ما هي فرص حل الأزمة الخليجية من دون الولايات المتّحدة؟

علي حسين باكير

منذ اليوم الأوّل لاندلاع الأزمة كان هناك تشديد على ضرورة حلّها عبر الوساطة الكويتية، وقد حمل مثل هذا الموقف دلالات متعددة، تبعا للجهة التي صدر عنها.

 

بالنسبة إلى الدوحة على سبيل المثال، هناك ثقة عالية بشخص أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، فقد سبق له أن لعب الدور ذاته بنجاح في أوقات حرجة خلال السنوات الماضية، والتشديد على دوره هنا قد يعفي كذلك دولا خارجية من التدخل في الأزمة، ما يفرض على الأزمة المزيد من التعقيدات أو إثارة الحساسيات.

على الجهة الأخرى، كان ولا يزال هناك مصلحة في الدعوة إلى حل الأزمة داخل البيت الخليجي عبر المساعي الكويتية، لكن ذلك كان ينبع من دوافع مغايرة ولأهداف مختلفة. فالدعوة إلى حل الأزمة داخل البيت الخليجي وسط الضغوطات والحصار يعني أنّ اليد العليا ستكون لدول محور الحصار، وفي مثل هذه المعادلة لا يمكن التوصل لحل حقيقي اذا ما افترضنا أن هناك مشكلة حقيقية.

في المقابل، أعلنت عدّة دول خارج مجلس التعاون عن رغبتها في لعب دور الوساطة بطريقة أو بأخرى كتركيا وباكستان والمغرب وغيرها من الدول، وقد رفضت دول محور الحصار أيضا بطريقة مباشرة وغير مباشرة مثل هذه الجهود مشددة على ضرورة حل الخلاف داخل البيت الخليجي، وهو تحرّك كان يهدف إلى الضغط على قطر أكثر منه إلى البحث عن حل.

خلال الأسبوع الماضي من الأزمة الخليجية، بدأ وضع قطر الإقليمي والدولي يقوى بشكل واضح بفعل المواقف الدولية، وهو الأمر الذي يتيح إجراء مفاوضات متكافئة أيضا حال توفير المناخ الملائم لها والذي يتطلب التراجع عن عدد من الإجراءات من أهمها الحصار.

لكن من الملاحظ أنّ هذه الفترة شهدت أيضا إعلان الإمارات والسعودية عن نيّتهما تقديم المطالب إلى واشنطن، وهي رسالة خلقت التباسا حول كيفية الجمع بين الدعوة إلى حل الأزمة خليجيا وبين الذهاب إلى واشنطن لتقديم المطالب لها ثم العودة مجددا للمطالبة بحل الموضوع خليجيا وعدم تدويله!

أمّا بالنسبة إلى الطريقة التي تنظر بها الولايات المتّحدة إلى الموضوع، بالإمكان القول أنّ التخبّط داخل الإدارة الأميركية وتعدد المواقف الرسمية بين الرئيس ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية يجعل الأمر صعبا. لكن يبدو أنّ الخارجية قد تسلّمت مؤخرا الملف إلى حد كبير، وهي تسير فيه بشكل تصاعدي.

تفضّل وزارة الخارجية الأميركية أن يتم حل الموضوع من خلال مجلس التعاون الخليجي وذلك لأنها ترى أهمّية في أن يبدو المجلس فعّالا ومؤثرا ومتماسكا، وهي تعتبر أنّ على الدول الأخرى أن تدعم مثل هذا الأمر، وقد عبّرت مرارا أيضا عن دعمها لجهود الكويت في الوساطة.

لكن هناك مشكلة في مثل هذا الطرح، فالمجلس بعد الأزمة الأخيرة يعاني من مشاكل جسيمة. المشكلة المفتعلة مع قطر لم تمر أو تناقش من خلاله أو من خلال ما يوفّره المجلس من قنوات أو أدوات، وإنما تمّ القفز عليه وتمّ افتعال الأزمة من خارجه. أمّا بالنسبة إلى أعضاء المجلس، فمن الواضح أنّ هناك انقساما ثنائيا حادّا قد نشأ بفعل الخطوات التي اتخذتها دول الحصار.

هذا الانقسام الثنائي يولّد شئنا أم أبينا حالة من عدم الثقة بين المعسكرين، ومهما حصل من الآن وصاعدا سيكون من الصعب جدا جسر هوّة الثقة التي نشأت، فهناك دوما من سيخشى أن يصبح في يوم من الأيام في موقف قطر أن هو أصر على المحافظة على انتهاج سياسة خارجية متمايزة.

هذه المعطيات لا تدعونا إلى الاستنتاج بانّه من الممكن حل الأزمة عبر البيت الخليجي الذي يعاني من أزمة أصلا، لكن اذا كانت المطالب التي من المنتظر تسليمها إلى الجانب القطري عقلانية وواقعيّة وقابلة للنقاش فهذا يعني أن هناك فرصة بالفعل لحل الأزمة داخليا. أمّا اذا كانت هذه المطالب غير واقعيّة أو فضفاضة أو سطحيّة، فإن إمكانية حل الأزمة داخليا يصبح ضئيلا أن لم نقل مستبعدا.

في مثل هذه الحالة سيكون هناك حاجة بالضرورة لتدخل أميركي لإنهاء الأزمة. صحيح أنّ الوضع الداخلي الأميركي لا يساعد كثيرا، وصحيح أيضا أن الإدارة الأميركية ليس لديها شهيّة للتدخّل في مثل هذا النوع من النزاعات البينيّة، لكن واشنطن لديها مصلحة في أن لا تطول الأزمة، لأنّ استمرارها سيؤدي حتما إلى تشتيت الجهد وتفكيك وحدة الصف وصرف الأنظار عن الأولويات والمخاطر المحدقة المتفاقمة حاليا في المنطقة ومن بينها داعش وايران .

الولايات المتّحدة على علاقات جيدة بالطرفين القطري والسعودي، لكن لأسباب كثيرة، من الصعب دعوة الأطراف لواشنطن للقيام بهذه المهمّة علنا، لكن من المفترض أن لا تخشى قطر من فعل هذا الأمر اذا رأت أنّ هناك حاجة له، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخارجية الأميركية، إذ عليها أن لا تنتظر دعوة من احد في حال تعقّدت الأزمة، إذ يظل بإمكانها الدخول على الخط مباشرة من خلال موقعها ودورها دون انتظار دعوة من احد.

وبالرغم من مواقف وزارة الخارجية الأميركية الداعمة للموقف القطري مؤخرا، التي تعبّر عن الوجه العقلاني والمنطقي لأميركا، فإن السعودية والإمارات لم تعتبرا الأمر انحيازا لصالح قطر، ولم تهاجما أميركا في وسائل الإعلام، وذلك لأنّ الأخيرة ضامنة لأمنهما وأمن الخليج منذ عقود طويلة، وهذا يفترض بأنّه لن يكون هناك حساسية من دخول موقف أميركي عقلاني على الخط يضغط على السعودية والإمارات للدفع باتجاه جعل المطالب واقعية وقابلة للتحقق، حتى يمكن مناقشتها وبحث مسألة التفاوض بشأنها.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,558

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"