نهاية حزينة..

جمانة نمور

تواترت إلى ذهني مشاهد من طفولة سحيقة كنا نتوجه فيها إلى محل «السمانة» حيث كل الاحتياجات الضرورية اليومية البسيطة، وزاوية مخصصة لبيع الصحف. وكان البائع- الجار، يُسلمنا غذاء العقل والمعرفة المتمثل ببضع صفحات ورقية لا علاقة لجودتها بطبيعة الورق، مع ابتسامة عريضة ويحمّلنا سلاماً إلى الأهل.

 

نظرة تعجب من البائعة الشابة، وتساؤل من زميلها على الصندوق، أعادتني إلى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين: هل تريدين وضع إعلان ما أم تبحثين عن شقة؟

عفواً؟ لم أفهم، تمتمت مرتبكة. كنت ما زلت تحت تأثير صدمة دخولي إلى إحدى مكتبات بيروت حيث تعودت أن أشتري جريدة، لأجد ألواحاً من الشوكولاته وقد حلَّت محل المكان المخصص لها، بعد قرار اتُخذ بالاستغناء عن بيعها. أعلم أن نسبة قراء الصحف الورقية تراجعت بشكل هائل، وأن الأكشاك التي كانت تزين أرصفة وساحات لم يعد لها مكان، وأن المنتجات الخالية من الدسم أخذت مكان صفحات دسمة في محال "السمانة"، لكن أن تختفي الصحف بين ليلة وضحاها، حتى من المكتبة، أمر لم أتمكن من استيعابه من الوهلة الاولى!

شرح الشاب قصده بعدما رآني مسمَّرة مكاني أفكّر بصوت عالٍ: كيف يعقل أن أكون بمكتبة خالية من الصحف، أين أذهب الان؟ "لا بد أنك تبحثين عن الوسيط، لأني أرى أنك مهتمة جداً بالحصول على نسخة اليوم، هل تودين مساعدة في هذا الإطار؟".

لا، شكراً لك، أجبته وأنا ألملم خيبة أضحت مضاعفة بعد السؤال. لن أُتعب نفسي بمزيد من البحث، فالصحيفة نفسها وغيرها الكثير، على بُعد كبسة زر، تنتظرني عبر شاشة صغيرة أضحت منذ زمن نافذتي على أبرز الصحف العالمية لحظة صدورها، إلى جانب التواصل وتبادل المعلومات ومشاركتها.

حثثت الخطى، لأجد نفسي خلف رجل مسنٍ تعوَّدت أن أراه أحياناً جالساً على قهوة رصيف قريبة. تباطأت خلفه، وأنا أنظر إلى شريط سماعة متدلٍ من أذنه اليسرى، وعصا يحملها في اليمنى محاولاً عدم استخدامها إلا في حالة انعدام التوازن، ولاحظت العنصر المفقود من تحت أبطه. هو أيضاً لم يتمكن من الحصول على جريدة اليوم. لقد خسر المسكين رفاقاً كانوا يجالسونه واحداً بعد الآخر، بعض الكراسي التي أضحت فارغة في القهوة العتيقة شاهدة على ذلك، وها هو الآن يخسر رفيقة عمر جديدة. قدماه المتعبتان من كد السنين قد لا تساعدانه في البحث عن مصدر آخر!

تذكَّرت غوتنبرغ واختراعه للمطبعة اواسط القرن الخامس عشر. ذاك الاختراع شكل بداية ثورة ساهمت في نقل اوروبا والعالم من العصور الوسطى إلى عصر النهضة. وبعد الثورة الصناعية، لعبت مكننة الطباعة دوراً هائلاً في تطور البشرية عندما أضحت المعرفة متاحة لشرائح أكبر من الناس، بورجوازيين وعمال.

نهل المعارف وانتشار الكتب أسهم في رفع مستوى الوعي. وازدهار الصحافة المطبوعة، قلب الرأي العام، وجعله عاملاً مؤثراً بشكل جذري في مسار تقدم البشرية وثوراتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وفي تطور طرائق عيشها.

منذ ذلك الوقت، شكَّلت الصحف جزءاً مهماً من حياتنا اليومية لعقود. فهي لم تقتصر على كونها وسيلة لمعرفة ما يجري في العالم، بل شكّلت رافداً أساسياً في تشكيل الرأي العام والوعي والإدراك والثقافة.

صحيح أن العديد منا لن يفتقد غياب نسخها الورقية، فالحصول على المعلومة والمقال سهل جداً من خلال الشبكة العنكبوتية، لا بل إنه متيسر أكثر من السابق، وقد تكون الصعوبة في اختيار الأفضل والأكثر مصداقية بين الكم الهائل المتوافر. ولكن ماذا عن علاقة ثقةٍ وودٍ ووعيٍ وطريقة عيشٍ تركت حبرها على تجاعيد أجيال كاملة؟!

ماذا عن خشية من قفزة جديدة قامت بها البشرية رمتها هذه المرة في براثن تكنولوجيا لم يتبين خيطها الأبيض من الأسود بعد؟!

فإذا كان المسار من الكتابة على ورق البردى والجلود، إلى الطباعة الحديثة قد أخذ قروناً من الزمن، وغيّر حياة البشر على مراحل ودفعات، نعيش اليوم في عالم يثب في غياهب المستقبل بسرعة جنونية. ومن السباحة في بحور المطبوعات، إلى محيط تتلاطم فيه أمواج المعلومات والتحليلات، مع إمكانية الحصول عليها وتبادلها في لحظات قليلة. كل ما هو موجود معروض، وكله متوافر للجميع صغاراً وشباناً وكباراً، وفي أي لغة تخطر على بال. كل ذلك من دون قوانين او رقابة او ضوابط.

أفكار حوَّلت خيبتي إلى قلقٍ وأنا أتجاوز الرجل المسن، مسرعة إلى عالمٍ رقميٍ ينتظرني فيه بحر المعلومات والتحليلات ومهمة البحث عما يهمني ويفيدني فيه. أما هو، صديقي المُسّن، فأتخيل أنه سينفث خيبته مع دخان نرجيلة تنتظره عند الرصيف، وسيكتفي اليوم بنشرة أخبار عن تكثيفٍ للمشاورات بهدف التوصل إلى اتفاق، وإحصاءٍ عن عدد ضحايا حروبٍ ونزاعاتٍ، وبضعة متفرقاتٍ يعتمد وضوح الحصول عليها على سماعة يقتصر تحكمه فيها على مستوى الصوت!

أصل إلى شاشتي، أحاول التركيز على ما أقرأ، ودماغي مشدوهٌ بالتقنيات الموجودة أمامي. يا له من اختراع، البشرية بعده لن تكون أبداً كما قبله. كما غيّرت الصناعة مسار التاريخ، ها نحن نشهد بأمِّ العين ثورة المعلومات والاتصالات وهي تقلب الموازين، وتشكل منعطفاً تاريخياً جديداً يتجه نحو الانقطاع مع ما قبله، مخلِّفاً وراءه الكثير.

الجريدة كما عرفناها، تحاول مجاراة ذلك، لكنَّ المنعطف خطير والرياح عاتية وهي من ورق.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,703,968

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"