فهم خاطئ لمفهوم الأمن القومي

نزار السامرائي

ربما صار من قبيل التكرار الممل أن أوضح بأنني عروبي التوجه، بعثي الانتماء السياسي عندما بلغت الخامسة عشرة من العمر، وعلى الرغم من مرور أكثر من 60 عاما على هذا الاختيار ومع كل حالات الصعود والهبوط بل الإخفاقات في المسيرة القومية، إلا أنني ما زلت أرى فيها خياري الثابت حتى إذا تنكر له كثيرون بمن فيهم أولئك الذين شغلوا مواقع قيادية في البعث أو أعطوا لأنفسهم صفة مفكرين أو منظرين له يوما ما ثم لم يجدوا في أنفسهم حرجا أن ينظروا ضد قناعاتهم المعلنة سابقا، والأمر لا يتعلق بعناد شخصي أو مكابرة أو بمصلحة ضيقة، ولا بنجاح هنا أو فشل هناك، لأنني أعرف سلفا أن كل اتجاه فكري وسياسي قومي مستقل يسعى لرفعة الأمة وعزتها، بعيدا عن التوازنات الدولية وسياسة الأحلاف لا بد أن يواجه تحديات كبرى لن تفلح معها كل المرونة أو التنازلات التي تقدم لمراكز الاستقطاب الدولية سواء من دون ثمن أو حتى بأعلى التضحيات.

لكن انتمائي الفكري للبعث لا يحجب عني رؤية الحقائق على الأرض كما هي، والتعامل الميداني مع الإفرازات السياسية السائدة على الأرض بما هو مناسب لكل حالة منها، لكن من دون تنازلات مبدئية فلم يعد متسع من الوقت لمراجعات عفا على أمثاله الزمن عندي، لاسيما وأنا لا أمثل أحدا ولا ألزم أحدا بموقفي هذا فأنا اتحرك من دون إطار يقيدني، فلا يمنعني ولائي للفكر القومي العربي من الانفتاح على الشخصيات والتيارات التي تتقارب معي في وضع خطوط واضحة المعالم على مسألتين هما جوهر النضال القومي، الأولى الاحتلال الإيراني للعراق وسوريا ولبنان والأحواز وسلب هويتها العربية وإجراء تغييرات ديموغرافية على مجتمعاتها ونشر التشيّع بالقوة، والثانية الاحتلال الصهيوني لفلسطين الذي يحظى بإجماع دولي على دعمه ويريد التوسع على حساب الأراضي العربية.

كما أؤكد أنني اختلف فكريا مع التيارات اللبرالية التي تطرح نفسها قوة فاعلة في الساحة العراقية ولكنها تبشر بعهد جديد من الانفتاح على إسرائيل وفتح أبواب العراق أمام دول العالم من دون استثناء لممارسة أنشطتها السياسية والاقتصادية والاستخباراتية بلا رقابة من ضمير أو رادع وطني أو قومي، بل تعتبر ذلك جزء من تقاليد العراق الجديد الذي تريد إقامته، وكذلك التيارات الأممية كالإسلام السياسي وبخاصة التشيّع السياسي بكل تفرعاته وحركاته وأحزابه لأنها لا تحمل من الإسلام إلا الاسم وتوظفه كجسر للعبور إلى أهداف لا صلة لها بالإسلام بل هي لتقويض الإسلام وتشويهه عبر برامج وممارسات مسيئة وفتاوى تحلل كل ما حرم الله وتستبيح الدم الحرام والمال العام، ولأن هذه القوى تجاهر بولائها لإيران وتتنكر للوطن وتجند إمكاناتها ضد كل توجه وطني أو قومي، وكذلك الحركة الشيوعية.

ومن أجل ألا يكون الحكم مطلقا لا بد من خطوط فاصلة بين أطراف هاتين الحركتين فيما يتعلق بالاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وتحضيراته التي صممتها قوى إسلامية شيعية هي التي تحكم العراق في الوقت الحاضر، ليست الحركات السياسية أو الدينية الشيعية وحدها التي تآمرت على العراق وإنما هناك شخصيات سنية بعضها انشق عن الحكم الوطني فرأى أن حقده على صدام حسين يجيز له أن يضع رقبة العراق تحت مقصلة الحقد ويكون مطية للأجنبي في التآمر على بلده، وكذلك كان الحزب "الإسلامي العراقي" السني فاعلا في مؤتمر لندن الذي انعقد سنة 2002، حتى وإن أنكر ذلك.

