العراق .. برمجة الإبادة

قيس النوري

أصدرت منظمة حقوق الإنسان (‏Human Rights Watches ‎Organization‏) تقريرا مفصلا عن نتائج غزو واحتلال العراق وما ‏تركه الاحتلال من أثار مدمرة على الإنسان ومدن العراق ومجتمعه، و‏يتوقف التقرير في تثبيت المعلومات إلى ما قبل عمليات الموصل الأخيرة، ‏بمعنى أن التقرير يضاف له النتائج المدمرة للعملية الجراحية التي ‏استخدمت فيها المطرقة، أضافة إلى أن هذا التقرير أستند الى ما تيسر ‏للمنظمة من معلومات متاحة دون تسجيل ما هو أكثر من مما أورده ‏التقرير والذي تحاول السلطة وميليشياتها اخفاءه عن الاعين.‏

 

على صعيد عمليات التهجير المنظمة يشير التقرير الى رقم 3 ملايين ‏و400 ألف مهجر موزعين على 64 دولة، أما النازحين داخل العراق فقد ‏بلغ 4 مليون و100 ألفنازح، منهم مليون و700 ألف يعيشون في مخيمات ‏لا يتوفر فيها أبسط المتطلبات الأساسية.‏

وعلى صعيد آخر يثبت التقرير بأن هناك 2 مليون أرملة، أما نسبة البطالة فقد بلغت 31% من مجموع القوى القادرة على ‏العمل، في حين يعيش 35% من مجموع المجتمع العراقي تحت خط ‏الفقر.‏

على صعيد الصحة العامة فقد تفشى 39 مرض ووباء أبرزها الكوليرا ‏وشلل الأطفال والكبدالفيروسيوارتفاع نسبة الإصابة بالسرطانات ‏والتشوهات الخلقية جراء استخدام قوات الغزو العتاد المحرم دوليا خاصة ‏القذائف المنضدة باليورانيوم.‏

يمضي التقرير في إيراد ما تيسر للمنظمة من معلومات صادمة فيشير الى ‏توقف 13 ألف و328 معمل ومصنع ومؤسسة أنتاجية بسبب أما تعرضها ‏للتدمير نتيجة القصف المكثف خلال العدوان، أو بسبب تفكيكها من قبل ‏العصابات الطائفية وتهريب مكوناتها إلى إيران.‏

العراق الان كما يشير التقرير يستورد 75% من حاجته من المواد ‏الغذائية ونسبة 91% من مواد أخرى.‏

يختتم التقرير معلوماته الرقمية فيشير إلى أن مبيعات النفط العراقي للفترة ‏‏(2003 ــ 2016) بلغت 1000 مليار دولار، لم تسهم أو توظف في حل أي ‏مشكلة يعاني منها شعب العراق، بل ان العراق دولة مدينة ب 124 مليار ‏دولار ل 29 دولة.‏

ربما يتساءل البعض، أين تذهب العائدات العراقية الكبيرة من تصدير ‏نفطه، وما هي أوجه صرف هذه المبالغ وما هي السياسة المتبعة في ‏تحديد أبواب التخصيصات للقضايا مطلوب معالجتها لارتباطها المباشر ‏بحياة الناس؟

عند التمعن بكيفية التصرف بالأموال والعائدات العراقية وطبقا لاعترافات ‏مسؤولين في الحكومة والبرلمان وشخصيات سياسية نافذة بشهادات موثقة ‏بالصوت والصورة ، نجد أن تلك العائدات تذهب نحو قنوات لا علاقة لها ‏بالمطلق في أعادة إعمار ما دمرته الحرب وتبعات ما بعد الاحتلال ، ‏وانما تبعثر بشكل مقصود على مشاريع وهمية لا وجود لها إلا على ‏الورق ، وغض النظر بتواطؤ على عمليات النهب المنظم وأنفاق حكومي ‏مسرف على شخصيات سياسية حاكمه على شكل مرتبات وامتيازات غير ‏مبررة ، الهدف منها حرق وبعثرة الأموال ، ذلك أن تراكم المال وبهذه ‏الكميات الهائلة يعني طبقا للمنطق السليم نهوض عملية التنمية وتصاعد ‏وتائرها بما يخدم احتياجات الناس ومتطلبات عيشهم ومن ثم استعادة ‏العراق ومجتمعه عافيته المفقودة منذ الاحتلال عام 2003 .‏

