كلهم أروغ من ثعلب!

الصورة: الثعلب عمار الحكيم يغير جلده معلناً تأسيس "تيار الحكمة الوطني".

علي الكاش

قال طرفة بن العبد:‏‎

كُلُّهُمْ أَرْوَغَ مِنْ ثَعْلَبٍ‎  ‎ما أشْبَهَ اللَّيْلَةَ بالبارحَة

 

عندما ينظر المراقب الى المشهد السياسي العراقي الحالي في ضوء الزخم الحاصل في التحركات ‏السياسية المتناقضة فكريا وعمليا وتفقيس الماكنة السياسية المئات من الأحزاب الصغيرة، وتفكك ‏الكتل والأحزاب السياسية الرئيسة أو ما يسمى بالحيتان الكبيرة الى أسماك صغيرة، ونزع الوجوه ‏الكالحة القناع الإسلامي ولباس القناع العلماني بدلا عنه. يستذكر المرء على الفور المثل القائل ‏‏(ذئاب بملابس خراف).

يضاف إلى ذلك الطروحات الفكرية الجديدة التي لا تتناسب مع آيدلوجية ‏هذه الأحزاب بل كانت تحاربها بقوة، وصار الطرح الجديد (الأحزاب العابرة للطائفية)، مع ان ‏المراقب السياسي يشهد زلات كلامية تؤكد أن العطار لا يمكنه إصلاح ما أفسده الدهر، ، لكن ‏الضرورات تبيح المحظورات، والمصالح تقتضي التنكر للماضي القريب جدا.‏

بلا أدنى شك أن الإنتخابات القريبة تستحق كل هذه المظاهر البراقة الزائفة التي ستنتهي ‏صلاحيتها بعد ظهور نتائجها، وتتلاشى كما يتلاشى الضباب بأشعة الشمس. حيث تحاول ‏الأحزاب ان تجلي نفسها من صدأ الطائفية والعنصرية التي مارستها منذ الإحتلال الغاشم ولحد ‏الآن، ودفع الشعب ثمنها من دمائه وممتلكاته.‏

ويبقى السؤال المثير: هل ستنطلي هذه الألاعيب القذرة مرة أخرى على الشعب العراقي فيغمس ‏أصابعه في الوحل البنفسجي ليلاقي نفس ما لاقاه خلال سنوات حكم الأحزاب الإسلامية؟ أم ‏سيرعوي ويفتح عينه، ويتخذ قرارات تتوافق مع الأفكار المتحضرة ومستلزمات الوعي الجمعي؟ ‏سيما أن الأعوام العجاف لم تتغير، وسوف تستمر طالما أن القيادة الحاكمة هي نفسها، وطالما أن ‏الشعب سابت في نوم عميق.‏

ترجل زعيم المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم عن صهوة المجلس وأنشأ ما يسمى بـ (تيار ‏الحكمة الوطني)، ولا نفهم موقع (الوطني) من الإعراب! فخلال إنطلاقة التيار أكد الحكيم في بيان ‏القي بهذه المناسبة مرجعيته لولاية الفقيه، بمعنى أنه تيار الحكيمة سيبقى مواليا لأيران وليس ‏الوطن كما يشير إسمه، ولا أحد يظن بأن هذا المجلس الذي ولد في الرحم الإيراني سيتنكر لأمه، ‏لأن الحبل السري الذي غذاه كجنين ما يزال يمده بكل متطلبات الحياة، فوجوده مرتبط ماديا ‏ومعنويا بولاية الفقيه، أما إبعاد وجوه وإستقطاب وجوه جديده فلا يعني هذا مطلقا تغيرا جوهريا ‏في مواقف التيار الجديد، لأن مصدر الأوامر هو نظام الملالي. بل أن التيار الجديد سوف لا يبعد ‏كثيرا عن المجلس الأعلى بقيادته الهرمة لأن الموجِه واحد، والهدف واحد، وهذا ما عبر عنه ‏حبيب الطرفي القيادي في التيار بقوله" لا يوجد أي تقاطع بين‎ ‎تياره والمجلس الأعلى في ‏المستقبل، بل ربما يكونوا هم من اقرب الشركاء لنا‎ ‎مستقبلا". والطريف في البيان أن عمار ‏الحكيم وعى بعد بعد عقد من السنين ان عراق 2017 يختلف عن عراق 2003! فكم من العقود ‏يحتاج الى أن يعي بأن العراق ليس ولاية إيرانية ولا بد من فك اللحيم الأيديلوجي بين البلدين؟ ‏

