غاز... غاز!

شاكر محمود الفلاحي

تربطني‎ علاقةٌ وطيدةٌ مذ كنا على مقاعد الدراسة الجامعية بأخٍ فلسطينيٍّ من مدينة رام الله المحتلة ‏والتي لا تبعد سوى كيلومتراتٍ معدودةٍ عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. هزني الشوق‎ ‎إليه ‏فقررت زيارة هذا الصديق العزيز..‏‎ ‎حزمت أمري وتوكلت على الله.‏

 

وصلت مدينة رام الله الجميلة وكان الليل قد أسدل ستاره على كل شيء، وبينما أنا أبحث وسط هذه ‏الظلمة عن سيارة أجرة في شارع الطيرة إذ برجلٍ يقف بجانبي، غريب الهيئة‎، لباسه قديم وكأنه قد بعث ‏من جديد من زمن العصر العباسي، وجهٌ نيّر، هيبةٌ ووقار، لا تملك الجرأة على أن تطيل النظر إليه‎ ‎، ‏عيناه حادتان لا يمكنك التبحر فيهما، أسد هصور يقف أمامك والثقة تملأ‎ ‎محياه.

‏- أين هي الطريق التي تقود الى المسجد الأقصى يا أخي؟ هكذا سألني باعتزاز وثقة.‏

‏- ياسيدي أنا غريب عن هذه الديار وقصدتها لزيارة صديق عزيز وتراني أبحث عمن يدلني‎ ‎إلى‎ ‎داره. أجبته بهدوء.‏

‏- لكن يا أخي‎ ‎الوقت ليس وقت زيارات.. فلديكم ما هو أهم من المجاملات والزيارات الودية‎ ‎بكثير. ‏أجابني بملامة مبطنة دون أن يلتفت إلي.‏

دفعني الفضول لمعرفة من هذا الشخص الذي أتحدث إليه والذي كل شيء فيه يوحي بألا علاقة له ‏بهذا الزمن لا طبعاً ولا طباعاً.‏

‏-‏‎ ‎من حضرتك أيها المحترم؟‎ ‎سألته وكلي خوفٌ وتهيبٌ بما سيجيبني به.‏

‏- ألا تقرؤون التاريخ‎‎‏ وتتدارسونه؟!.. ألا تفخرون بما فعل أسلافكم؟! .. ألا تستذكرون ما فعل ‏من سبقكم؟! واستطرد وهو لا زال ينظر بعيدا عني:‏

‏- أنا من دانت له الروم وكسر قيود عمورية.. أنا المعتصم بالله.‏

شعرت وقتها أن العقل صار مشتتاً مابين مصدقٍ ومكذب، من شدة تعجبه مما سمع... لكني ‏استجمعت قواي أمام دهشتي وحيرتي من قوله وأجبت:‏

‏- أيها القائد المُهاب يا ثامن الخلفاء العباسيين‎ يا شيخي الجليل.. وهل من أمة تجتر التاريخ ‏والذكريات أكثر منا؟!

وهل من أمة في الكون تبكي على أطلال مجدها الضائع دون أن تحرك ساكنا أو تجمع شتاتها أكثر ‏منا؟‏!

وهل هناك من يفتخر ويتفاخر ليل نهار بما فعله الأسلاف دون الاقتداء بهم أكثر منا؟!

وهل في الدنيا من أمة وشعب يجيد لغة الـ (كنا .. وكنا) أكثر من أمتنا وشعبنا العربي؟!

أما علمت سيدي بأن الروم والفرس تكالبت على بلدي وأمتي ونحن لا زلنا نرقص طرباً على أنغام ‏انتصارات سطرها أبطالنا في زمن وعهد مضى وبمعارك سابقة ونحن لا نجيد سوى إحصاء أخطاء ‏الحاضر دون أن نقدم أية حلول ولو أنية. لقد غلبت علينا الأنا ولم نعد نفكر إلا بقدر ما نحصل عليه من ‏فوائد مادية.‏

أجاب دون اكتراث لما سمع مني ومحياه يقول لي بأنني على معرفة تامة بما قلت لا بل وأكثر من ‏هذه التفاصيل بكثير:‏

‏-‏     ألم تسمع بأن الجيوش الإسلامية وبقيادة الجيش العربي الموحد يحدوه إمام الجامع الكبير، وقد استنفرت قواه وامتشقت سيوفه غيرة ونخوة، وهاهي تحيط بالأقصى من كل جانب ‏لتقهر محتله وغالق أبوابه أمام المسلمين المصلين لترده من حيث أتى وتعيد الحق إلى أصحابه وأهله ‏الشرعيين؟ لقد تداعى المسلمون والعرب نصرة لأقصاهم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.‏

أجبته على استحياء:‏

‏- كل ما أعرفه أيها الشيخ الوقور عن أبناء جلدتي من العرب أنهم دول تقاتل بعضها بعضاً، وأخرى ‏تحاصر بعضها بعضاً، وقادة تقتل شعوبها، وشعوب بعضها يقتل بعضاً. أما مدعي المقاومة منهم فقد ‏عميت أبصارهم وبصيرتهم وتأسدوا على أبناء جلدتهم وأمعنوا بهم قتلا وتشريدا.‏

المسلمون ياشيخي الكريم ليسوا بأفضل حالاً من إخوانهم في الدين العرب، ففيلق القدس الذي أسس ‏لهذا الغرض وملأ أصحابه الدنيا صراخاً بشرف مهامه، وصدعوا رؤوس الملايين وهم يتغنون به وبشعاراته ‏وأهدافه، نراه متفرغاً منذ سنين لقتل العرب المسلمين في سوريا والعراق واليمن، وقائده يتبجح بمناسبة ‏وغير مناسبة بهذا الإنجاز الذي يعده نصراً، وقد بات قتل المسلم العربي في دينهم يسمى محاربة ‏للإرهاب، وهدم المدن على رؤوس ساكنيها تحريراً، وأما البقية الباقية من مسلمي اليوم فهو إما نائما في ‏عسله أو مصطفاً‎ ‎منحازا لفئة تخدم مصالحه.‏‎  ‎‏ ‏

لم يكترث لما قلت وخاطبني بلغة الأمر:‏

‏-‏     هيا معي عسى أن نلحق بهم ودع عنك الآن الزيارات والمجاملات والمهاترات.‏

لملمت أشلائي المتناثرة فَرِحاً.. وأخيرا سأجد أمتي موحدة.. أحقا سيتحقق ما حلمت به طيلة عمري؟! .. أحقا ستطأ قدماي "الأقصى" وستسجدُ جبهتي لله على ترابه! أكادُ أطير فَرَحاً  .. لكن صوتا ‏صرخ في أذني الأخرى مناديا: غاز..غاز. ‏

استيقظت فزعا فإذا ببائع الغاز يمر بشارع حارتنا لينادي على بضاعته.. بصوته الرخيم المميز .. ‏فما كان مني إلا أن رددت معه دون وعي وبصوتٍ حزينٍ منكسرٍ: غاز.. غازززز.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,361,670

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"