مؤتمر "سني" بدعم ومباركة "شيعية"‏

عوني القلمجي

قبل اكثر من اسبوع، عقدت مجموعة من الاشخاص، من داخل عملية ‏المحتل السياسية ومن خارجها، مؤتمرا طائفيا مخزيا، حيث ضم، كما قال ‏رئيس ما يسمى بالبرلمان العراقي سليم الجبوري، "الكتل السياسية السنية ‏في الحكومة والبرلمان العراقيين".

 

وتفاخر الجبوري، من دون حياء او ‏خجل، بأنه "اتصل هاتفيا، قبل انعقاد هذا المؤتمر باكثر من ثلاثة اسابيع، ‏وتحديدا يوم 23 من الشهر الماضي، مع نظيره الإيراني علي لاريجاني‏، وابلغه تفاصيل حول المؤتمر الخاص بالسُنة، وان لاريجاني رحب بالفكرة ‏وقال ان "إيران تدعم المؤتمر بقوة وستلزم حلفاءها الشيعة في الحكومة ‏العراقية بدعم المؤتمر".‏

اما الهدف منه، فهو كما قال اقطابه وبالحرف الواحد "توحيد العرب السنة ‏ليتمكنوا من المشاركة في صناعة القرار العراقي وانهاء حالة التهميش ‏والاقصاء التي عانى منها المكون السني خلال الفترة الماضية، بسبب ‏السياسات الاقصائية وخاصة وقت حكومة نوري المالكي". في حين ذكر ‏اخر بأن السنة سيدخلون الى الانتخابات بقائمة موحدة". اي ان المؤتمر ‏‏"طائفي سني" بامتياز، وكل همه استرجاع الحصة التي سطا عليها الطرف ‏الطائفي الاخر!

هذا المؤتمر والمؤتمرات المشابهة التي سبقته، تمثل الوجه الاخر المكمل لمشروع ‏التحالف الوطني، المدعي تمثيل الشيعة والذي سموه، دون حياء او خجل ‏ايضا، بالتسوية التاريخية بين مكونات الشعب العراقي، اي بين الشيعة ‏والسنة والكرد، حسب التوصيف الدارج الذي وضعه ممثل الاحتلال الأميركي ‏حينها بول بريمر.

واذا جمعنا هذا مع ذاك وأضفنا اليها مشاريع الكرد، فان ‏الناتج يساوي، تامين حصة كل "مكون" حسب مكانته وقوته، في نظام ‏المحاصصة الطائفية والعرقية. وهذا يعني دون لبس او ابهام، طز بالعراق ‏وشعب العراق، والف طز بالنظام الديمقراطي ودولة القانون والمواطنة، ‏التي دوّخوا رؤوسنا بها سنين عديدة.

اما وصف هذه المؤتمرات والمشاريع ‏بأنها وطنية وعابر للطائفية، وان رجالها الذين سيخوضون الانتخابات ‏القادمة هم من الوطنيين والنزيهيين والكفوئين والقادرين على بناء الدولة ‏المدنية العلمانية، فهذه وقاحة وقلة ادب.‏

بالطبع، فالمحتل الأميركي، باعتباره الراعي الرسمي لهذه العملية السياسية ‏المقيتة، لم يكن بعيدا عن عقد هذه المؤتمرات. فهو اشد حرصا من عملائه ‏في المنطقة الخضراء، على تكريس نظام المحصاصة الذي بناه بيده، وعدم ‏المساس بأي ركن من اركانه، وحماية جلاوزته. اذا بدونه لن يتمكن هذا ‏المحتل من البقاء في العراق وتكريس مشروعه الاجرامي لعقود طويلة من ‏الزمن. خاصة بعد سحب معظم قواته العسكرية من العراق. لأن البديل الذي ‏يسعى الشعب العراقي وانتفاضته الباسلة اليه، هو بالضرورة بديل وطني، ‏سيعمل بكل قوة على اجبار المحتل، سواء كان أميركي او إيراني، على ‏الرحيل واستعادة استقلال العراق وسيادته ووحدته الوطنية.‏

