هل قدم تنظيم "داعش" ‏خدمة كبيره لولاية الفقيه؟

علي الكاش

في التحقيات الجنائية عندما تحصل جريمة ما، أول ما يفكر فيه المحقق هو تحديد الجهة  المستفيدة ‏من الجريمة، وغالبا ما يؤدي تتبع هذا الخيط الى معرفة الجاني، ولا يقتصر الأمر على الجرائم ‏العادية، بل الجرائم الدولية والإرهابية أيضا، ففي مسألة إغتيال الحريري في لبنان توصل فريق ‏تحقيق الأمم المتحدة الى تشخيص الجهة المنفذة من خلال تحديد المستفيد من عملية الإغتيال، ‏وبدون أدنى شك كان حزب الله اللبناني هو المستفيد منها، وإنتهى التحقيق بإدانة الحزب المذكور.‏

 

العملية الإرهابية التي حصلت مؤخرا في إيران، لا يمكن النظر اليها من زاوية واحدة، بغض ‏النظر عن تصريحات تنظيم الدولة الإسلامية من جهة، والمسؤولين الإيرانيين من جهة أخرى، ‏وعلى الرغم من تضارب التصريحات الإيرانية في عدد المنفذين وطريقة التنفيد، فأن اللجان ‏التحقيقية لم تستكمل عملها بعد وتحدد شخصية المنفذين ومن يقف ورائهم. لذلك فإن تصريحات ‏قادة الحرس الثوري الإيراني بإتهام الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وراء العمليتين لا ‏يعد أكثر من لغو سياسي وإعلامي سيما ان التحقيقات الإيرانية نفسها لم تنتهي بعد.‏

أشارت التقارير الإيرانية الى قيام أربعة من المسلحين بإطلاق النار داخل مجلس الشورى ‏الإيراني، وقيام مجموعة أخرى بتفجير قنبلة (وقالو ايضا حزام ناسف) داخل ضريح الخميني، مما ‏أدى الى مصرع (12) شخصا وجرح (42) آخرين. ربما لقمة الهجوم على الضريح يمكن بلعها ‏لأن ضريح الخميني يزوره الألاف من الإيرانيين ومن السهل أن يتسلل المنفذون الى داخل ‏الضريح ويفجرونه،  لكن دخول أربعة مسلحين الى داخل البرلمان وإطلاق النار، لقمة لا يمكن ‏بلعها مطلقا، كأنما البرلمان متنزه عام بلا سياج ولا حراسة ولا مراقبة الكترونية، وهكذا يدخل ‏المنفذين بسهوله دون ان يصطدموا بحراس البرلمان، ولا تُثار طلقة واحدة قبل شروعهم بالتنفيذ. ‏كما قيل حدث العاقل بما لا يعقل فأن صدق فلا عقل له. ‏

مع هذا سندير وجههنا عن هذا الأمر على إعتبار ان التحقيقات الإيرانية لم تنتهي بعد، ونجد ‏تبريرا للروايات المتعارضة من زعماء النظام. ولكن هنلك جملة من المحطات تستلزم الوقوف ‏عندها. عندما يجري أمر خطير مثل هذا لا بد من وضعه تحت المجهر والوقوف على أدق ‏التفاصيل، أن نعمة العقل لا تكتمل دون البحث والتحقيق والتحليل والخروج بنتيجة منطقية تتوافق ‏من المسلمات العقلية. وهذا ما يجب ان نضعه بعين الإعتبار.‏

السؤال المهم: هل فعلا نفذ تنظيم الدولة الإسلامية هذا العمل الإرهابي، ام هناك جهة إيرانية ‏معارضة هي التي نفذتها، ووجد التنظيم فرصة ذهبية لينسبها لنفسه؟

