دبلوماسية التدخل في القضاء الأوروبي

الصورة: الجعفري في فيينا مع وزيري الخارجية سيبستيان كورتس، والداخلية فولفانج سوبوتكا.

نزار السامرائي

لا أدري هل نصح أحد من حكومة العبادي وزير خارجيتهم بالسفر العاجل إلى فيينا عاصمة النمسا لتوسط بائس لعدد من القتلة الذي ضبطوا ضمن أفواج المهاجرين غير الشرعيين إلى أوربا، فاعترفوا بارتكابهم جرائم القتل بقطع الرقاب والتعذيب لأعداد كبيرة من أبناء المحافظات السنيّة بتهمة انتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

 

ولندع هذا الموضوع لموضع آخر في المقالة ولكن أرجع إلى شكليات الزيارة الخائبة لعبقري الدبلوماسية الدولية إبراهيم أشيقر الذي صار يعرف منذ احتلال العراق سنة 2003 بإبراهيم الجعفري في مهرجان استبدال الأسماء والألقاب وخاصة في صفوف الطبقة القيادية في حزب الدعوة الذي كنا نطلق عليه وصف العميل قبل الاحتلال وتأكد أن لا وصف أدق منه، الوزير الذي شغل منصب رئيس الوزراء وبعد أن اكتشف الأمريكيون أنه يتحدث خارج طبقة الأزون استبدلوه فجاءوا بخليفته المالكي الذي تحول من جواد إلى نوري فلم يجدوا فيه إلا الامتداد لفوضى أشيقر وخلطه بين الأمور حتى تمكن من الإجهاز على جيش المهدي في صولة الفرسان عام 2008، فجاءوا أخيرا بآخر من رست عليه مقادير العراق السيئة حيدر العبادي.

أعود إلى أشيقر هذا الشخص المركب الشخصية والمريض نفسيا والذي ألقت به أمواج الغزو مع زبدها فوضعته على شواطئ العراق، بعد أن أعيا الحكومة البريطانية خلال سنوات لجوئه "الإنساني" المرّة عليها وتمارضه الذي أضاف لقاموس الأمراض النفسية أسماء وعناوين غير مسبوقة وطلبه لأنواع الدعم الطبي، نقل موروثه الطبي إلى مناصبه الأكبر منه، من دون أن ينقل معه سجله الصحي الذي يساعد الأطباء في العراق على علاجه، ويبدو أن مستشفيات المملكة المتحدة ومن باب الأمانة الطبية ووجود قانون صارم يحترم الأسرار الطبية للمرضى لا يمكن أن تسمح بكشف أسرار المرضى.

كان على أشيقر قبل التورط وشد الرحال إلى أجمل وأنظف عاصمة في الدنيا، على الأقل أن يسأل أي واحد يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالعمل الدبلوماسي حينها كان لا بد أن يخبره بأن أي زيارة لرئيس الدبلوماسية في بلد ما إلى بلد عريق في تقاليده الدبلوماسية مثل النمسا بلد مترنيخ عبقري الدلوماسية الأوربية في وقته، لا بد أن تتم استحضاراتها بين مقر الوزارة وسفارتي البلدين في عاصميتهما، وحتى لو كانت زيارة عاجلة لا بد من إيجاز عاجل لمفرداتها على الأقل ليكون سفير بلد الضيف الزائر على بينة من طبيعتها، ولكن على ما يبدو أن مكتب الوزير والدائرة السياسية الأوربية لا علم لهما بها أو قصّرا في اتخاذ الإجراء المناسب مع سفارة العراق في فيينا أو أنهما قاما بواجبهما ولكن سفارة العراق وسائر دوائر وزارة خارجية حزب الدعوة بمستوى وعي وخبرة الحزب في كل الشؤون التي دخل فيها عنوة وخربها بجهل مركب يعانيه منتسبوه الذين احتلوا مناصبهم بمحض الصدفة ومن دون شهادة جامعية  ولو مزورة، بحيث أن سفارة أشيقر في فينا لا تعرف حقيقة واضحة أوضح من شمس العراق في تموز في رابعة النهار وهي أن لا أحد في السلطة التنفيذية في كل دول العالم التي تحترم نفسها وخاصة دول الاتحاد الأوربي، يمكن أن يدس أنفه أو يحشر نفسه في شؤون السلطة القضائية المستقلة حتى درجة القدسية، وإلا فإن من يجازف بمثل هذا التصرف الطائش فإنه سيعرض مستقبله السياسي والأخلاقي إلى أكثر الحالات عتمة وظلاما، هذا إذا مر الأمر عند هذا الحد ولم يعرّض الحكومة إلى مسائلة برلمانية قاسية قد تنتهي بإسقاطها.