وهذا ما يقال عن التيار الصدري، وهو أول من طرح شعار (العابر للطائفية) محاولا التنصل عن ‏طروحاته الطائفية السابقة، وتأريخه الأسود الذي لا يشرف حتى المجرمين واللصوص، فهذا التيار ‏أشبه ما يكون بالإرجوحة لا يستقر عند رأي، ويتلون بتلون عقليه قائده الرمادية الذي صار أنموذج ‏راقي للتذبذب والتقلب والفوضى والسخافة. ومع هذا فأن الذي يظن بأن التيار خرج عن قبضة ‏الولي الفقيه فهو في وهم كبير، بل يمكن الجزم بأن كل الأحزاب الشيعية والأحزاب السنية كما ‏تطلق على نفسها هي تحت مداس الولي الفقيه، والويل لها أن حادت ولو قليلا. لو رجع المرء قليلا ‏الى تصريحات قادة ما يسمد بالحشد الشعبي وتصريحات الأحزاب السنية ورئيس البرلمان ‏والوزراء السنة عن أهمية الدور الإيراني في العراق لزال الإلتباس حول هذا الموضوع، وتبينت ‏الحقيقة كاملة. نقول للحكيم والصدر ورهط الطائفية منذ الغزو الغاشم غرستم بذور الطائفية في ‏تربة العراق وقد نمت ونضجت وأثمرت ثمارا سامة، فلا فائد من زرع بذرة (العابرة للطائفية) في ‏ظلها لأنها سوف لا تنبت ولا تثمر.‏

ونفس الأمر ينطبق على رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، فهذا القزم الذي صار ماردا من ‏قبل جماهير ديالى بإنتخابه، كان الأبعد عن مشاكل محافظته، بل لم يسمح له الحشد الشعبي بأن ‏تطأ أقدتمه المحافظة التي إنتخبته، خلال الحرب مع داعش، فعاد يجر خلفه ذيول العار والخيبة. ‏فهذا الدعي أعلن أيضا عن تشكيل حزب سياسي بإسم (التجمع المدني للإصلاح) وطرح أفكارا لا ‏صله لها بواقعه الإخواني المقيت لا من الناحية النظرية ولا العلمية، بل تدور في الكواليس أنه ‏سيتحالف مع المالكي، في لقمة لا يمكن أن يبلعها أي جائع أو شره في الطعام. كيف يتحالف ‏التطرف الشيعي مع التطرف السني؟ ولمصلحة من سيكون هذا التحالف؟ ‏

إن إختبار كلمات المدني والإصلاح ولصقها بإسم الحزب الجديد لا تتوافق مع حزب لصق نفسه ‏ببصقة كالطابع القديم بالإسلام وسرعان ما سقط، المقصود من كلمة المدني العلماني، اي الإبتعاد ‏عن الإسلام، بما معناه الخروج عن الخط الإخواني، وهذا الشعار البليد طرحته كل الأحزاب ‏الإسلامية السنية والشيعية على حد سواء، بعد أن خربت الإسلام، وشوهت صورته الجميلة، ‏وجعلت الكثير من العراقيين يمقت كلمة إسلام. ما أن دمروا الإسلام حتى شدوا سواعدهم وركبوا ‏موجة العلمانية، ويبدو ان التقية السياسية لا تقل تأثيرا عن التقية المذهبية، كلاهما تجارة رابحة ‏في سوق الغفلة والإستغباء والإستحمار الشعبي.‏

ان حزب الإخوان المسلمين أصلا لا توجد له قاعدة جماهيرية في العراق شأنه شأن حزب الدعوة، ‏وإنتخاب سليم الجبوري كان لدوافع عشائرية وليست حزبية حيث تسيطر عشيرة الجبور على ‏معظم مناصب أهل السنة في الحكومة والبرلمان، علاوة على إنجرار الجبور الى المالكي الذي ‏أغدق عليهم المناصب الحكومية، لذلك أطلق عليهم وعلى غيرهم (سنة المالكي) أو (جحوش أهل ‏السنة). وزيارة سليم الجبوري الأخيرة الى طهران وتصريحاته المشينة حول الدور الإيراني في ‏دعم إستقرار العراق وصيانه أمنه، إنما هي لإعلان الولاء لولايه الفقيه وكسب رضا النظام. بل ان ‏الجبوري صرح بكل صفاقة بأنه اتصل بنظيره الإيراني علي لاريجاني وأطلعه على تفاصيل ‏المؤتمر الأخير لأهل السنة قبل إنعقاده! وهذا ما يقال عن جحش المالكي (سعدون جوير) وزير ‏الدفاع السابق والمسؤول بعد المالكي عن سقوط الموصل، وهو من أسباب نكبة أهل السنة، فقد ‏شكل حزبا جديدا بإسم (وحدة أبناء العراق)، مع انه كان خروفا مطيعا يسير وراء راعيه المالكي.‏

أما قادة الحشد الطائفي من هادي العامري وقيس الخزعلي وابو مهدي المهندس وواثق البطاط ‏وأوس الخفاجي وأكرم الكعبي وبقية أقزام ولاية الفقيه الذين سيدخلون الإنتخابات من بوابات ‏فرعية ويافطات مموهة بتغطية ثعلبية من المفوضية العليا غير المستقلة للإنتخابات، فلا يظن احد ‏بأنهم سيخرجون من جلباب الولي الفقيه ويدخلون في جلجاب الوطن، او على أقل تقدير جلباب ‏حيدر العبادي أو رئيس الوزراء القادم، فمواقف هذه الأحزاب العميلة معلنة وولائها لخارج ‏الحدود، بل وصلت الجرأة بأن يذكر وائق البطاط زعيم حزب الله العراقي بأنه لو حصلت حرب ‏إفتراضية بين العراق وإيران فإنه سقاتل مع ايران ضد أهله العراقيين! وهذا هو موقف بقية قادة ‏الحشد بإعلانهم انهم يتبعوا أوامر الخامنئي عبر وكيله الدائم في العراق الجنرال قاسم سليماني.‏