لقد إضفت هذه العملية الإرهابية نوعا من المصداقية على تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن اشتدت ‏الإتهامات له بسبب خلو ولاية الفقيه من أية تفجيرات إرهابية في الوقت الذي لم تخلو دولة عربية ‏وإسلامية من إرهاب التنظيم، بل ولا حتى مفخخات إعلامية وخطابية ضد النظام الإيراني ‏وشخص المرشد الأعلى. وقد أدى إستبعاد الساحة الإيرانية من عمليات التنظيم الى ميل معظم ‏المحللين السياسيين الى وجود تنسيق فاعل وتعاون سري بين الطرفين، والمنطق السليم يؤيد هذه ‏الحقيقة، كما ان قادة التنظيم الأم (تنظيم القاعدة) مقيمون في إيران، وسبق ان عثر على وثائق ‏يُبرر فيها الشيخ إبن لادن سبب إستبعاد إيران من إرهاب التنظيم بإعتبارها ممر مهم للتنظيم ‏وملجا آمن لزعمائه وعوائلهم، ومصدر لتمويل أعمال الإرهابية.‏

 

 

‏ صحيح أن تنظيم الدولة الإسلامية قد نَسَب العمل الإرهابي اليه، لكن لا توجد تحقيقات ختامية ‏حول الجهة الحقيقية التي تقف وراء العمليتين، وسبق لتنظيم الدولة ان نسب لنفسه أعمال إرهابية، ‏تبين لاحقا انه لا علاقة له بها، ومنها مأساة الكرادة الأولى التي راح ضحيتها مئات الأبرياء ولم ‏يكشف اللثام عنها لحد الآن.‏

سنترك هذا الموضوع أيضل لغاية إستكمال التحقيقات، والتي بتصورنا سوف يُحمل التنظيم ‏مسؤوليتها، سواء كان التنظيم قد نفذها أم غيره لعدة إعتبارات، أهمها"‏

‏1.  أن داعش قدم خدمة كبيرة لأيران في هجومه المزعوم على قبر ضريح الخميني والبرلمان.‏

لو رجعنا قليلا الى الوراء وأستذكرنا تصريحات القيادة الإيرانية لوجدنا أنها تمثل إمتدادا لما ‏يجري الآن على ساحتها.‏

فقد اعترف قائد القوة البرية في الجيش الإيراني(أحمد رضا بوردستان) بتأريخ 25/8/2015 ‏بالتوغلِ العسكري البري في ناحيتي جلولاء والسعدية بمحافظة ديالى، بداعي منع الخطر عن ‏بلاده. كما ذكرت وكالة إرنا الرسمية الإيرانية، بأن ممثل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ‏الحرس الثوري‎ ‎‏(علي سعيدي) قد صرح خلا‎ ‎‏ اجتماع قادة‎ ‎وضباط فيلق الحرس الثوري في ‏محافظة لرستان غربي إيران في 12/8/2015  بأن" البحرين‎ ‎وسوريا والعراق واليمن ولبنان ‏وغزة تشكل عمق إيران الاستراتيجي، وأنها ضامن‎ ‎استمرار حياة الجمهورية الإسلامية". كما ‏ذكرت (وكالة فارس الإيرانية) تصريحات للخامنئي لدى استقباله عوائل 7 قتلى من منسوبي‎ ‎القوات الخاصة ممن قُتلوا في سوريا حيث بقوله " لو لم نردع الأشرار ودعاة‎ ‎الفتنة من عملاء ‏أميركا والصهيونية في سوريا، لكنا نصارعهم في طهران وفارس‎ ‎وخراسان وأصفهان‎"‎‏. وجاءت ‏العملية الأخيرة لإثبات هذا الكلام، وإعطاء  مسوغ للتدخل الإيراني في شؤون الدول الأخرى ‏بحجة الحفاظ على الأمن القومي الإيراني.‏

‏2. إعطت العملية الإرهابية فرصة ذهبية للقيادة الإيرانية لتوجيه أصابع الإتهام الى المملكة ‏العربية السعودية على إعتبار ان وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان سبق أن صرح في ‏‏2/5/2017 بأن السعودية ستعمل على نقل المعركة اليها وليس في المملكة العربية السعودية. ‏وفعلا باشرت المملكة بتنفيذ سياستها الجديدة تجاه إيران بنقل المعركة الى داخلها. وهذا يعني ان ‏المملكة وفق المزاعم الإيرانية هي التي تحرك داعش وليس إيران! ‏