كان مؤتمر لندن المشؤوم شارة البدء لانطلاق العمليات العسكرية الكبرى التي بدأتها القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة في 19/20 آذار 2003 وانتهت باحتلال العراق في 9 نيسان 2003، أما الحزب الشيوعي فبوقاحته المعهودة وقدرته على تزييف الشعارات لم يتردد في المشاركة في عضوية مجلس الحكم الانتقالي الذي شكلّه الحاكم المدني بول بريمر، ولكن بصفة أمينه العام شيعيا وليس شيوعيا وهنا المفارقة الكبرى لهذا الفكر الدخيل على الأمة، وبذلك سقطت كل مبادئ الحركة الشيوعية وشعاراتها المعادية للإمبريالية الأمريكية دفعة واحدة في مستنقع رذيلة نزعة الكراهية التي يختزنها الفكر الشيوعي تجاه كل فكر وطني أو قومي، حتى تأكد أن الفكر الماركسي اللينيني يعاني من تحجر معيب،  وحالة انجماد روسية لم تؤثر بها حرارة العراق.

على العموم ومع مرارة الماضي القريب من تاريخ العراق الذي صنعته الحركات المحسوبة على الإسلام زورا، فإنني أضع فروقا مؤكدة بين الفكر الشيوعي وسلوك قادته، وكذلك هناك حقيقة مؤكدة هي أن الحزب الإسلامي الذي تأسس على يد نعمان عبد الرزاق السامرائي في عهد اللواء عبد الكريم قاسم سنة 1960 بشكل رسمي أي بإجازة رسمية وأصدر حينذاك صحيفة يومية أطلق عليها اسم الجهاد، اعتبره بعض مؤرخي الحركات السياسية العراقية بمثابة انشقاق في حركة الاخوان المسلمين بحيث يمكن القول بأن حركة الاخوان المسلمين في العراق تلاشت ولم يعد لها وجود يذكر إلا في ضمائر بعض قادتها التاريخيين.

عاش الحزب  الإسلامي منذ ذلك الوقت انقسامات وانشقاقات حقيقية ما تزال تحطم بنيته التنظيمية وتجرف من رصيده على ضآلته في الماضي ثم الذي تكوّن له بعد الاحتلال عبر انتماء أوساط انتهازية لا هوية لها ومنتفعة تبحث عن مزيد من المصالح والمكاسب الآنية ولم يكن الدين أحد همومها أو اهتماماتها.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وقف أحد الزعماء التاريخيين لحركة الاخوان المسلمين الشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان ضد الاحتلال موقفا لا لبس فيها ولا غموض وقفة مشرفة لتاريخه الذي لم يلوثه بمباركة احتلال يعرف أنه مخالف لكل الأحكام الشرعية التي جاء فيها الإسلام الحنيف، وهذا الموقف ما زال سببا في تبني الحزب الإسلامي عداءً لا يظهره الحزب على السطح أملا في ألا تؤثر الخلافات على وحدة لم تعد موجودة إلا في ذهن قادة الحزب.

