اغتصاب الممتلكات مقدمة سيئة لمرحلة ما بعد داعش في الموصل

سلام الشماع

فوجئ أول المسيحيين العائدين إلى ديارهم بالجانب الأيسر من مدينة الموصل بشمال العراق، بعائلات أخرى احتلت منازلهم وسكنتها، ما مثّل مؤشراً سيئاً على مستوى التعايش السلمي والأمن والاستقرار في المدينة المستعادة حديثاً من سيطرة تنظيم داعش، بعد أن عانى سكانها ظروفاً عصيبة تحت حكم التنظيم المتشدّد، وواجهوا ويلات الحرب التي دارت في مدينتهم وأودت بالكثير منهم، وألحقت أضراراً بالغة بالبنى التحتية والممتلكات الخاصة والعامّة.

ويقول الأمين العام لاتحاد الإحصائيين العرب، غازي إبراهيم رحّو، وهو مسيحي موصلي يقيم في العاصمة الأردنية عمّان إن بعض العائلات والأشخاص كسروا أبواب دور المسيحيين في الجانب الأيسر من المدينة وسكنوها.

ويشرح أنه تابع الموضوع، قبل مدة مع عضو مجلس محافظة الموصل سابقا والمستشار في المجلس حاليا، دريد حكمت زومايا، الذي عمل على إفراغ الدور المغتصبة للمسيحيين، ولكن عمليات الاغتصاب تجددت مرة أخرى خلال الأيام القليلة الماضية، منوها إلى أن هذه الأعمال تسيء إلى العقد الاجتماعي بين أبناء الموصل ما يتطلب أن يتدخل المسؤولون لإعادة هذه الدور إلى أصحابها، ومحذرا من أن ذلك سيمنع عائلات المسيحيين والمكونات الأخرى في المدينة من العودة إليها.

ويشير إلى أن عددا من مسيحيي الموصل ومعهم البطريرك روفائيل ساكو قاطعوا مؤتمر بروكسل الذي ناقش مؤخرا مستقبل مسيحيي العراق وبعض القوى الوطنية الأخرى وصدرت عنه دعوة إلى إقامة إقليم أو محافظة مسيحية يتم إلحاقها بإقليم كردستان، لأنهم وجدوا في دعوة هذا المؤتمر مخططا لتقسيم الموصل وأهلها.

وحذّر رحّو من أن الاعتداء على دور المسيحيين، إذا ما استمر، فإن أطرافا أخرى ستستغل ذلك لإقناع المسيحيين بأن حياتهم وأملاكهم في خطر وأن الحل الأفضل لهم القبول بإقامة محافظة مسيحية تنضم إلى إقليم كردستان، داعيا شيوخ الموصل ووجهاءها إلى إيقاف هذه الاغتصابات للأملاك والعمل على إخلائها من مغتصبيها، وإلاّ ستكون الموصل من دون مسيحيين كما كانت خلال فترة سيطرة تنظيم داعش عليها.

وطالب رحّو بتعيين حاكم عسكري لنينوى من أهل الموصل ليستتب الأمن قبل الشروع بإعمار المحافظة.

وواجه المسيحيون، بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل في العاشر من حزيران/ يونيو 2014 ظروفا عصيبة انعدم معها الأمن لهؤلاء.

وظهرت كتابات على جدران منازل ومتاجر المسيحيين كعبارة “عقارات الدولة الإسلامية” وحرف “ن” والمقصود به “نصارى”، كما مُنع المسيحيون من تسلم المواد الغذائية من مسؤولي توزيع التموين، وقطعت عنهم الرواتب الحكومية.

ونشر داعش بعد استقراره في الموصل بيانا خاصا بأحوال المسيحيين من أهالي الموصل عبر المنشورات الورقية ومكبرات الصوت تم تخييرهم فيه بين الدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو القتل.

وبعد رفض المسيحيين للبيان صدر بيان آخر يُسقط خيار دخولهم في الإسلام ويبقي على خيار مغادرة الموصل أو القتل محددا مدة 24 ساعة لخروجهم ومصادرة أملاكهم.

ويستبعد سحبان فيصل محجوب، وهو وزير الكهرباء الأسبق في العراق والعضو الحالي بلجنة التنسيق والمتابعة في هيئة نينوى الوطنية، أن يكون هناك استهداف بشكل خاص للمسيحيين في محافظة نينوى حاليا، معتبرا أن اغتصاب الدور هو مشكلة من المشكلات التي طفت على السطح في مرحلة ما بعد داعش، وأن هناك مشكلات أخطر ستطفو ما لم يتدخل العقلاء لحلها في بداية نشوئها.

وهيئة نينوى الوطنية تشكيل غير سياسي يهدف إلى وضع الحلول لمشكلات مدن محافظة نينوى ما بعد داعش.

ويرى سعد ناجي جواد، الأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد والمحاضر في إحدى الجامعات البريطانية، أن حل مثل هذه المشكلات منوط بمن سيحكم الموصل، فإذا كان هذا الشخص أو الجهة يتمتعان بالحكمة ويعملان على تهدئة الأمور فإنّ الوضع سيسير نحو التهدئة. أما إذا استمرت الاعتقالات العشوائية والاختطافات واغتصاب الملكيات، فإن إمكانية التهدئة ستكون ضعيفة إن لم تكن معدومة.

ويبدي اعتقاده بأن الأمر ليس سهلا، خصوصا وأن هناك جهات خارجية وداخلية تريد للوضع المتأزم والاقتتال الداخلي أن يستمرا كي تستمر هي في مخططاتها، مشيرا إلى أن بعض الفصائل الطائفية المتنفذة تريد أن تستغل الوضع لتصفية من تعدّهم خطرا عليها ولتبرر رغبتها في إنشاء إقليم موصلي، في حين أن الأحزاب الكردية تريد للاضطرابات والتوتر والفوضى أن تستمر كي تسوّغ مطالبتها بإلحاق أجزاء من المحافظة بالإقليم الكردي.

ويؤكد جواد أن دولتي الجوار العراقي، إيران وتركيا، لا تختلفان في نظرتهما الانتهازية لأوضاع الموصل وكل منهما تريد أن تستغل الأزمة لمصلحتها.

ويخلص إلى القول إن إدارة المدينة في مرحلة ما بعد داعش يجب ألا تخضع للمحاصصة أو لـ”أكذوبة” الانتخابات، لأن هذه الأساليب ستؤزم الأمور مجددا.

ويقول الضابط الكبير في الجيش العراقي السابق، مصيب العمري، وهو من أبناء الموصل إنّ استقرار محافظة نينوى لن يتحقق إن لم يشارك أبناؤها في إعادة بناء القوات الأمنية بكل أصنافها على أسس مهنية بعيدا عن المحاصصة والمحسوبية.

ويلاحظ أن غياب المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية والمبنية على أسس مهنية، يفسح المجال لهيمنة الميليشيات الطائفية والمناطقية والعرقية وهي غير مؤهلة لحفظ الأرواح والممتلكات، بل إنّ وجودها سيكون أرضية لظهور تنظيمات أخرى تحاكي داعش تطرفا وعنفا وربّما تتفوق عليه في ذلك.

 

المصدر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :123,112,812

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"