‏3. يلاحظ المراقبون للساحة الإيرانية زيادة الضغوط الداخلية على النظام الإيراني بسبب كثرة ‏الضحايا الإيرانيين في العراق وسوريا واليمن ولبنان علاوة على المليارات التي تنفقها ولاية الفقية ‏على دعم الأنظمة الموالية لها، بالإضافة الى تسليح وتمويل الميليشيات المرتبطة بها في العراق ‏وسوريا وافغانستان واليمن ولبنان علاوة على تمويل الخلايا النائمة سيما في دول الخليج وافريقيا، ‏فقد كان الرأي العام الإيراني لا يجد جدوى من مشاركة إيران في حروب لا ناقة لها فيها ولاجمل، ‏ولا موجب لصرف المليارات على الدول المرتبطة بولاية الفقيه، في الوقت الذي تفرض الولايات ‏المتحدة الأميركية وأوروبا الحصار الإقتصادي على النظام، وهذا ما لاحظناه في التظاهرات ‏الأخيرة التي عمت إيران ورفعوا شعارات معارضة للتدخل الإيراني في شؤون الدول الأخرى  ‏بمناسبة (يوم القدس) منها" لا غزة ولا لبنان روحي فداء لإيران". و" قُتل شباب الوطن الله أكبر". ‏وأعطى الهجوم الأخير المبرر الكافي للتدخل الإيراني في شؤون بقية الدول بحجة منع وصول ‏الإرهاب الى إيران، لكن مع كل هذه التصريحات والإجراءات الأمنية المشددة والتوغل في ‏الأراضي العراقية بحجةالأمن القومي الإيراني والمستنقع السوري، فقد طرق الإرهاب باب ولاية ‏الفقيه.‏

‏4. محاولة التغطية على فشل السياسية الإيرانية الداخلية والتزوير الحاد في الإنتخابات وفشل ‏مرشح الخامنئي من الفوز بالإنتخابات علاوة على المشاكل الإقتصادية التي تستوجب تغيير ‏بوصلة الرأي العام الى عدو خارجي، فقد أعلن (برويز مفتاح) مسؤول لجنة الخميني للإغاثة في ‏‏27/2/2017  بأن (11) مليون ايراني يعيشون تحت خط الفقر، وان البلد على وشك الثورة بسبب ‏انتشار الفقر وعدم توفر فرص الحياة الكريمة، علاوة على ارتفاع نسبة البطالة، فقد ذكر المعهد ‏الإيراني للإحصاء في 12/10/2016 بأن عدد العاطلين عن العمل وصل الى (25.7) مليون ‏عاطل، علاوة على الفساد الحكومي، والتضخم، وارتفاع معدل المعتقلين والسجناء السياسيين ‏واساليب القمع وغيرها.‏

وفعلا تمكن النظام من توظيف الهجوم الأخير بإلتفاف الشعب حول النظام أزاء العدو الخارجي، ‏وتأكيد مصداقية النظام في مناصرة الدول التي تحارب تنظيم الدولة الإسلامية.‏

‏5. إستغلال الهجوم الجديد بالتوافق مع تطورات الأزمة الخليجية بالتقرب من تركيا لإيجاد حلف ‏يضم ايران وتركيا وقطر وربما لاحقا روسيا لمواجهة المحور الخليجي، وفعلا قام وزير الخارجية ‏الإيراني بزيارة تركيا للتنسيق في المواقف المشتركة ودعم قطر أزاء العقوبات الخليجية. مع أن ‏دولة قطر أضعف من أن يكون لها دور في السياسة الأقليمية والدولية مقارنة ببقية دول الخليج ‏العربي.‏

‏6. صدرت تصريحات من الرئيس الأميركي ووزير الدفاع بإعتبار إيران الدولة الراعية الأولى ‏للإرهاب الدولي، وأنطلقت تصريحات البيت الأبيض من خلال المراقبة والرصد للتحركات ‏الإيرانية والميليشيات الموالية لها في المنطقة من جهة، وبسبب خلو الساحة الإيرانية من أية ‏عملية إرهابية من قبل التنظيم من جهة ثانية، في الوقت الذي تعتبر فيه المملكة العربية السعودية ‏ثالت أكبر متضرر من العمليات الإرهابية لتنظيم الدولة الإسلامية بعد سوريا والعراق، ويحاول ‏النظام سد هذه الثغرة بأية طريقة ممكنة، وجاءت العملية الإرهابية الحديد لتسدها.‏

والأيام القادمة يمكن ان تكشف لنا المزيد من التفاصيل والحقائق.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,142,009

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"