تحرّرت الموصل.. ماذا بعد؟

الصورة: من ملامح (التحرير والنصر) في الموصل.

فارس الخطاب

أعلنت القوات العسكرية العراقية، ومكتب رئيس الوزراء العراقي، تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش الإرهابي، بعد أن بسط نفوذه المطلق عليها منذ التاسع من حزيران/ يونيو 2014.

 

ومع أن العالم بأسره كان ينتظر نتائج معركة الموصل قبل انطلاقها بقترة طويلة، باعتبار أنها تمثل، بالإضافة إلى كونها تخليصاً لثاني أكبر المدن العراقية من قبضته، رمزيةً كبيرةً بما تعنيه هذه الرمزية من موضوع إعادة إطلاق توصيف مفردة (الخلافة) على الحكم الإسلامي الذي تبناه التنظيم، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من عقد إيجابية وسلبية لمختلف الأطراف.

تحرّرت الموصل، وأُعلن النصر على "داعش"، بعد قتالٍ مرير، امتد، بشكل مستمر وعنيف، أكثر من تسعة أشهر متواصلة. لكن، وهذه حقيقة مرّة، ومرّة جدا، أن أبناء الموصل تحديدا، وربما أغلب المتابعين لسير المعارك وأسلوبها، سواء من العراقيين أو غيرهم، يرون أن نصراً عسكرياً تحقق، لكنه بطعم الدم ولونه، لم يكن المتضرّر الرئيس منه تنظيم داعش الإرهابي، بل مدينة الموصل العريقة بأهلها وتراثها وكل مفردات كينونتها، حتى أجل غير محدّد، نصر كان على حساب آلاف القتلى من المدنيين، ليس بنيران "داعش" غير الرحيمة، ولكن ببراكين وحمم جهنم التي كانت ترميها طائرات التحالف الدولي ومدفعية وصواريخ الجيش العراقي والحشد الشعبي وسواهم، على بيوت الموصل وأحيائها من دون تفريق بين هدف محدّد لإرهابيين أو مساكن لمدنيين تجمعوا طلبا لألفة الجماعة في أوقات الخوف، وانتظار الموت أو المجهول.

تحرّرت الموصل وأعلن النصر. نعم، لكن ما الذي سيجري بعد ذلك؟ وكيف سيتم التعامل مع عشرات القبائل العربية التي بايعت تنظيم داعش، وربما قاتلت معه خلال هذه الفترة، أو ما قبلها؟ هل سيتم قتلهم أو تغييبهم باعتبارهم "داعشيين"؟ وماذا سيفعلون بالنساء والأطفال الذين هم أبناء هذه القبائل، ويذهبون بما يذهب إليه شيوخهم وسادتهم؟

تحرّرت الموصل، ولكن الأكراد اقتطعوا منها أجزاءً اعتبروها جزءا من (دولة كردستان) المزمع الاستفتاء عليها في أيلول/ سبتمبر المقبل، وكذلك فعل وسيفعل أمراء حرب الحشد الشعبي الذين يشكلون رأس الحربة للحرس الثوري الإيراني وإيران المتربّصة بالموصل منذ مئات السنين، فمن سيتعامل مع هذين الماردين المحليين، وهم يتكئون على قوى دولية وإقليمية كبرى، مع هزالة الحكومة المركزية وضعفها، وقلة حيلتها تجاه كل ما يجري أو ما سيجري في هذه المنطقة تحديدا، وفي عموم العراق، تزامنا أو لاحقا؟

تحرّرت الموصل، ومع تحرّرها ستتغير قواعد اللعبة في العراق، وستعود الولايات المتحدة قوة مهيمنة على الأرض. وبدل أن تواجه بالعمليات الجهادية لرجال المقاومة العراقية، كالتي كانت بعد عام 2003 حتى 2011، ستكون بيضة القبّان للقوى نفسها التي حاربتها، وأنزلت بها وجعا وخسائر كبيرة، وسيتسابق مروّجو المصالحة والأقاليم ومسميات الطائفية وغيرها لكسب ودّ الجنرالات والقادة الأميركان على الأرض العراقية، وفي المؤتمرات التي ستعقد في هذه العاصمة أو تلك، لمعالجة (ترتيب) الوضع العراقي، بما يجعل من واشنطن متحكّمة، إلى قدر كبير، في شؤون الإدارة السياسية العليا للبلد، وترك القوى الأخرى، خصوصا إيران، لتلهو وتلعب بما تريد أن تحققه من برامج للتغيير الديمغرافي والعقائدي في هذا البلد.

تحرّرت الموصل، ولكن بثمن باهظ جدا، فقد دُمرت دماراً شبه شامل، وأعدم شعبها أو هجّر، حتى أطلق بعضهم عليها اسم (ناكازاكي الموصل)، تشبيها بالمدينة اليابانية التي ألقت عليها الولايات المتحدة القنبلة النووية في نهاية 1945، ولعل الصور وآلاف الجثث التي مازالت تحت أنقاض بيوتها، ثم طريقة ومساحة الدمار الذي أصاب كل شيء، يجعل من إعادة تخيّل الموصل قبل هذه المعركة شيئا شبه مستحيل.