أما حيدر العبادي الذي يحاول البعض أن يجير إنتصاراته في الموصل والأنبار كدعاية إنتخابية ‏لصالحه، ويروج له بمستقبل إنتخابي واعد، فهو أجبن من المنزوف ضرطا كما يقال في المثل، ‏ولاشك ان تصريحه خلال وليمة إفطار للصحفيين في رمضان الماضي بأنه أعطى أوامر للحشد ‏الشعبي بمحاصرة حدود تلعفر، ولم ينفذ الحشد ـ الذي يفترض أنه قائده ـ أوامره، بل تفاجأ بسماعه ‏إنطلاق قوات الحشد ـ بلا علمه ـ الى الحدود العراقية السورية تنفيذا لأوامر الجنرال سليماني! أما ‏إصلاحاته المزعومة فحدث ولا حرج، فقد اسعفته الحرب على داعش في نسيانها.‏

أما عملية تحرير الانبار والموصل، فمن يطلع على ما آل اليه الوضع في المحافظتين المنكوبتين ‏سيدرك على الفور، انه لم يكن تحريرا بقدر ما كان تدميرا وتهجيرا، عندما تكون نسبة الدمار ‏‏90%  ويقتل اكثر من (40000) مدني بسبب الغارات الجوية والقصف بالمدفعية الثقيلة ‏والصواريخ العشوائية على المدن، فهذه جريمة وفي القانون الدولي وليس تحريرا! ان ما قتله ‏تنظيم داعش الإرهابي أقل بكثير مما قتله قوات التحالف وحكومة العبادي من المدنيين في ‏الموصل. ولا يظن عاقل ان العبادي الذي وقف على أطلال المحافظات السنية مبتهجا وفخورا، ‏سيعيد تعميرها في ضوء الحقد الطائفي الظاهر، وإفلاس الميزانية، والأوامر الإيرانية.‏

ولا يعتقد اللبيب ان البرزاني والطالباني سيتصرفان كقادة وطنيين للأكراد وليس عملاء لجهات ‏خارجية، ورؤساء عشائر، همٌهم الوحيد زيادة رصيدهما من مليارات الدولارات على حساب ‏تضحيات الشعب الكردي، ولا يتنازلا عن مطامعهما في قرض مناطق واسعة من الأراضي ‏العراقية وضمها الى الإقليم، ولا أن يلغيا ورقة التهديد بالإنفصال التي يرفعها البرزاني كلما وجد ‏إنحسارا في المد الكردي المؤيد له. ولا يتخليا عن الفكر العنصري لصالح الوطن الأكبر. إن ‏إستغلال الفرص ليس من الوطنية.‏

سيبقى الشعب العراقي خائبا يدور في حلقة مفرغة، ويجب ان يعي هذا الشعب المنوم بأفيون ‏المرجعية الدينية، ان تغيير الأثواب لا يعني مطلقا تغيير الأفكار. ما كان سيكون، وتتكرر المأساة، ‏فعمار الحكيم ومقتدى الصدر ونوري المالكي وحيدر العبادي وباقر صولاغي وعلي اديب ‏الأصفهاني وكريم شاهبوري وحسين الشهرستاني وهمام حمودي وبقية الشراذم هم جنود علي ‏رقعة شطرنج الولي الفقيه، أما جحوش أهل السنة، الذين يجلسون قرب أقدام الولي الفقيه ويلتقطون ‏الفتات الساقط كسليم الجبوري وصالح المطلك ومن لف لفهم علاوة على الوزراء، فهؤلاء هم ‏السبب الرئيس في ما آل اليه وضع أهل السنة من تهميش وإقصاء وقتل وتدمير.‏

أما المرجعية الدينية فباطنها غير ظاهرها، ووفقا لعقيدة التقية لا يُرتجى منها خيرا، فالإنتخابات ‏السابقة أكبر دليل على كلامنا، فما كان منها يجب ان لا يكون، وما لا يكون منها يجب ان يكون. ‏رحم الله ابْن لنكك الْبَصْرِيّ فقد صدق بقوله في "يتيمة الدهر":‏

لَا تخدعنك اللحى وَلَا الصُّور‎  ‎تِسْعَة اعشار من ترى بقر‎

تراهم كالسحاب منتشرا‎   ‎وَلَيْسَ فِيهِ لطَالب مطر‎

فِي شجر السرو مِنْهُم مثل‎   ‎لَهُ رواء وَمَاله ثَمَر

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,938,570

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"