ذلك لأننا نتحدث عن مواطنين عانوا ‏مثلما عانى غالبية العراقيين، ولهم مكانة مميزة في ذاكرة الوطن، ولا يحق لأي ‏حكومة التغاضي عن حقوقهم، أو استخدامهم كورقة ضغط سياسي، وهم لبنة مهمة من ‏لبنات بناء الدولة العراقية، وجزء حَيَوِيّ وجَوْهَرِيّ في تاريخها، وهضم حقوقهم ‏نكران لتاريخهم الناصع في عراق الحضارات.‏

الضمانة الأكيدة لحقوق كافة العراقيين– سواء أكانوا أكثرية، أم أقلية- هو ‏بالاصطفاف مع الوطن، والسعي لتحقيق دولة المواطنة، والابتعاد عن الاصطفافات ‏الدموية والإرهابية والتخندقات الضيقة التي لا تخدم البلد الجريح لكونها سياسات ‏تقسيمية ضاربة للتعايش المجتمعي.‏

الأقليات دُرر العراق وكُنوزه، ومكانتهم لا تُنكر في لوحة العراق الجامع الذي نتمنى ‏أن يعود كما كان عراقاً لجميع المكونات بغض النظر عن دينهم أو قوميتهم، أو ‏نسبتهم.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,446,934

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"