أجدني أقول كل هذا بعد ما أصاب الأمة العربية من تداعيات ما بعد الاحتلالين الأمريكي والإيراني للعراق وما أصابها من انكسارات نتيجة خروج العراق من منظومة الأمن القومي العربي، لأن العراق وباعتراف الجميع كان حجر الزاوية في هذا الأمن، ولعل في خروج الخطر الإيراني من التكهنات والمخاوف السياسية ومن التقية التي كان يستبطنها إلى العلن هو الدليل الأوضح على أن العراق كان السد العالي بوجه الرياح الصفراء القادمة من الشرق والتي تريد اقتلاع الأمة العربية من جذورها وتطمس هويتها ومعالم عزها وتلحقها بولاية الفقيه قسرا، ويبدو أن قصور رؤية بعض العرب في معرفة مفهوم الأمن القومي بتفسيراته السليمة، أن كل طرف متنازع مع أي طرف عربي آخر بات يستحث العرب الآخرين على الوقوف معه ضد الأطراف العربية الأخرى ومن لا يفعل ذلك فهو متنكر للأمن القومي العربي، لهؤلاء السادة نقول بوضوح إن مفهوم الأمن القومي لا يفعّل في حالات النزاعات البينية داخل الأسرة العربية بل في حالة نشوب نزاع عربي مع طرف أجنبي حتى لو كان تفعيل الأمن القومي على حساب علاقات متينة مع البلد الأجنبي، وهنا تحضرني تصريحات للرئيس صدام حسين رحمه الله بُعيد توقيع اتفاقية التعاون السوفيتية العراقية في 9/4/1972، فقد سأل صحفي أجنبي صدام حسين (ماذا لو أن السوفيت هاجموا المملكة العربية السعودية؟ أجاب جوابا كان بمثابة صاعقة سياسية فقال، لو أن السوفيت فعلوا ذلك فإن القوات العراقية ستتصدى لهم حتى قبل القوات السعودية)، هذا هو الفهم السليم للأمن القومي العربي والتجسيد الكامل له، ولكن الزمن دار دورة كاملة وتغيرت أحوال العرب إلى حدود عصية على فهم العقل السليم، فمن أبرز تحديات الأمن القومي العربي، العدوان الأمريكي على العراق والمستمر منذ عام 1991 وحتى الآن، هذا العدوان الذي لولاه ما كان بإمكان إيران أن تطل برأسها بهذه الوقاحة على الأمة العربية، العراقيون لم يشعروا بمرارة أن أحدا من الأشقاء العرب الرسميين في مصر وسوريا والخليج العربي قد فكر يوما بموضوع الأمن القومي أو مجرد حديث عن معاهدة الدفاع العربي المشترك أو ميثاق جامعة الدول العربية تلك الوثائق التي بقيت حبرا على ورق، وحتى يوم تم تجويع نحوا من 30 مليون عراقي لمدة 13 سنة عجفاء، لم تتحرك النخوة العربية لوضع حد لمأساة ملايين النساء والأطفال الذين ماتوا بسبب منع الدواء والغذاء عنهم وفقا لإحصائيات المنظمات الدولية وراح ضحية ذلك التجويع العربي الدولي أكثر من مليون طفل ومثل ذلك من النساء والشيوخ، ومع ذلك فإن العراقيين لم يتأخروا في نصرة كل من يستنجد بهم على ضعف ما تحت أيديهم من مؤونة الطريق الشاقة والطويلة.

هنا قد يبرز سؤال يحاول أن يحرف الأنظار عن جوهر القضية القومية، وهو موضوع دخول العراق إلى الكويت في 2/8/1990، وما أعقبه من تداعيات، لو أن العرب أخذوا بمقترح الملك حسين رحمه الله لتم حل الأزمة بيسر وسهولة والذي دعا فيه إلى حل القضية في إطارها العربي من دون إشراك دول كبرى تحاول استغلال أية ثغرة عربية للتسلل منها إلى نسف منظومة الأمن القومي العربي وتكفير العرب بأهمية التعاضد والتضامن فيما بينهم وتغليب الاعتماد على التحالفات الخارجية في أمنها ولو كان على حساب علاقاتها البينية، ولكن حسني مبارك نجح في مسعاه لإحباط مشروع الملك حسين القومي في الحل العربي، إذ أن حسني مبارك وحافظ الأسد اختارا الانضمام إلى حلف معاداة الأمة وأرسلا الجيشين المصري والسوري للمشاركة في العدوان على العراق طمعا في وعود لم ينفذ منها إلا النزر القليل، وجرا معهما دولا عربية أخرى فانضمت إلى الحلف الذي تبنته دول الخليج العربي عندما دقت طبول الحرب بقوة ووضعت قواعدها وأجواءها وأراضيها في خدمة التحالف الثلاثيني الذي أراد تدمير العراق بلا أدنى رحمة أو إحساس إنساني أو عربي، قضية الكويت ومهما بذل الكويتيون من جهد ونفاق سياسي أو مالي للدول الكبرى تبقى قضية نزاع داخل الأسرة العربية تم تدويله بقرار أمريكي وهنا يمكن أن نؤشر على قضية الكويت بأنها جزء من الأمن الوطني لكل بلد ولا صلة له بالأمن القومي العربي، وهنا يبرز ثراء اللغة العربية ودقة معانيها وعدم قفز معانيها من معنى إلى آخر، إذ تم الفصل بين مفهومي الأمة والوطن، وهذا الفصل لا وجود له في سائر اللغات الأوربية فهي تطلق عليهما اسم Nation.