جيوسياسياً، سيجعل تحرير الموصل من التقارب الروسي الأميركي حتمياً واستراتيجيا لمنع انفلات الأوضاع الخاصة بالاجتياح الإيراني للمنطقة الممتدة من طهران وحتى دمشق، وهو ما يعني تغييرا هائلا في مساحة النفوذ الاستراتيجي للدولتين. ومن هنا، كان الضغط الأميركي على حكومة حيدر العبادي للتحكّم في مسارات معركة الموصل. والأهم ما بعدها بالنسبة لتحركات الحشد الشعبي والقوات المسلحة العراقية، وكذلك الضغط الروسي على حكومة بشار الأسد، لمنع توحيد جهود قواته مع القوات العراقية وغيرها الموالية لإيران في داخل الأراضي السورية، ليتم إعادة جدولة المنطقة بما يضمن مصالح الدولتين، نفوذا واستثمارا.

وسط معاناة شعب كامل في العراق، توّجت صوره بما جرى ويجري في الموصل، مازال

النصر الذي أعلن من هناك ناقصا، وربما دافعا لبروز أشكال أخرى من "المجاهدين"، خصوصا من الشباب تحت سن العشرين عاما، فمشاهد الذلّ التي رافقت خروجهم من مدينتهم وأسلوب إيوائهم في معسكرات اللاجئين أو المهجّرين، وكذلك فقدانهم عوائلهم كلاً أو بعضاً نتيجة القتل البارد بالقصف المتنوّع جواً وبراً، ثم استمرار أو الإصرار على استمرار وجود الحشد الشعبي في هذه المناطق، على الرغم من الوجود المكثف لتشكيلات الجيش العراقي وقوات مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية ومقاتلي العشائر العربية في محافظة نينوى، إضافة إلى فقدان الأمل، وهو أهم العناصر، كل تلك الأمور وغيرها، وبغياب تخطيط حكومي استراتيجي للتعامل مع مثل هذه الحالة، فإن العراق مقبل على مرحلة شديدة التعقيد، بالغة المظالم وشديدة الصراعات.

النصر المعلن في الموصل أملٌ كان يتمناه كل عراقي على تنظيمٍ مازال مثار تساؤلات وشكوك لا حصر لها، بدءا من انتشاره في محافظاتٍ بعينها، كانت شوكةً في خاصرة المحتليْن الأميركي والإيراني، وانتهاءً بإبعاده إيران وقواها الفاعلة في العراق والمنطقة من دائرة اهتماماته وعملياته، مرورا بممارساته الوحشية ضد شباب القبائل العربية السنيّة، خصوصا في الموصل، وتهديمه شواهد تاريخية ودينية بالغة الأهمية في التراث العالمي والإنساني. لكن هذا الانتصار، وفي ظل الأوضاع الحالية للعراق وللمنطقة، سيفتح آفاقا جديدة للنفوذ الإيراني، منعا لتمكن أميركي مهيمن على المحافظات التي كانت تحت سيطرة "داعش"، وآخرها الموصل، وهذا سيفتح الأبواب أمام القوى المحلية، لإعادة تموضعها لمواجهة الإيرانيين.

الأسلوب الذي تراه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ناجعا لمنع إعادة تكوّن قوى "مجاهدة" في أماكن وجود "داعش" سابقا، هو إشغال الشباب هناك بمشاريع إعادة الإعمار الهائلة، ثم توفير فرص العمل الكثيرة لجميع القطاعات، ومصادر غنى كبيرة لشيوخ التجمعات العشائرية والسكانية وقادتها هناك. كما ستلجأ واشنطن إلى الإبقاء على علاقة التحالف الدولي مع حكومة بغداد بشكل قوي ومؤثر، ليس عسكريا فقط، بل واقتصاديا أيضا، بما يخلق شعورا مركزيا لدى القيادة العراقية بالقوة والقدرة على مواجهة التحديات، أو الاتكاء المطلق على طهران.

الصراع المفتوح والمقبل بعد "تحرّر" الموصل سيكون بين إيران وكل أدواتها: العسكرية المليشياوية، السياسية، التعليمية، الاقتصادية، والعقائدية، وبين الولايات المتحدة وكل إمكاناتها المباشرة أو تلك التي سيقدمها حلفاؤها في الخليج العربي، أو دول التحالف الدولي. وعلى العراقيين أن يعرفوا ذلك، ويتحسبوا له جيدا، ذاك أن واشنطن، خصوصا خلال حكم الرئيس الحالي، دونالد ترمب، ترى أن العراق خزّان الغاز والنفط الذي ستصدّر أميركا من خلاله الطاقة للعالم كله. ومن هنا خرج الرئيس الأميركي ليقول لشعبه: لدينا نفط للتصدير يكفي 100 عام، وغاز للتصدير يكفي 200 عام. فيما يرى الإيرانيون العراق جزءاً رئيساً من إمبراطوريتهم بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

ماذا يمكن أن تحققه انتصارات، خطط لها وصمم عملياتها ونفذ خطواتها بأقسى وسائل التدمير والقوة المفرطة كل من طهران وواشنطن، على تنظيم مبهم، مجهول، يشترك الطرفان في صناعته وتمويله، لشعب ذاق أكثر من قيامة منذ عام 2003 وفي المستقبل؟ لذلك، الأولى بالفرح لهذا (النصر) طهران أو واشنطن، فيما شعب الموصل وبيجي وتكريت والفلوجة والمقدادية الذين قُطّعت أوصالهم، وهجّروا في بلادهم، أو غيّبوا في غياهب جب المليشيات لا يرون ذلك إلا نصرا بطعم الهزيمة.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,708,802

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"