شرق أوسط أم مشرق عربي؟!

قيس النوري

لم يكن مصطلح (الشرق الأوسط) كتعبير جغرافي قد تداولته الادبيات ‏السياسية والدراسات والبحوث الاكاديمية حتى خمسينات القرن التاسع ‏عشر، إلا أنه ظهر بعد ذلك من قبل مكتب الهند البريطاني ‏British ‎India Office‎‏ خلال حقبة زمنيه شهدت تصاعد التنافس البريطاني مع ‏روسيا القيصرية على مناطق النفوذ، ومنها المنطقة الممتدة من شرق ‏المتوسط (سواحل سوريا الكبرى) باتجاه الشرق حتى الجبال التي تفصل ‏الهضبة الإيرانية عن العراق.‏

 

لاحقاً انتشر استخدام المصطلح على يد الأميركي (الفريد ماهان) عام ‏‏1902 ليصف منطقة جغرافية محددة، ورغم تواتر التعريفات اللاحقة، إلا انه ‏بقي متغيراً لجهة الحيز الجغرافي النهائي له، رغم أن تلك التعريفات، وإن ‏تباينت في تحديد حدوده، إلا أنه ضم شعوبا ذات أعراق مختلفة، جزء ‏منها عربي في حين يتوزع الباقي على مناطق أخرى تضم شعوبا ذات ‏أعراق مختلفة تضم شعوباً فارسية وتركية وأفغانية وأذرية وأرمنية ‏وغيرها، ومن الصعب تحديد أبعاد وإطار هذا المصطلح الخاضع ‏بالأساس للبعد الجيوستراتيجي طبقا للمفاهيم والتطلعات الأجنبية.‏

إن حقيقة عدم وجود منطقة يمكن أن تسمى (شرق أوسط) بدلالة متغير ‏حدوده طبقا للتطورات السياسية المنعزلة عن الطبيعة الجغرافية ‏والبشرية، وطبقا لاختلاف تحديد حدوده تبعا لصعود أو تراجع دور القوى ‏العالمية ومفاهيمها التوسعية، حيث كانت المنطقة المقصودة ولم تزل في ‏بؤرة مصالح ومطماع هذه القوى لما تتمتع به من مزايا بمركزها ‏الاستراتيجي الهام في ربط القارات الثلاث، أوربا وأسيا وافريقيا ناهيك ‏عن ثرواتها الطبيعية الهائلة.‏

لقد دخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على خط التعريفات فعرفت (‏الشرق الأوسط) عام 1989 بأنه المنطقة الممتدة من ليبيا غربا الى إيران ‏شرقا، ومن سوريا شمالا حتى اليمن جنوبا (دول عربية حصرا)‏، وكان غرض الوكالة من هذا التعريف سحبه على مسألة منع الانتشار ‏النووي للدول غير الحائزة على القدرات النووية، بمعنى التزام هذه الدول‏، وهي جميعا عربية طبقا لهذا التحديد، بالبقاء على المنطقة منزوعة ‏السلاح النووي دون التطرق طبعا للسلاح النووي الصهيوني، أما ‏الأميركان فقد توسعوا في تحديد حدوده ليشمل أثيوبيا وباكستان ‏وأفغانستان والدول الإسلامية في آسيا الوسطى بعد انفصالها عن الاتحاد ‏السوفياتي السابق، وبهذه الحدود لمجاله الجغرافي تطابق مع نظرية الامن ‏الصهيونية بأبعادها الجغرافية.‏

من هنا فإن هذا المصطلح (الشرق الأوسط) مصطلح سياسي النشأة ‏والاستخدام ولا يتمتع بالثبات، كون التصور الغربي له يقوم على افتراض ‏أن المنطقة، بعد الاقحام البشري المتنوع المقصود بين ثناياه، يضم ‏عناصر عرقية مركبة تتألف من خليط من الطوائف والشعوب والقوميات.‏

