بريجنسكي، السياسي المفكر بالعلوم والتكنولوجيا

محمد عارف

في آخر تغريداته عبّر مستشار الأمن القومي الأميركي السابق «بريجنسكي» عن امتنانه للصحيفة الروسية «غازيت رو»، وقال «تعامَلَت مع آرائي الشخصية بجدية، ونادراً ما تفعل ذلك صحيفة روسية».

 

و«بريجنسكي» الذي توفي مؤخرا عن عمر يبلغ 89 عاماً، يمزح في تغريدته، فالروس يتعاملون مع أعتى أعدائهم بجدية أكثر من أصدقائهم. وصعقني ذلك عندما التحقتُ لدراسة الدكتوراه في «أكاديمية العلوم» بالاتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي. كان موضوع أطروحتي «الثورة العلمية التكنولوجية والبلدان العربية المنتجة للنفط»، ولم أتوقع أن تكون بين مراجعي مؤلفات «بريجنسكي»، العدو اللدود للشيوعية والاتحاد السوفييتي.

وآنذاك كان مفهوم الثورة العلمية التكنولوجية قد أضحى العقيدة المشتركة بين «بريجنسكي» و«الحزب الشيوعي السوفييتي». وفي كتابه «العصر التكنوتروني» الذي صدر عام 1982، توقع أن «تصبح الموهبة القوة الجديدة، وأن يُقزمّ الذكاءُ والإبداعُ التكنولوجي والتقدمُ المكانةَ الاجتماعيةَ والنفوذَ». ولتطبيق ذلك شارك «بريجنسكي» الرئيس الأميركي الأسبق «كارتر»، وصاحب المليارات «روكفلر» في تأسيس «اللجنة الثلاثية» التي ضمّت أبرز زعماء أميركا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان.

و«الثورة التكنوترونية» التي يحدثها الكومبيوتر والأجهزة الإلكترونية في جميع ميادين حياة البشر والمجتمعات والدول، تشكل المرحلة الثالثة الكبرى من تطور العالم بعد الثورتين الزراعية والصناعية. هذه هي الأطروحة الرئيسية للكتاب، وقد وجدتها ماركسيةً، رغم عداء «بريجنسكي» المحموم للشيوعية.

لعب «بريجنسكي» أدواراً حاسمة في أحداث مهمة للمنطقة والعالم خلال عمله «مستشاراً للأمن القومي» لدى الرئيس «كارتر»، بينها إرسال قوة كوماندوز لإنقاذ رهائن سفارة واشنطن في طهران عام 1978، العملية التي انتهت بكارثة قضت على حياة الجميع، وتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد»، وإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين واشنطن وبكين. وفي الموقف من حرب العراق عام 2003 انفرد «برجينسكي» بين نخبة السياسيين الأميركيين ليس فقط بمناهضتها، بل في التحذير من الكارثة المترتبة عليها.

ومن آخر تغريداته «انظروا إلى الإسلام بطريقة عقلانية ومن دون ديماغوغية، إنه دين رئيسي لمليار ونصف المليار من سكان العالم». و«أجل ينبغي أن يُرفض ويُدان الإرهاب الفلسطيني، لكن لا يمكن أن يُقنن ذلك في سياسة تدعم اضطهاداً وحشياً حقاً، وإقامة مستوطنات كولونيالية».

و«في منعطف القرن الحادي والعشرين ستصبح التغيرات العالمية خارج نطاق السيطرة» عنوان تقرير بعثتُه من «لوس أنجلوس»، نشرته صحيفة لندنية في حزيران/ يونيو 1993. تناول التقرير الضجة التي أثارها كتاب «خارج نطاق السيطرة»، والذي عارض فيه «بريجنسكي» النظرية السائدة آنذاك حول نهاية التاريخ. «فالتاريخ اليوم لم يعد كما في الماضي، عصوراً يمكن تمييز ملامحها البارزة، بل يمثل التاريخ انقطاعات حادة يصطدم أحدها بالآخر، وتغشى رؤيتنا وتربك مدركاتنا. وبكلمات أخرى نحن نعيش في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي بدأنا للتو إدراكه. وما إن يتح لنا فهم الواقع الجديد حتى يصبح العالم مختلفاً جداً في أشكال قد تبدو اليوم غير قابلة للتصديق، فالانقطاع هو الواقع المركزي للتاريخ الراهن».

وأدهشُ عندما أراجع مصادري للدكتوراه، وقد حملتُها معي عبر الدول الشيوعية والرأسمالية، حيث عشت مع طفليّ، وأمهما التي رحلت عنا فجأة. أربعة عقود من «الثورة التكنوترونية» غيّرت حياتنا الشخصية، وحياة مليارات البشر، وقد تابعتُ كمحرر علمي ما أثارته، وما تزال تثيره من مختلف التوقعات حول تقارب وتداخل البلدان والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وتختلط في قلبي مشاعر الأسى والمرح العابث عندما أراجع الكم الهائل من هوامشي على المؤلفات التي كان عليّ مراجعتها في عملي البحثي والإعلامي. وأياً كانت مآلات الجدل الحالي حول وجود اتهامات بالتواطؤ، فالتقارب والتداخل قائمان بين واشنطن وموسكو، وما أسعده من رحيل أبدي إذا كان «بريجنسكي» مطلعاً على التواطؤ!

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,448

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"