نصر ناقص وهزيمة كاملة

فاروق يوسف

قبل ظهور داعش فيها هل كانت الموصل مدينة سعيدة؟

ليست الوقائع بعيدة. ما قبل 2014 لم يكن إلا تمهيدا لما بعدها. كانت سياسات نوري المالكي وقد كان رئيسا للوزراء يومها قد وصلت بالمدينة إلى حافة الانفجار.

 

المدينة المكروهة إيرانيا عوملت باعتبارها مدينة داعش قبل ظهور التنظيم الإرهابي فيها. قبل "داعشي" كانت صفة "بعثي" تلاحق سكان الموصل وتلف حبل المشنقة حول رقاب شبابها وإن بطريقة مجازية، حيث كانت تهمة الرهاب جاهزة لتكون سببا لاعتقال لا سقف زمني له.

كانت كل الإجراءات التعسفية التي أُتخذت بحق مدنيي الموصل وعسكرييها السابقين تكشف عن نزعة عدوانية مبيتة أريد لها أن تكون سببا لنزع الانتماء الوطني من صدور أهل الموصل.

المدينة التي عُرفت بنزعتها الوطنية عبر التاريخ دُفعت قسرا إلى مناطق حرجة على مستوى علاقتها بالعراق. كاد الظلم أن يدفع الموصليين إلى الكفر بعراقيتهم وهو ما لم يفعلوه بالرغم من تعرضهم لشتى صنوف العزل والتهميش والإهمال والاستبعاد والإذلال والتجويع والتخوين.

كانت سياسات حكومة المالكي في الموصل جريمة ضد الإنسانية، ذلك لأنها وضعت مليوني إنسان في كرة نارية مغلقة على الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام.

ليس من الانصاف النظر إلى تلك السياسات من جهة تمييزها لسكان الموصل على أساس طائفي باعتبارهم سنة. تلك نظرة سطحية وتبسيطية للمشكلة. كانت النزعة الوطنية والقومية لدى الموصليين هي أساس المشكلة.

لقد استغفل المالكي العراقيين حين أظهر الموصليين باعتبارهم سنة فقط.

كان الرجل المريض طائفيا يكره كل مَن يختلف عنه في الفكر والعقيدة والطائفة والعرق. هذا صحيح غير أن ذلك لم يكن سبباً يكفي لقيامه بمغامرة تسليم ثاني مدن العراق لتنظيم إرهابي. وهي مغامرة كان من الممكن على الأقل أن تقضي على مستقبله السياسي إن لم تؤد به إلى الإعدام بتهمة الخيانة العظمى لولا التدخل الإيراني.

وطنية الموصليين الصلبة التي أزعجت إيران كانت هي السبب.

ولقد وجد المالكي في التضحية بالموصل مناسبة لتأكيد ولائه لإيران من أجل أن تدعم أطماعه بولاية ثالثة. وكما يبدو فإن إيران التي اكتفت بحمايته شخصياً لم تكن مستعدة لتمرير عار خيانته الذي شمل الشيعة كلهم. وهو حكم تاريخي أعمى، غير أنه قاطع، فذكرى خيانة ابن العلقمي لا تزال ماثلة أمامنا حتى وإن كان الرجل بريئاً كما يقول البعض.

حمت إيران المالكي لأنه نفذ مشروعها في الموصل غير أن مسؤوليته عن هزيمة جيش من غير قتال لا تزال شأنا عراقيا عالقا. وهو ما يمكن أن يعرض المالكي في أية لحظة للمساءلة.

ما حدث للموصل وقد دُفعت إلى العدم قتلا وخرابا انما يخدش الضمير الوطني. فهي وإن التحقت بشقيقتها حلب مدينة تنعق الغربان في أطلالها فإن الجرائم المتلاحقة التي ارتكبت بحقها ستظل تلاحق العراقيين بأشباح ضحاياها.

لقد تخلص المالكي من المدينة لتي أقلقت إيران بوطنية أبنائها، ولكن ماذا عن شعور العراقيين وهم يحتفلون بذلك النصر الذي كرَّس الهزيمة في تاريخهم. فالنصر على داعش جاء هذه المرة على حساب مدينة عراقية عظيمة ذهبت إلى العدم. أعلينا أن نشارك القاتل في سعادته لأن مدينة عزيزة على قلوبنا قد مُحيت بسبب موهبته في الخيانة؟!

الموصل التي أُستعيدت أطلالاً هي ليست أم الربيعين التي كان العراقيون يصطافون فيها. هي اليوم مقبرة للشرف والضمير العراقيين.

وإذا ما كان الإعلام العالمي والعربي قد صمت عن الجرائم التي ارتكبت في الموصل قبل وأثناء وبعد تحريرها فما ذلك الصمت إلا دليل على أن هناك قوى كبرى كانت مضطرة للتغطية على دورها في الجريمة.

كان نوري المالكي في خيانته قد لعب الدور المرسوم له عالمياً في أن يفقد العراق واحدة من أعزِّ من مدنه.

 

نشر المقال هنا

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,447,098

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"