الانتفاضة العراقية بحاجة إلى انتفاضة

عوني القلمجي

لم يعد في العراق اليوم انتفاضة شعبية، لا بالمفهوم العام ولا بالمفهوم الخاص. ‏فهي من جهة، اصبحت بعيدة كل البعد عن الشمولية والاستمرارية والتطور ‏والتجديد، ولم تشمل مساحتها الجغرافية والجماهيرية عموم العراق. ولا حافظت ‏على شيئا مما حققته انتفاضة الامس. حيث تحولت الى مجرد تظاهرات محدودة ‏وغير مجدية، واحيانا عبثية. ومن جهة اخرى، لم يبق من اهدافها او شعاراتها ‏السياسية، التي تمحورت حول احداث تغيرات جذرية باتجاه بناء دولة مدنية، سوى ‏شعار اصلاحي واحد يتيم لم ير النور، رغم تفاهته، وهو تطعيم سلطة الفساد ‏والسرقة بوزراء جدد من صنف حرامية تكنوقراط. مع العلم بأن اعضاء السلطة في ‏العراق، حسب اعتراف اغلبهم، وبالصوت والصورة، كلهم فاسدين ولصوص. الامر ‏الذي ادى الى تراجعها بشكل كبير ومقلق، جعلها غير قادرة على تحقيق حتى ابسط ‏مطالبها الخدمية، التي هي شرط من شروط الحياة الضرورية، مثل توفير الماء ‏والكهرباء. بل وفشلت في اجبار الحكومة على محاسبة فاسد او حرامي.

 

لم يقتصر الامر عند هذا، فلقد نتج عن هذه الحالة السيئة، مرض خبيث اسمه "اليأس ‏والاحباط"، الذي سرعان ما انتشر في صفوف فئات واسعة من عامة الناس، وفئات ‏اخرى من سياسيين وكتاب ومثقفين. ومما زاد الطين بله، انتقال عدوى هذا المرض ‏الى قوى واحزاب وشخصيات سياسية، ادى بها الى اتخاذ مواقف مذلة ومخزية. ‏فبدلا من الوقوف الى جانب الانتفاضة من اجل مساندتها ومساعدتها على تجاوز ‏محنتها والتغلب عليها، راحت تبحث عن بدائل اخرى. فأحدهم رضي بمشروع عمار ‏الحكيم ومبادرته التي سماها "التسوية التاريخية"، والثاني توجه الى دول عربية ‏واقليمية، وثالث توسم خيرا بالرئيس الأميركي "المغوار" دونالد ترمب. ‏

بالطبع، لم تفوت سلطة الاحتلال هذه الفرصة الثمينة للاجهاز على الانتفاضة، ‏والتخلص من "شرورها" نهائيا.

فمن جهة، قامت، ولم تزل تقوم، بحملات قمعية ‏واسعة ضد المنتفضين، وضد نشطاء الانتفاضة ولجانها التنسيقية، لارهاب الناس ‏واجبارهم على عدم المشاركة فيها او تاييدها. ومن جهة اخرى، تصدى اعلامها ‏واقلامها الماجورة، للنيل من الانتفاضة والتشكيك بجدواها، ودعوة الناس للتخلي ‏عنها، مقابل وعود وردية فارغة حول الاصلاحات المطلوبة. اضافة الى ترويج ‏مقولات خاصة بمثل هذه المناسبات، من قبيل العدو خلف الباب ولا صوت يعلو على ‏صوت المعركة ولا وقت للخلاف او الصدام، الى اخر هذه المقولات الجاهزة والمعلبة.

‏ومن حسن حظ هذه السلطة العميلة، وجود عدو حقيقي فعلا، من انتاج المحتل ‏الأميركي وتابعه الايراني اسمه "داعش"، الذي فاق اجراما وتوحشا، ميليشيات السلطة ‏العميلة التي يقودها الايراني قاسم سليماني.‏

حين نطرق هذا الباب، فليس المقصود منه، الاعتراف او التصريح او حتى التلميح ‏بان الانتفاضة انتهت واصبحت من الماضي، وانما نقصد العكس تماما.

فاذا نظرنا ‏الى رؤية هذه الحالة السيئة التي تمر بها الانتفاضة، كما هي فعلا وليست كما تبدو، ‏سنكتشف بان ما حدث ليس استثناء انفردت به الانتفاضة العراقية. وانما هو امر ‏طبيعي واجهته جميع الانتفاضات الشعبية خلال مسيرتها النضالية، سواءً في هذا ‏البلد او ذاك، ثم تمكنت، في نهاية المطاف، من تجاوزه والتغلب عليه. فالانتفاضات ‏الشعبية ليست تظاهرة سلمية للدفاع عن حقوق الانسان او الحيوان او الحفاظ على ‏البيئة كي تمر بسلام، وانما هي فعل ثوري وكفاحي، بل هي حرب وطنية كبيره ضد ‏قوى غاشمة او حكومة عميلة او دكتاتورية لا تتردد، للدفاع عن مصالحها، ‏باستخدام القوة بكل اشكالها العنيفة من دون ان يرفَّ لها جفن. ومعركة وطنية كهذه ‏لابد وان ترافقها اخفاقات او تراجعات او حتى هزيمة هنا واخرى هناك. وانتفاضتنا ‏قد اثبتت هذه الحقيقة بكل وضوح، واليكم الدليل.‏

فلقد سبق للانتفاضة، وان تراجعت وهزمت مرات عديدة، على امتداد اعوامها الست. ‏وكانت في كل مرة تنهض وتعود اقوى واشد تاثيرا. وعودتها الاخيرة خير دليل على ‏ذلك. حيث شملت لأول مرة معظم المدن العراقية، وخاصة المدن الجنوبية، وشاركت ‏فيها اكثرية فئات الشعب وتياراته السياسية المختلفة واديانه ومذاهبه المتعددة.