نعم، المحتل الأميركي لا يحتاج الى كل هذا التحرك المحموم لعقد المؤتمرات ‏واطلاق المشاريع والمبادرات، لتكريس نظام المحاصصة وتوزيع الغنائم ‏بالعدل والقسطاط، فهو قادر على تحقيق ذلك بالعصا، او عبر اوامر ‏سلطانية، لكنه بحاجة ماسة لحماية هذه المحاصصة وغطائها المعروف ‏بالعملية السياسية من خلال هذه المؤتمرات المشبوهة. فالانتفاضة الشعبية ‏التي نجح هؤلاء بإسكاتها، من خلال ابتزازها بذرائع مضلله، ستعود بقوة ‏اكبر، بعد سقوط تلك الذرائعا الواحدة تلو الاخرى. وكان اهمها واكثرا تضليلا وخداعا، ‏هي وجود داعش خلف الباب، ولا صوت يعلو على صوت المعركة! حيث ‏اعلنت الحكومة انتهاء هذا الخطر بهزيمة هذا التنظيم الداعشي، والانتصار ‏الكامل عليه. فليس غريبا والحالة تأطير هذه المؤتمرات بشعارات، من قبيل ‏التصدي لمرحلة ما بعد داعش، وتفاصيلها من شعارات رنانة، مثل تحقيق ‏مصالحة وطنية عابره للطائفية، واعمار المدن المهدمة وعودة النازحين ‏اليها.. الخ، على امل ان تكون هذه الشعارات بديلة للذرائع التي سقطت، ‏لاسكات الانتفاضة مرة اخرى واجبارها على الدخول ثانية في قاعة الانتظار.

ولكن هذا ليس كل شيء، فتركيز هذه المؤتمرات والمشاريع على اهمية ‏الانتخابات القادمة، والتاكيد على فوز وطنيين ومخلصين ونزيهين ‏وتكنوقراط، يهدف الى اضافة ذريعة اخرى لتحقيق ذات الهدف، وهو ‏الالتفاف على الانتفاضة الشعبية.

ومن المؤسف ان تجد هذه الاكذوبة صدى ‏لدى سياسيين ومثقفين اخذوا بالترويج لها مبكرا، وتشجيع الناس على ‏الاشتراك بها. في حين يعلم القاصي والداني بأن نتائج هذه الانتخابات ‏القادمة لن تأتِ بجديد ولن تفوز بها غير هذه الوجوه الكالحة، التي ستعمل ‏بهمة وحمية اكبر، على مواصلة التشبث بذات الاسس الطائفية والعرقية. ‏بحيث يكون رئيس الدولة كردي، ورئيس الوزراء شيعي ورئيس البرلمان ‏سني. وهكذا بالنسبة للحكومة، والمؤسسات الملحقة بها.

واذا افترضنا جدلا ‏فوز بعض الوطنيين. فالوقائع والحقائق العنيدة تؤكد على عدم قدرة القادمين ‏الجدد على اجراء اي اصلاح يمس ركنا واحدا من اركان هذه العملية ‏الطائفية. فالدستور الذي كتبه الصهيوني نوح فيلدمان وعدَّله، نحو الاسوا، ‏بيتر غالبريت، قد وفر الحماية الكاملة لهذه العملية السياسية، ووضع ‏العقبات أمام أي تعديل او حذف او اضافة، في ظل وجود المادة 142، التي  ‏تمنح الفقرة الرابعة منها الحق  لثلثي السكان في ثلاثة محافظات ابطال مثل ‏هذا التعديل. وهذا يعني بان الكرد، على سبيل المثال، بامكانهم ابطال اي ‏تعديل او مادة تتعاكس مع مصالحهم، لوجود ثلاث محافظات تحت سيطرتهم ‏بالكامل.‏

باختصار شديد، فان المقصود بإصرار المحتل واطراف عمليته السياسية ‏على تكريس المحاصصة الطائفية والعرقية وحماية العملية السياسية من ‏السقوط، والترويج لفوائد الانتخابات القادمة، يعني الاصرار على عدم ‏الاستجابة لأي مطلب من مطالب الانتفاضة الشعبية، سواء الخدمية منها او ‏السياسية. خاصة وان من بين هذه المطالب الغاء المحاصصة وتعديل ‏الدستور ومحاربة الفساد وتطهير القضاء.. الخ. وهذه بمجموعها تؤدي، في ‏نهاية المطاف، الى اسقاط عملية الاحتلال السياسية برمتها. ‏

هذه الحقائق والوقائع التي اثبتت تجربة سنين الاحتلال العجاف صحتها، ‏ينبغي الاعتراف بها والتصرف على ضوئها، وخاصة بالنسبة لقادة ‏الانتفاضة ولجانها التنسيقية. فاستمرار المراهنة على هؤلاء العملاء ‏الطائفيين ليس فقط مراهنات فاشلة، وانما تؤدي، شئنا ام ابينا، الى الاعتراف ‏بهم وشرعنة وجودهم والسماح لهم بمواصلة تدمير البلاد والعباد.

