العيد وقضايا أخرى!‏

الصورة: من ألعاب الأطفال خلال أيام الأعياد في الماضي.

جاسم الشمري

العيد يوم التسامح، يوم اللقاء والمحبة، والتسامي على الجراح، ومحاولة - في بعض ‏البلدان- لتناسي نكد الدنيا وهمومها، ولو لأيام أو لساعات معدودات، وهو يوم السلام ‏والأمن وفرحة الأطفال بالثياب الزاهية وبالعيدية (عطايا الأهل).‏

 

العيد في بعض دول منطقتنا لم يعد كما كان يوماً فيه معاني البهجة والسرور والمرح ‏والبهجة، بل صار يوماً للألم والبكاء والذكريات الجارحة، وبات مناسبة لتذكر ملايين ‏اليتامى والأرامل والمهجرين الذين – ربما- لا يملكون قوت يومهم، أو سقفاً يحفظ ‏كرامتهم بعد أن سحقتهم آلات الحروب القاسية وأفقدتهم - في لحظات- طعم الحياة بكل ‏أيامها سواء في الأعياد أم غيرها.‏

العيد في العراق صار بالنسبة لغالبية الناس – وهنا أتحدث عن الأماكن الآمنة- مجرد ‏احتفال تقليدي بأيام مباركات، أما في المناطق النازِفة فالعيد بالنسبة لسكانها يوم ‏للحسرة المضاعفة، والشعور بالضياع في داخل الوطن، وهو كبقية أيامهم مليء بالقتل ‏والدمار والقصف العشوائي، كما هو الحال في ما تبقى من أحياء مدينة الموصل التي ‏تشهد قتالاً لا تمييز فيه بين المدنيين والإرهابيين.‏

تقع اليوم على عاتق الدولة والمجتمع مسؤولية كبرى في ضرورة إدخال السعادة ‏والبهجة في نفوس اليتامى والأرامل لأنها من أهم معاني العيد، ومن متطلبات الحفاظ ‏على إنسانيتهم التي خُدشت نتيجة العوز والفاقة والفقر وضياع المُعيل.‏

المسؤولية الإنسانية التاريخية تدفعنا جميعاً للوقوف مع هذه الشرائح المُتعفِّفة ‏والمغدورة، والمُهمَّشة، التي كانت بالأمس القريب تعيش ضمن أسر آمنة مطمئنة، ‏وفي لحظة من لحظات غياب الضمير، أو موت الإنسانية وجدت هذه العوائل نفسها ‏بلا معيل، أو بلا سقف، أو ربما لم يبق منها أي اثر، وسحقت سحقاً كاملاً كما حصل ‏‏– ويحصل- في الموصل وغيرها من مدن القتال المتواصل في بعض البلدات ‏العراقية.‏

العيد في العالم هو يوم التزاور بين الأحباب وقد حُرم من هذه النعمة ملايين العراقيين ‏من المهجرين في الداخل والخارج، وكأن قدرهم أن يكون احتفالهم بالعيد غصة ‏وجرحاً عميقاً في قلوبهم وأرواحهم.‏

منذ أكثر من (30) عيداً ونحن بعيدون عن العراق. 30 عيداً ونحن لم نلتق بأهلنا، ‏ولم نرَ بلادنا، ولم نشرب من دجلة والفرات، ولم تتكحّل عيوننا برؤية الوطن الحبيب، ‏والذنب الأبرز لغالبية المهجرين أنهم يحبون العراق بطريقة حضارية، ويتمنون أن ‏تكون بلادهم حديقة مليئة بشتى أنواع الورود الممثِّلة لأطياف الشعب العراقي، ورغم ‏هذا الحب المميز فهم يدفعون اليوم ضريبة مرتفعة بتهجيرهم وحرمانهم من وطنهم!‏

العيد، بالنسبة للمغتربين هو يوم تهييج الذكريات، وهو من أكثر المناسبات التي تتناحر ‏فيها الأجساد مع الأرواح من هَول الأشواق التي تفطر القلوب وتدمي المُقل.‏

في العيد نتذكر أولئك الأخيار من الوطنيين الذين ماتوا ولم يروا العراق، أو لم تتحقق ‏أمانِيّهم في رؤية بلادهم ثانية، ودفنوا في مقابر الشتات.‏

إن استذكار أولئك الرجال والنساء من أصدقائنا وأحبابنا الذين غادروا هذه الدنيا ولم ‏يفرحوا بتحقيق أمنياتهم العامة بعراق موحد، وآمن، وخال من الطائفية ومن أصحاب ‏الدكاكين السياسية، وطارد للخونة والعملاء، هو جزء من الوفاء لأنهم قتلوا من لوعة ‏الحنين للوطن.‏

بهجة العيد لا تكتمل مع استمرار الجرح النازف لملايين العراقيين في الداخل والخارج ‏من المهجرين والنازحين واللاجئين، لأن مدنهم لم تذق طعم الهدوء والاستقرار ‏السياسي والأمني والخدمي منذ سنوات عدة، وهذه كلها عوامل طاردة للاستقرار ‏وللسلم المجتمعي.‏

العيد الحقيقي للعراقيين يوم أن تكون لهم دولة تضعهم تحت خيمتها، وقادرة على أن ‏تقدم لهم الأمن والخدمات والتأمين الصحي والتعليم المجاني والحياة الحرة الكريمة، ‏وترعى الأرامل والأيتام لأن حمايتهم مسؤولية تكافلية مجتمعية لا يمكن التهاون بها.‏

العيد الذي نتمناه للعراقيين هو العيد المليء بالأمن والأمان والسلام، وهو العيد الذي ‏يجتمع فيه شملهم بأهلهم من أراضي الشتات ومن معسكرات النزوح، وكذلك خلاص ‏المعتقلين الأبرياء من محنتهم التي طالت بشكل غير منطقي ولا يمكن قبوله خلافاً لكل ‏القوانين والأعراف والدساتير.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,361,729

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"