‏ولأول مرة ايضا ترتقي شعاراتها المطلبية، مثل توفير الماء والكهرباء، الى شعارات ‏سياسية، من قبيل الغاء المحاصصة الطائفية وفصل الدين عن الدولة وتعديل ‏الدستور وتطهير القضاء والتي تؤدي في حصيلتها الى اسقاط ما يسمى بالعمليه ‏السياسية. بل ذهب بعضا منها ابعد من ذلك، لتصل الى حد المطالبة بطرد المحتل، ‏سواء كان أميركياً او ايرانياً، عبر شعارات معبرة وواضحة مثل "نعم للاستقلال لا ‏للتبعية والاحتلال" و "ايران بره بره وبغداد تبقى حره". لتتوج مسيرتها الظافرة، ‏باقتحام المنطقة الخضراء والسيطرة عليها وهروب اعضاء الحكومة والبرلمان ‏بطريقة جبانة ومهينة ومعيبة.

ولولا تواطؤ مقتدى الصدر مع رئيس الحكومة ‏حيدر العبادي، او خضوعه للتهديد كما اشاع اتباعه، واصداره امرا  ‏بالانسحاب من المنطقة الخضراء، لسقطت الحكومة وبرلمانها الفاسد. باختصار ‏شديد، فان امكانية عودة الانتفاضة الى سابق عصرها الذهبي، بل اكثر قوة وفاعلية، ‏امكانية قابلة للتحقيق في اي وقت.‏

هذا ليس وهما ولا خيالا، فعلى الرغم من كل ما حدث من تراجع وفشل وانكسار ‏واضيفوا ما شئتم من صفات مشابه، فان الانتفاضة لم تزل على قيد الحياة، وجذوتها ‏لم تخمد، وطاقاتها وامكاناتها الثورية والابداعية لم تزل متفجرة، والقيادات الشابة ‏التي افرزها طريق الكفاح، على مدى السنين الماضية، اصبحت واعية وذات خبرة ‏واطلاع واسع، ولديها القدرة على تصحيح مسارها، واعتماد وسائل نضال اخرى ‏ومن بينها اللجوء الى الانتفاضة المسلحة، اذا تعذر عليها انتزاع حقوقها بالطرق ‏السلمية. ‏

بالمقابل فان أطراف عملية الاحتلال السياسية قد وفرت كل المبررات لانتشار هذه ‏الافكار الثورية، بسبب سقوطها السياسي والاخلاقي المدوي، واصرارها على ‏مواصلة العبث بشؤون البلاد والعباد، وعدم الكف عن ارتكاب الجرائم والسرقات. ‏اضافة الى اصرارها على رفض اي إصلاح يمس ولو شعرة من راسها، او يهدد ‏مكسبا من مكاسبها، او يهز ركنا من مواقعها. الامر الذي سيدفع الناس الى العودة ‏للانتفاضة افواجا كما دخلوها افواجا. خاصة وان شعبنا قد ادرك تماما، بان تحقيق ‏الاصلاحات لا يتحقق عبر المحتل، ولا عملائه في السلطة ولا عبر البرلمان، ولا ‏بالطرق السلمية لوحدها. ‏

كل ما تحتاجه الانتفاضة، هو القيام بانتفاضة من داخلها، لتتمكن هذه المرة من ‏السير على الطريق الصحيح وتحقيق الانتصار النهائي. وما نعنيه هنا، وعلى وجه ‏التحديد، اجراء مراجعة شاملة، لا تقتصر على  ادارة الانتفاضة اوترتيب اولوياتها، ‏او تحديد مواعيد تجمعاتها، او اماكن تواجدها في هذه الساحة او تلك فحسب. وانما ‏تشمل مجمل المفاهيم والخطط والاساليب التي استندت اليها، وادت الى تراجعها ‏وفشلها. فمهمة كبيرة من هذا الوزن لن تتحقق بشكل تلقائي، او انتظار الصدفة، او ‏ظهور منقذ او مخلص، حتى وان توفرت على اسباب النجاح او عناصر القوة. وفي ‏هذا الخصوص لدينا ما نقوله.‏