أعود إلى النزاع الخليجي الحالي المؤسف في دوافعه وتداعياته على الأمن القومي العربي والذي يجب أن يبقى نزاعا داخل أسرة واحدة ويجب أن يحل في نطاقها، خاصة لجهة تحيّن إيران لكل بؤرة خلاف بين طرفين عربيين كي تقدم نفسها صديقا وفيا مخلصا في رأب الصدع بين أطراف النزاع وهي واقع الحال تنفخ فيه كل عوامل الفتنة وتأجيج نارها، وهكذا نراها تقدم نفسها بنفاق سياسي لا مثيل له لقطر داعما اقتصاديا لتجاوز الصعوبات التي واجهتها بعد الحصار الرباعي، ومن جانب آخر تذرف دموعا غزيرة على وصول العلاقات عند جيرانها إلى هذا الحد ونحن نعرف قطعا أن أكثر طرف يتمنى أن ينتقل النزاع من ساحاته السياسية إلى ميادين القتال هي إيران، كي تدعم الطرفين بالسلاح من تحت الطاولة لتبقى الحرب إلى زمن تصبح فيه خلاياها النائمة جاهزة للانقضاض على الجميع وابتلاعهم دفعة واحدة ويتحقق الحلم الإيراني بالسيطرة على الجزيرة العربية والخليج العربي وتبسط هيمنها السياسية على مكة المكرمة والمدينة المنورة ثم لتزعم بأنها وحدها التي تمثل الإسلام.

مرة أخرى أطرح السؤال ما هو مفهوم الأمن القومي العربي؟ هل المقصود منه أن يهب العرب للوقوف إلى جانب طرف عربي معين إذا ما دخل في نزاع مع بلد عربي آخر لمجرد أن ذلك الطرف يرغب بتعزيز مكانته التفاوضية بالقول إنه يحظى بتأييد عربي واسع؟ أم أن الأمن القومي هو التزام جماعي بما تمليه قواعد قانونية وأخلاقية متبادلة؟

حسنا هل يعني ذلك مقايضة بين الدول العربية بمواقفها بالإسناد المتبادل على الحق والباطل؟ وهل هناك أسس واضحة المعالم في حالتي الوقوف مع أو ضد؟

وعلى المستوى الفردي هل المطلوب من المواطنين العرب إشهار مواقفهم في تأييد أي من طرفي النزاع وإلا فإن الغضب سيطاله ويتحول إلى إجراءات ذات طابع قانوني يحدد قدرة الأفراد على التنقل أو العيش أو العمل وذلك لانعدام القواعد القانونية المتحضرة التي تحترم حقوق الإنسان وتنظم حركته ووجوده على أرض بلدان أخرى،  واقع الحال هذا يعكس المزاجية الحادة في التعامل مع رعايا الدول الأخرى.

أما من اختار الاصطفاف إلى جانب الدول التي تقاطع قطر أو معها، فربما يكون قد وقع في خطأ التسرع لأنه لم يفهم حقيقة أن العرب عاطفيون أكثر مما يجب ويحكّمون مزاج حكامهم في القرارات الاستراتيجية، وليس مستغربا أن نستيقظ صباح ذات يوم فنسمع أن المشكلة بين قطر والدول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي قد حُلّت كما تم حل مشاكل أكبر منها قبلا لاسيما ونحن في فصل الصيف البالغ الحرارة هذه السنة مما يقبل كل الاحتمالات، فهل يبقى من اختار الانحياز إلى أي من طرفي النزاع معلقا بأمل حل سياسي يشمل الأفراد من غير حملة جنسية البلدان المتنازعة؟ وهذا لا وجود له لا في القاموس العربي وحتى في القاموس الدولي لا أثر له، لكنني استدرك بأن هذا الموقف لا يعني الوقوف سلبا أمام ظواهر النزاع العربي بل يجب العمل على تهدئة الخواطر ولعب دور إيجابي من دون انحياز إلى أي من أطراف النزاع، وعدم تأجيج نار الفتنة بين الأشقاء وزيادتها اشتعالا، كما حصل هذا من بداية الأزمة وكأنهم يشعرون بأن سعادتهم لا تكتمل إلا عندما يرون كل البلدان العربية متخاصمة مع بعضها وتعيش أزمات داخلية لا خلاص منها.

فهل أن الأمة العربية بحاجة إلى أزمة جديدة داخل تجمع عربي ظن كثيرون أنه أكثر التجمعات السياسية التي ظهرت على السطح العربي انسجاما من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ وهل أن الأمة تمتلك القدرة والإرادة على حل هذه الأزمة؟

لقد ذهب كثير من المتفائلين العرب وأنا من بينهم إلى النظر إلى عاصفة الحزم على أنها آخر محاولة لانتشال أمة غريقة من لجتها العميقة، ولكن النزاع داخل البيت الخليجي ترك خيبة أمل مرة وطويلة الأمد وأجهز على الغريق وقطع اليد الممتدة إليه.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,495,170

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"