وبالتالي ‏فانه آن الاوان لاعتماد وسائل نضالية اخرى غير تلك السلمية الى الابد، ‏والتي اثبتت هي الاخرى فشلها بالكامل. حيث لم يترك المدعو حيدر العبادي ‏وقبله نوري المالكي فرصة لهذه الوسيلة السلمية لتحقيق الاصلاح المنشود. ‏فبدلا من الاستجابة لأي مطلب من مطالبها المتواضعة والمشروعة، وجهوا ‏لأبنائها كلمات بذيئة وخطابات مهينة وتهم باطلة وتهديدات متكررة وشن ‏حملات قمعية ضد ابنائها واختطاف وقتل العديد من قادتها وناشطيها. اما في ‏احسن الاحوال فهم قد مارسوا وسائل الخداع والتضليل للالتفاف عليها من ‏خلال اجراء بعض الاصلاحات التافهة التي لا تستحق الذكر. ‏

‏بعبارة اكثر صراحة ووضوح، فإن وضع وسيلة الانتفاضة الشعبية المسلحة ‏في قائمة وسائل النضال الاخرى، اصبحت مهمة لا تحتمل التأجيل. ولكي لا ‏نطيل اكثر، فاذا كان هناك سبب او عدة اسباب دعت الى قيام انتفاضة ‏مسلحة من قبل اي شعب في العالم، فهناك 1000 سبب يدفع العراقيون للقيام ‏بمثل هذه الانتفاضة.

فبالاضافة الى مساوئ عملية الاحتلال السياسية، وما ‏نتج عنها من دمار وخراب شامل، وجود احتلال بشع استهدف ولم يزل ‏يستهدف تدمير العراق ومحوه من الخارطة. اما الحديث عن امكانية خلاص ‏العراق من محنته عبر اصلاح العملية السياسية من داخلها او من خلال ‏اجراء بعض الاصلاحات الترقيعية من قبيل تغيير حكومة بأخرى او تعديل ‏دستور ملغوم او القبول بانتخابات مزورة، لا قيمة لها في ظل حكومة عميلة ‏بامتياز.‏

والانتفاضة المسلحة ليست ابتكارا عراقيا، وانما هي وسيلة نضالية او ‏كفاحية من بين الوسائل الاخرى التي تلجا اليها الشعوب المضطهدة من اجل ‏التحرر والتقدم والعيش الكريم. وهي حق مشروع اقرته القوانين السماوية ‏والوضعية والمواثيق والمعاهدات الدولية وميثاق الامم المتحدة عام 1945. ‏في حين تصبح الخيار الوحيد في حال وجود صراع وجودي تناحري، كما ‏هو حال الصراع بين الشعب العراقي ومعسكر الاحتلال، والممثل الان ‏بالسلطة العراقية وعمليتها السياسية ومليشياتها المسلحة. ‏

هذا الحق المشروع لا ينبغي تشويهه بمقولات يروج لها الاحتلال، من خلال ‏وصفها بالتمرد والعصيان، او دعوة للاقتتال بين فئات الشعب العراقي، وانما ‏هو كفاح ضد اعداء الشعب. ولا فرق بين هذا العدو ان كان محتل غاصب او ‏حكومة عميلة او دكتاتورية، ما دامت هذه الاشكال العدوانية تسلب الحقوق ‏المشروعة للشعب في الاستقلال والحرية والتقدم الاجتماعي.‏

لقد وفَّر اطراف العملية السياسية فرصة ثمينة لاسقاطها، جراء الحالة ‏المزرية التي وصلت اليها، والسقوط السياسي والاخلاقي لجلاوزنها، ‏والدمار والخراب الشامل الذي عم البلاد بسببها، والفواحش والجرائم التي ‏ارتكبت بحق الناس، والعجز في تقديم الخدمات والامن، الى جانب حالة ‏الاستياء التي عمت الشعب العراقي ضدها. وذلك من خلال الانتقال من ‏الانتفاضات السلمية الى الانتفاضات المسلحة اذا اقتضت الضرورة ذلك. ‏وهذه سيكتب لها النجاح بكل تاكيد.

ففي تاريخ الشعوب وتجاربها، لم يقدم لنا ‏التاريخ مثلا بان شعبا، مهما كان صغيرا، استسلم لمثل هذه الاقدار، بل على ‏العكس من ذلك، فان قوى الاحتلال، ومهما بلغت من قوة، لن تتمكن من ‏فرض ارادتها على الشعوب المستعمرة الى ما لا نهاية. وشعب العراق قد ‏اثبت هذه الحقيقة، فهو  قد رفض الاستسلام للمحتل الأميركي، وشرع في ‏مقاومته منذ اليوم الاول لاحتلال بغداد، والحق به هزائم نكراء، كان انسحاب ‏معظم قوات الاحتلال الأميركية واحدة منها، رغم امكانات الشعب العراقي ‏المتواضعة والاسلحة البسيطة التي قاتل بها. وبالتالي فان هذا الشعب  ‏وانتفاضته الباسلة التي تقوده قادرة على اسقاط العملية السياسية، ‏والقصاص من جلاوزتها عاجلا ام اجلا.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,626,510

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"