إذن، المطلوب من حكام بغداد تنفيذ أجندة تخريب مقصود للإبقاء على ‏العراق أسير دوامة التخلف والضعف دولة ومجتمع، وهو هدف تلاقت فيه ‏قوى إقليمية ودولية تعمل مجتمعة على ديمومة الحالة المأساوية التي يغرق ‏فيها العراق.‏

في عراق اليوم ليست هناك دولة بالمعنى المعروف للدولة، وانما هناك ‏حزمة (دول) داخل (الدولة)، كل ميليشيا مسلحة لها علمها الخاص ولها ‏مشاريعها في النهب المنظم ولها نوابها فيما أسموه جزافا مجلس النواب، ‏وظيفتهم خدمة هذه الميليشيا أو تلك وليس خدمة الناخب الذي صوت لهم، ‏بهذا الشكل تستمر منظومة التخريب والتدمير المبرمج المقصود.‏

نعود للتساؤل عن مغزى هذا السلوك المدمر..

للإجابة عليه نعود الى ‏قرار مجلس الامن الرقم 661 الصادر في 6 أب 1990، بفرض الحصار ‏الاقتصادي، سوف نجد أن فقرات ذلك القرار الملزم لم تكن تهدف إلى ‏استخدام الحصار الاقتصادي كوسيلة ضغط على القيادة العراقية بغرض ‏إجبارها على تغيير موقفها السياسي وإنما صمم، كما تشير فقراته، ليكون ‏حصار إبادة بكل معنى الكلمة، حيث طالت مفرداته بالأذى المباشر حياة ‏الانسان العراقي، ثم يستمر مسلسل أصدار القرارات من مجلس الامن ‏بصورة لا سابق لها في تاريخ المنظمة الدولية وجميعها تصب في نفس ‏الهدف .. الإبادة المنظمة .. عبر تجويع شعب العراق.‏

وعند إكمال الصفحة اللاحقة بالغزو والاحتلال، أستمر نفس المنهج ‏بوسائل أخرى أداتها هذه المرة حكام يساهمون بوعي في تغييب العراق ‏بتدمير بناه ومدنه ومؤسساته وإلغاء حق الانسان بالعيش الكريم.‏

منهجية إضعاف العرب هدف ممارس، فقد وضع الغرب والشرق مسالة  ‏أمن الكيان الصهيوني في صلب اهتماماته على صعيد تعامله مع الدول العربية، ‏حتى غدا هذا الاهتمام يشكل محور تعاملاته ليس على صعيد القيادات ‏والبنى العربية الحاكمة فقط وإنما طال هذا الى التوجس باحتمالات الخطر ‏الذي تشكله البنى المجتمعية لجهة تنامي فاعليتها وقوتها خاصة على ‏الصعد الاقتصادية والعسكرية والمعرفية، ولأجل هذه الأغراض مجتمعة ‏استهدفت الدول العربية، خاصة دول الطوق العربي، بشتى أشكال ‏الاستهداف، المعلن منها والمخفي، كان بعضها وهو الأخطر، بآثاره ‏السلبية متمثلا بإعاقة النمو من خلال قيادات انغمرت بالعمل السياسي حتى ‏تمكنت من احتلال مواقع متقدمة أو رئيسة في القيادة، مارست على مدى ‏عقود دورا تعويقيا لتعطيل القدرات الذاتية العربية بإشغال هذه الدول في ‏صراعات ومواجهات ثانوية كان من نتائجها خروج بعض الدول من ‏معادلة الصراع العربي الصهيوني، وأخرى كادت أن تصحح ميزان القوة ‏بين العرب والكيان الصهيوني، مصر وسوريا والعراق، وهي الدول المؤهلة ‏بشريا وعلميا ومعرفيا مكافئة لمعادلة الإمكانات مع العدو، لم تكن ‏بعيدة عن هذا التعامل الخفي والذي أثمر بالنهاية الى تحول هذه الدول الى ‏مجرد هياكل قابلة للتفكك بعد أن فقدت تماما حتى إمكانات تأمين أمنها ‏الوطني.‏

يستمر الصراع في مفرداته بكل أشكاله وعلى كافة الصعد، ولن يحسم إلا ‏بتوفر قيادات واعية تحسب حدود القوة وتتفهم قوانين الصراع وتتجاوز ‏الاشتباكات الهامشية وصولا لبناء دول قادرة على خوض مواجهة ناجحة ‏تنهي فصولاً طويلة ودامية من العبث.‏

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,940,849

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"