هل العراق قضية أم ورقة ضغط دولية وإقليمية؟!

شاهين محمد

يبتعد كثير من المحللين والكتاب عن جوهر أسباب التغير الحاصل في المشهد السياسي الدولي ‏والاقليمي الحالي، ويعزونه إلى أزمات آنية مثل الربيع العربي والازمة السورية وتمدد إيران في ‏المنطقة، ويضيفون الى هذه الاسباب الازمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم نتيجة تفشي داء ‏العولمة الاقتصادية وانعاكاساته على العالم العربي. بذلك تتمحور افكارهم حول النتائج واشكالاتها ‏وليس وراء الأسباب ودوافعها.‏

 

الا ان الواقع الدولي الذي حدث نتيجة ازاحة الاتحاد السوفيتي في بداية العقد الاخير من القرن ‏الماضي، من المعادلة العالمية وتفرد الولايات المتحدة الأميركية كقطب اوحد وتغولها جعل منها ‏الآمر الناهي في العالم مما دفعها لتضع خطط لتكون القوى الاوحد في العالم لما لايقل عن نصف ‏قرن.

ولديمومة هذه المكانة كان العراق الهدف الجوهري لهذا المخطط وفقا لقاعدة تاريخية تقول ‏من يسيطر على العراق يتمكن من الجهات الاربعة في العالم (سرجون الاكدي لقب بملك الجهات ‏الاربعة). بما يجعل من الاحتلال الأميركي الايراني للعراق العلة الكبرى في العالم اليوم.‏

ليس خافيا على احد الابعاد المعلنة والخفية لاحتلال العراق وماترتب على هذه القضية الهامة من ‏انعكاسات سلبية على العالم برمته، والتي بدأت بهزيمة أميركا في العراق وفشل مخططاتها بفعل ‏المقاومة البطولية للشعب العراقي، وتوسطت هذه الانتكاسات الازمة الاقتصادية التي هزت ‏المؤسسات البنكية العالمية عندما انتكست اسواق المال الأميركية عامي 2007/ 2008. ولم تتمكن ‏أميركا من تحمل اعباء الهزيمة العسكرية والاقتصادية معا، فاعلنت انسحابها من العراق على ‏شكل اتفاقية امنية وهُزمت آمالها في البقاء كقوة  متفردة، لكنها أبقت العراق تحت احتلالها ‏وأوكلت ادارته لايران ومليشياتها. وكان التغلغل الايراني في العراق متزامنا منذ الايام الاولى ‏للاحتلال وانتهزت ايران فرصة اعلان أميركا الانسحاب لتعلن ان بغداد عاصمة عربية اخرى ‏تحت قبضة طهران بعد دمشق وبيروت وتلتهما صنعاء. ‏

وخيَّم القلق على عواصم عربية عديدة من هذا التمدد والتصريحات الايرانية بتبعية عدة دول عربية ‏لها ولم تخفي نواياها بدفع الموالين لها بالتحرك لإثارة القلاقل في دول عربية اخرى.‏

لم يكن امام الدول التي شملها التهديد والتحدي الايراني الصريح الا الاعلان عن رفض هذه ‏السياسيات الايرانية العدائية و التصدي لها. الا انه وكما في اغلب المشاريع العربية لم يستطع ‏المواطن العربي ان يفهم تلك الاليات المزمع اتخاذها لصد المشروع الايراني في المنطقة، ومما ‏يزيد ارباك المواطن ان التناقضات بين الاعلام والواقع تزداد حدة. وكما هو معلوم للقاصي ‏والداني ان حكومة الاحتلال في المنطقة الخضراء تُشكل وتُدار من قبل السفير الايراني في بغداد ‏وهو الحاكم الفعلي بأمر من طهران، وتقتل اهل العراق دون اعتبار لانسانيتهم  وتدمر المدن تحت ‏عنوان التحرير وبقيادة ايرانية علنية للقتال دون لبس او تمويه، وبالرغم من ذلك يرى المواطن  ‏العراقي ان حكومة بغداد تُؤخذ بالاحضان والدلال والترحاب في مضافات الحكام العرب.‏

حمل انتخاب دونالد ترمب معه سيلاً من شائعات اشتُقت من عناوين لتصريحاته اثناء حملته ‏الانتخابية وسُوقت على انها برنامج جديد لحكومة أميركية تريد لململة كوارث الحكومات السابقة، ‏واكثر ما ركز عليه المواطن العراقي امرين: اولهما الموقف من ايران ومليشياتها، كونها الاكثر إيلاما في الواقع العراقي. وثانيهما كيف تتم معالجة الاوضاع في العراق وفق مفهوم الادارة الجديدة؟

تلقفت دوائر عديدة اعلامية واستخبارية عربية وغير عربية هذه التسأولات الملحة، ‏ففاضت مخيلاتهم وخططهم في سيناريوهات تناثرت في مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف ‏اسمائه وإن كان الاغلب منها يرجح الانقلاب الأميركي بتوافق عربي على الشريك الايراني في الساحة ‏العراقية!

يلاحظ المتتبع والمراقب للشأن العراقي الارتباك والهرج والمرج في الساحة العراقية من الداخل ‏والتأمل المرتبك للعراقيين في الخارج، وهمساً ولغطاً هنا وهناك واستنفار المخزون الثقافي للفرد ‏من اجل تحليل الاحداث على ارض الواقع الذي يصطدم بالكوارث التي تنزل على اهل العراق، ‏وتدمير الموصل وتشريد اهلها وقتل اكثر من 40 الف موصلي مثال صارخ على ذلك، وازدياد ‏موجة الاغتيالات والاعتقالات والتغييب القسري خطفا وغرقا. فمن ينظر للمشهد العراقي يصاب ‏بصدمة مزمنة وتضيف هذه الهلوسات ازمة اخرى له.‏

نحن على يقين ان العراقيين وحدهم القادرون على انتزاع بلدهم من يد الاجنبي وتضميد جراحهم ‏وبحكم الانتماء العربي يتأمل العراقيين دعم عربي. مع علمنا ان اهم اسباب النصر هو الوحدة بين ‏القوى الوطنية التي هي ومع شديد الاسف بعيدة المنال وهي ابعد اكثر عن جراحات العراق.‏

‏لا يحتمل الوجع العراقي اسرار التناقضات في مواقف العرب لذا يدور تساؤل مهــم في ذهـن ‏العراقيين موجهـ للعرب الذين يعلنون عن اهتمامهم في الشأن العراقي:

هل العـراق قضـية تـُدرس بصدق من أجـل الحـل، أم ورقـــة ضغــط تســتخدم للحصول علـى ‏مكاســب قطــريـة أنيــة للظروف التي تمرون بها؟!

comments powered by Disqus
خدمة RSS LinkedIn يوتيوب جوجل + فيسبوك تويتر Instagram

عدد الزوار :116,271,198

تطبيق الموبايل

-->

آخر الزيارات

مساحة اعلانية

الأكثر قراءة

الأكتر مشاهدة

تابعنا على "فيس بوك"