والآن ماذا يمكن أن تعطينا الزيارة من حقائق؟

1 – إن حكومات العراق التي فرضها الأمريكيون ورست تقاليدها على مذهب ولاية الفقيه وعلى الرغم من كل النصوص الدستورية عن الفصل في السلطات، لا تقيم أدنى وزن لهذا المفهوم المقدس الذي جاء به الإسلام عندما كان هناك قاضي قضاة يستطيع أن يقود الخليفة ويجلسه في قفص الاتهام عند اقتضاء الحاجة حتى لو كان خصمه من أبسط الناس، ولكن العرب هم الذين أضاعوا مبدأ كانوا كرسوه عندما كان الإسلام حاضرا في حياتهم وليس في شعارات جوفاء كما هو حال المتأسلمين، فتلك الحكومات الجائرة مارست الظلم والقتل والتسلط وتسيير القضاء على هوى حكامها كيفما تشاء، فضاعت الحقوق وسط هذا الظلم المتراكم وعانى المواطن إلا شلة الأقارب والأصدقاء والدوائر الضيقة بالحكام، من ويلات وجور لم يعرف العراق مثله حتى أيام هولاكو وجنكيز خان.

ولو أن حكومة حزب الدعوة تقيم وزنا لسلطة القضاء المستقلة كما تنبح دعايتها لما حاولت التأثير على  القضاء في أوربا وسير الدعاوى المرفوعة على قتلة محترفين اعترفوا على أنفسهم مع أفلام فديو لأنفسهم  سجلوها بزهو عن قطعهم لرؤوس شباب بالعشرات بقرارات خارج سلطة القضاء، هذه الحماقة بتدخل وزارة الخارجية في قضية قضائية في النمسا وبهذا الشكل الفج هل يمكن أن تعطينا تصورا عن حجم المأساة في السلطة القضائية في عراق اليوم؟ وما هو مصير من يخضع لهذه السلطة المصادرة لصالح نزوات حكام جهلة يعانون من أمراض وعقد الضياع والتسكع.

2 – ترى ما هي قيمة من تجشم من أجلهم إبراهيم أشيقر عناء السفر ليهرب من حر تموز اللاهب وتحط رحاله في فيينا؟ ألا يدل ذلك على أن هؤلاء مهمون كثيرا لحكومتهم إلى الحد الذي يمكن أن نسجل أنها المرة الأولى التي تتدخل وزارة الخارجية على هذا النحو الفاضح والخارج عن التقاليد الدبلوماسية دفاعا عن قتلة وتمنحهم حكما بالبراءة وتنصّب نفسها كمحامٍ للشيطان؟

السلطة القضائية في النمسا مطلوب منها ومن أجل أنصاف الضحايا، التعرف عن كثب على أسماء أقارب المتهمين واحدا واحدا وحتى الدرجة الرابعة على الأقل وسوف نكتشف أن هناك حثا حكوميا للجناة باستغلال حالة الفوضى التي اجتاحت أوربا عام 2015 جراء موجة النزوح من مئات الآلاف من العراق وسوريا.

 حسنا إذا كان هؤلاء جزء من أحزاب الحكومة ومليشياتها فلماذا لم يبقوا في العراق وهم ليسوا ملاحقين أو مطلوبين؟ بل هم مشمولين بالرعاية التي أراد أشيقر توفيرها لهم في النمسا جهلا منه وحمقا؟ ثم هل هناك واجبات أخرى مناطة بهم وتخشى عليها حكومة الدعوة من الانكشاف لتصفية معارضين أو خصوم سياسيين أو شركاء في صفقات مالية أريد لها أن تنتهي إلى الأبد؟ أسئلة أرى أن قضاة التحقيق الأوربيين الأذكياء سوف لن تفوتهم وسيلاحقون كل صغيرة وكبيرة فيها حتى تظهر الصورة جلية.

3 – إن التوسع في التحقيقات لا بد أن يشمل احتمال وجود عناصر أخرى من القتلة الذين فروا من الملاحقة الشخصية من ذوي الضحايا الذين سيجدون في تواطؤ الحكومة معهم تقاعسا غير مقبول وأن حقهم لن يسترد إلا بأخذه بأنفسهم وفقا للمبادئ العشائرية السائدة، ولهذا نصحوا من جهة حكومية وتم توفير جوازات السفر والأموال اللازمة للوصول إلى المحطة الأخيرة بهجرتهم، وهذا أمر منوط بالعراقيين الشرفاء الموجودين في الساحة الأوربية عموما والنمساوية خصوصا للتحقق من كل المعلومات وتزويد الجهات القضائية بها وهذا عمل وطني مشروع.

كما أن التحقيق يجب أن يصل إلى الجهات الآمرة بالقتل والذبح لا سيما وأن عددا من القتلة اعترفوا في مرات سابقة بأنهم ارتكبوا جرائمهم تنفيذا لأوامر من آمريهم العسكريين، ولما كان الحشد الشعبي وبإصرار حيدر العبادي القائد العام للقوات المسلحة جزء من القوات الحكومية وأنه يتحرك وفقا لأوامره، ولما كان وزير الخارجية قد قام بمهمة في النمسا فلا بد أنه قام بها بموجب موافقة صريحة أو أمر مباشر من رئيس الحكومة، عليه واستنادا إلى تلك التصريحات وهذه الصلة الرسمية لا بد أن تقاد الحكومة باعتبارها طرفا صانعا للإرهاب وداعما له ومتسترا عليه، وبالتالي يجب أن يعامل العراق الحالي  كطرف إرهابي من قبل الاتحاد الأوربي والدول العربية، وبخلافه فإن شروره والسكوت عنه لن تتوقف عند حد ولن ينفع الندم وسحب الحسرات فلات حين مندم.

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,361,761

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"