لقد اثبتت التجربة التي عاشتها الانتفاضة، منذ انطلاقتها في بداية عام 2011 ، ‏فشلها الكامل في تحقيق اي اصلاح، من خلال الحكومة او البرلمان، او تغير حكومة ‏باخرى، او تشكيل حكومة تكنوقراط، كون جميع هذه المفردات نتاج عملية الاحتلال ‏السياسية، التي جرى بنائها وتكوينها والية عملها  لخدمة المحتل وعملائه، وليس ‏لخدمة العراق واهله. وبالتالي، فان البديل لها  هو الكفاح من اجل اسقاط هذه العملية ‏السياسية الطائفية المقيتة اولا، بحكومتها العميلة وبرلمانها الفاسد ودستورها ‏الملغوم وانتخاباتها المزورة وقضائها المرتشي. وبعكس ذلك نكون كمن يضع العربة ‏امام الحصان كما يقال.‏

كما اكدت الوقائع والاحداث طيلة السنين الماضية، والتي شهدت انتفاضات عديدة، ‏بان التمسك بشعار سلمية للابد، طريق فاشل لم تجن الانتفاضات منه سوى الخيبة ‏تلو الاخرى، كما لم تجن ايضا اي مكسب من ادخال بعض التزويقات على مبدا ‏السلمية، من قبيل الدعوات الى الاضراب العام مرة، والى الاعتصام المدني مرة ‏اخرى. اما الطرق السلمية الاخرى كالانتخابات فقد جربها العراقيون مرات عديدة. ‏وهي الاخرى لم ينتج عنها سوى تغيير الوجوه والوزراء.. فكلما ذهب حرامي ‏مختص بسرقة الالوف من الدولارات، جاء الخلف ليختص بسرقة الملايين، وخلف ‏الخلف اختص بسرقة المليارات وهكذا دواليك. ناهيك عن ان هذه الوسيلة السلمية قد ‏‏ ولدت شعور بالامان لدى اطراف العملية السياسية، وشجعتها على الاستهانة ‏بالانتفاضة وممارسة العنف ضدها، وهو الذي دفع حكومة العبادي الى الاستقواء ‏على المنتفضين والتهديد باستخدام القوة العسكرية اذا لم يتم الانسحاب او اخلاء ‏المنطقة الخضراء. وسيسهل عليها ايضا استخدام القوة بعنف اذا تكرر هذا الفعل مرة ‏ثانية. وبالتالي فان التفكير بالانتفاضة المسلحة يعد حقا مشروعا اذا لم يتحقق ‏الاصلاح بالطرق السلمية. وما يروج له الاعلام الأميركي والحكومي وطابورهم ‏الخامس، من كتاب وصحفيين وغيرهم ،بان مثل هذا الفعل يعد دعوة للاقتتال بين ‏فئات الشعب العراقي، فهذا الادعاء ليس سوى واحدة من وسائل الخداع والتضليل ‏لانتزاع هذا الحق المشروع. ‏

اما الخطيئة الكبرى، فهي السماح  لمقتدى الصدر بأن يكون قائدا للانتفاضة وممثلا ‏عنها، والتحكم بمصيرها، فالصدر وحليفه الحزب الشيوعي العراقي المتستر بيافطة ‏التيار المدني، قد اثبتاـ وبالدليل القاطع، بأنهما، مثل بقية اطراف العملية السياسية، ‏بل اشد حرصا على حمايتها، وانقاذها من السقوط. فكلاهما عاشا تحت خيمتها ‏وتنعموا بخيراتها ونالو الجاه والسلطة بفضلها. ودعكم من شعارات الصدر ‏المضللة، من قبيل شلع قلع كلهم حرامية، او شعارات الشيوعيين حول الدولة ‏المدنية والغاء المحاصصة الطائفية. فهذه ليست سوى عدة النصب والاحتيال لاخفاء ‏حقيقتهم المخزية .‏

بالمقابل وعلى الجهة الاخرى، فان تحميل قيادة الانتفاضة مسؤولية من هذا الوزن ‏الثقيل، ينطوي على ظلم واجحاف. وانما يتطلب ذلك منا جميعا، تقديم كل انواع ‏الدعم والاسناد وما ملكت ايدينا من وسائل نافعة. من قبيل تعبئة الناس وتهيئتها ‏وتشجيعها من اجل خوض هذه المعركة الوطنية. ويتطلب الى جانب ذلك، نشر ‏خطاب الانتفاضة السياسي وتوضيح اهدافها وتاكيد مشروعيتها، وحمايتها من ‏الانتهازيين والوصولين الذي يحاولون ركوب موجتها لتحقيق مكاسب فئوية او ‏حزبية. وبعكس ذلك يكون مثلنا كمثل اليهود الذين قالو لموسى، فاذهب انت وربك ‏فقاتلا انا ها هنا قاعدون. بكلمة أخرى لقد اصبحنا مسؤولين امام هذه الانتفاضة، ‏سواء من حيث العمل بين صفوفها، او من خلال تعبئة الناس للالتفاف حولها أو ‏تقديم الدعم والاسناد لها.‏

وفق هذا السياق، هل من حق كاتب هذه السطور التفاؤل باقتراب موعد الانتفاضة ‏الكبرى؟ ام ان مثل هذا التفاؤل وهم وخيال لعدم كفاية الادلة؟ ‏

هنا ينطبق المثل القائل، ان غدا لناظره قريب.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,495,160

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"