اللافت أنه في عام 1907 صدر في لندن تقرير (كامبل بنورمان) وزير ‏المستعمرات آنداك وضعه إثر مؤتمر عقدته مجموعة من علماء التاريخ ‏والسياسة والاقتصاد بمشاركة وتوجيه عدد من السياسيين الاوربيين، ‏تناول الوضع في المنطقة العربية جاء فيه "يكمن الخطر على الغرب في ‏البحر المتوسط، لكونه همزة الوصل بين الشرق والغرب، ويعيش على ‏شواطئه الجنوبية والشرقية شعب واحد، تتوافر له وحدة التاريخ واللغة ‏والجغرافية، وكل مقومات التجمع والترابط، وذلك فضلا عن نزعاته ‏الثورية وثرواته الطبيعية الكبيرة".‏

بدأ البريطانيون تسويق المصطلح، باعتباره أحد الأدوات التفتيتية للوحدة ‏المكانية العربية المستهدفة، حيث ظهر كتاب يحاكي تقرير لجنة كامبل، ‏فأصدر (هاملتون) في عام 1909 كتابه المعنون (مشاكل الشرق الأوسط) ‏وضح فيه أهمية المنطقة لاوربا والعالم الغربي، وطالب بصراحة ‏بضرورة السيطرة عليها.‏

توالت الخطوات الإجرائية البريطانية في التعامل مع منطقة المشرق ‏العربي بخطوات استباقية حيث أعلن (اللورد كرزون) عام 1911 تأسيس ‏إدارة خاصة (للشرق الأوسط) كلفها بالإشراف على شؤون فلسطين وشرق ‏الأردن والعراق، وهي إدارة كانت مهمتها أصلا البدء بالتحضير للمقدمات ‏الضرورية الإجرائية لأنشاء الكيان الصهيوني لاحقا.‏

لقد تلقفت الحركة الصهيونية هذا التوجه الاستعماري، البريطاني تحديدا، ‏وبدأت العمل على وضع الدراسات المستقبلية التي تستند الى تحديد ‏جغرافي أساسه مصطلح (الشرق الأوسط)، فقد حددت الحركة عام 1942‏‏ أهدافها في مؤتمر بالتمور الصهيوني، ذلك‏ المؤتمر الذي يعتبر أهم مؤتمر صهيوني بعد المؤتمر التأسيسي في بازل ‏على الشكل التالي (إقامه قيادة يهودية للشرق الأوسط بأكمله في ميداني ‏التنمية والسيطرة الاقتصادية).

وتم وضع دراسات ومذكرات حول المنطقة ‏في عامي 1941 و1942 حيث قدموا مشروعا يعبر عن توجه الحركة ‏الصهيونية لمواجهة الكتاب الأبيض لحكومة الانتداب البريطاني في ‏فلسطين.

وجاءت هذه التصورات بما يتسق مع التوجهات المبكرة ‏للحركة الصهيونية حين كتب (تيودور هيرتزل) مؤسس الحركة في يومياته "يجب قيام كومنولث شرق اوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن قيادي ‏فاعل، ودور اقتصادي قائد".‏

لذلك فإن مصطلح (الشرق الأوسط) في حقيقته ومغزاه السياسي ابتكار ‏غربي بديل للوصف الجغرافي الطبيعي لمنطقة المشرق العربي المتسق ‏جغرافيا وبشريا مع تكويناته، حيث أن البديل المستحدث أرتبط برؤى ‏ومشاريع وغايات أجنبية، وهو يجدد نفسه أتساقا مع مشروع (الشرق ‏الأوسط الكبير) المطروح بأبعاده وتفريعاته الاقتصادية والأمنية طبقا ‏للرؤية الصهيونية.‏

المشرق العربي والذي يضم العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان ‏ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية واليمن، يشكل كتلة أرضية ‏عملاقة بمساحة تقترب من ثلاثة مليون كيلو متر مربع، بإطلالات بحرية ‏استراتيجية على البحر المتوسط والاحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، ‏ويشكل عدد سكانه مجتمعين بحدود 150 مليون نسمة من أصول تاريخية ‏وتكوينية مشتركة ووحدة مجتمعية يجمعها لغة وتاريخ واحد متصل ‏عضويا بالجناح الغربي للوطن القومي العربي.‏

ليس من الانصاف، وليس علميا إذن الاتساق مع مفاهيم ومصطلحات ‏مضللة صاغتها وسوقتها قوى أجنبية كبرى لأغراضها الاستعمارية على ‏حساب حقائق الأرض ووحدة المصالح العربية المشتركة والمصير ‏الواحد.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,393,748

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"